“شكرا” ترامب!
كان لزاما علينا انتظار مساء الأربعاء، من أواخر سنة 2017، ليذكّرنا العجوز ترامب بأن لنا قدسا كانت أول قِبلة للمسلمين ومسرى خاتم الأنبياء والمرسلين، قبل أن تُطعن منذ سبعين سنة، ثم تتحول بجرّة “لعاب” إلى عاصمة لـ”إسرائيل”.
قد يكون الرئيس الأمريكي ترامب الوحيد من بين زعماء العالم، بمن فيهم زعماء الدول العربية والإسلامية، من ذكر كلمة قدس بمعناها المعنوي الصحيح في السنوات الأخيرة. ومهما كان الوضع الذي صاغ فيه هذه الكلمة الشريفة، فإن الرجل على الأقل يعرف تاريخ القدس وجغرافيتها وطبعا قيمتها المعنوية قبل المادية، وإلا ما منحها ذاك الخطاب المشؤوم وذاك الاهتمام.. ومعروف في عُرف الناس، أنك لا تحبّ لحبيبك إلا ما هو جميل، وتسعى لتهديه إيّاه.
المشكلة، أن كلمة القدس تتردد “جافة” منذ عصر عمر بن الخطاب فاتح فلسطين وصلاح الدين الأيوبي مُسترجعها من أيدي الصليبيين بشكل دائم في المساجد والمدارس والشوارع أو في أشعار درويش ومطر ونغمات الرحباني وفيروز، ولكن من دون سعي حقيقي لحفظ شرف المكان وقدسيته، بينما نطق دونالد ترامب القدس مرة واحدة فكانت كلمته أقوى وأسرع من الرصاص.
والمشكلة الأكبر، أن الرجل الأمريكي المغمض العينين، أنام هذه المرة كل الذين تعوّدوا أن يبرقوا ويرعدوا، فجاءت كلمته أشبه بأمر.. بل إنها أمر.
الذين سألوا عن الهدف من الربيع العربي، وعجزوا أو ربما أوهموا الناس بعجزهم عن الإجابة، تجلّت لهم الصورة الآن، في أوضح وأنصع زواياها، فقد أكدت الولايات المتحدة الأمريكية للعالم أنها بلد يتغير فيه الرؤساء ولكنه يبقى على حاله. فمنذ أن بادرت أمريكا في رسم خارطة الشرق الأوسط الجديدة، وهي تقدم نفسها كدولة وليس كأشخاص، فزلزلت أرض العراق ونفخت البركان في أرض سوريا وشغلت اليمن وليبيا ومصر والخليج العربي، بالرعب، وشككتهم في أنفسهم، ثم تمكنت من أن تقول الوجع من دون أن تكون لهذه الجثث.. عفوا الأجسام، القدرة على الآه.
اختيار توقيت إعلان القدس الشريف عاصمة للكيان الصهيوني هو في حد ذاته دهاء إسرائيلي وأمريكي، إذ لم يحدث في تاريخ المنطقة العربية والإسلامية أن بلغ الشقاق هذه الدرجة، حتى صار الخليجيون يهدد بعضهم بعضا، ويخوّنون، وصار علماء الإسلام والدعاة يكفر بعضهم بعضا، بل ويبتهجون ويهللون إذا سقط عالم دين قتيلا أمام المنبر، كما حدث للراحل الشيخ سعيد رمضان البوطي، فجاء الإعلان المشؤوم، قليل المفعول.. بل من دونه.
لقد بحثتُ عن القدس في مؤتمرات القمة العربية التي تدارست أوجاع لبنان واليمن وسوريا، ولم أجدها، بحثت عنها في منابر المساجد المهمومة بكيفية طرد الجن وإنقاذ الأمة من السحر وخطر الحسد، فلم أجدها، بحثت عنها في المقررات الدراسية والجامعات التي تحتل مراكز التحصيل الأخيرة، فلم أجدها، بحثت عنها في الصحف والفضائيات المشغولة بعدّ ضحايا تفجيرات سيناء وصنعاء وطرابلس، فلم أجدها.
عفوا لكم جميعا… فقد وجدتها على لسان “ترامب”!