شيوخ وحوامل يُفطرون بسبب سفرهم إلى الطوابق العلوية!
إعلان إنجاز أبراج خاصة بشقق فاخرة لا ينزل سعر الواحدة منها عن ثلاثة ملايير في منطقة موريتي بالجزائر العاصمة في استثمار إماراتي جزائري وبتقنية أمريكية، يحقق رغبة الكثير من وزراء السكن في الجزائر الذين دعوا إلى البنايات العمودية لأجل القضاء على أزمة السكن المُزمنة في الجزائر واختصار المساحة في غياب فادح للعقار، لأجل بناء أكبر عدد من السكنات في قطعة أرضية صغيرة بدلا عن عمارات الأربعة طوابق المنجزة ضمن ملايين السكنات الاجتماعية المنتشرة في الجزائر، وكانت الجزائر قد خابت في اتباع سياسة العمارات الشاهقة التي تقتصد المكان رغم أن الأبراج العالية تضفي على المكان جمالا خلابا، والغريب أن مدنا كثيرة مثل تلمسان وسطيف وباتنة والبليدة وتيزي وزو أعلى بناية فيها لا تزيد عن 12 طابقا، وكل العمارات الشاهقة في عنابة، وخاصة في قسنطينة موروثة عن العهد الإستعماري ضمن مشروع ديغول الشهير، وغالبية أبراج وهران والعاصمة أيضا موروثة منذ العهد الاستعماري وتبلغ أعلاها 20 طابقا، رغم أن سنها جاوز الستين عاما، وتعاني بسبب قدمها من مشكلة تعطل وأحيانا اندثار كامل لمصاعدها، كما هو الحال في الأبراج الخمسة بالسيلوك بقسنطينة، التي يعيش فيها مئات العائلات ويتنقلون إلى الطابق 14 عبر السلالم فقط، وهو ما جعل إنجاز الجزائر للبنايات الشاهقة والأبراج شبه ممنوع، واقتصر على البنايات الخاصة التي يتكفل ساكنوها بحماية وصيانة وإصلاح المصاعد، أو بعض البنايات التي حاولت عدل وغيرها بناءها ودخلت مرحلة الشيخوخة رغم أن عمرها لا يزيد عن السبع سنوات. ففقدت الكثير منها مصاعدها، والجزائر هي البلد الوحيد الذي يختلف فيه سعر السكن حسب الطابق المتواجد فيه، وقد يقل في الأبراج سعر نفس السكن بين الطابق الثاني والطابق 14 بقرابة نصف مليار سنتيم في غياب المصعد وحتى في تواجده لأن المواطن الجزائري لا يصدق بصمود المصاعد، الموجودة فقط في المراكز التجارية الكبرى ومنها المركز التجاري في باب الزوار بالجزائر العاصمة، حيث يسهر أصحاب المركز على أن يبقى في الخدمة باستمرار مهما كانت الظروف.
وتحتفظ عنابة في حي المينابية القديم جدا الذي أنجزته جيني سيدار في الأشهر الأولى للاستقلال على هضبة عالية على أبراج 16 طابقا، مازالت لحد الآن هي الأعلى في المدينة الساحلية الكبيرة، وساكنوها يتذوقون مرّ مصاعدها الغير صالحة وعجزوا رغم محاولاتهم على مدار سنوات من تصليح ما أفسده نصف قرن من اللامبالاة، حيث يعيشون ما يشبه العذاب، وهناك من دخل العمارات في زمن الاستقلال طفلا في العشرين كان يصعد الطابق 16 عبر مصعد، وهو حاليا في خمسينية الاستقلال جاوز الستين ويصعد يوميا 16 طابقا على السلالم في شبه عملية تعذيب، أما في وهران فإن المأساة أكبر، فقد سألنا مرة الشاب الزهواني البالغ من العمر 52 سنة أحد أعمدة الراي في وهران الذي ساهم في تألق خالد ونصرو وحسني والزهوانية، عن سبب بقائه في الظل ففاجأنا بالقول إنه يقطن في الطابق الرابع عشر من عمارة من دون مصعد، فهو إذا نزل إلى الشارع لا يمكنه العودة إلى شقته، وعمارات موبيلار في عاصمة الغرب صورة لفشل ثقافة المصاعد، ويبقى مشروع ديغول في قسنطينة شاهد عيان على فشل الأبراج في الجزائر، حيث بدأ المشروع عام 1958 بإنجاز خمس عمارات شاهقة في حي السيلوك، تأوي حاليا ما لا يقل عن أربعة آلاف نسمة، وهي عمارات من 14 طابقا، صارت مع مرور السنوات أكبر مفرغة قاذورات في قسنطينة، بالرغم من أن الدراسة الفرنسية تؤكد أنها في مكان انزلاقات ومهددة بالانهيار جميعها، إلا أنها مازالت تضرب أرقاما قياسية في أسعارها تقارب المليار من أجل عذاب صعود طوابقها 14 يوميا مشيا على الأقدام، والسكان يلجؤون بشكل يومي إلى رمي أكياس الزبالة من النوافذ ومن الشرفات.
في شهر رمضان الحالي المتزامن مع شهري جويلية وأوت، حيث لم تنزل درجة الحرارة عن 40 درجة في الكثير من المدن الشمالية، أصبحت حكايات العذاب مع هذه العمارات نكت يتداولها الناس، والراحل صلاح أبوسيف الذي زار الجزائر آخر مرة عام 1993 كان من المفروض أن يُخرج فيلمه الشهير “المصعد” في عمارات بلا مصاعد هنا في الجزائر، فقد علمنا أن شيخا في سن الثمانين يقطن في الطابق 14 تلقى فتوى بالإفطار كلما فكر في مغادرة العمارة، وقد ضحى بالصلوات الأربع المفروضة في المسجد، واحتفظ بصلاة العشاء والتراويح حتى لا يضطره الصعود الشاق للإفطار، وقال شيخ في سن السبعين يقطن في الطابق العاشر أنه يخاف أن يعذب حامليه بعد وفاته في جنازته، ويخشى أن لا يسير خلف نعشه أحد بسبب الطابق العاشر الذي يستحيل صعوده من طرف الشباب، فما بالك برفقائه من الشيوخ، أما الحوامل فعليهن منذ أن تبدو أعراض الحمل التنقل إلى الأهل لأن صعود حامل في شهرها السابع إلى غاية الطابق 15 هو إجهاض أو إسقاط للمولود، أو ربما انتحار خاصة في حرارة بداية شهر أوت الحالية في عز رمضان.