-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

صرخة واحدة لـ32 أسيرة: وامعتصماه!

بقلم: عصام بكر
  • 216
  • 0
صرخة واحدة لـ32 أسيرة: وامعتصماه!

من لا يذكر القصة الشهيرة التي ما زالت حية حتى الآن ترددها الأجيال وتتناقلها الألسن تباعا ‏باعتبارها إحدى أشهر قصص النخوة المليئة بالمآثر والبطولة والعزة التي كان بطلها الخليفة العباسي ‏المعتصم بالله الذي جهز جيشا آخره في بغداد وأوله في عمورية في فلسطين عندما استغاثت به امرأة ‏حينما كان يسحلها قائدٌ رومي احتلّ جيشُه المدينة محاولا اقتيادها إلى سوق العبيد، حينها أطلقت نداءها ‏الشهير وصاحت “وامعتصماه”.‏

اليوم هناك حالة ليست بطبيعة الحال محلّ مقارنة مع ما جرى، لا من حيث توفر العناصر ذاتها ‏أو حتى تركيبة الناس رغم وجود حالات كثيرة تستدعي تجميع النخوة المتبقية للعمل بالحد الذي ‏يوفر أسباب البقاء ضمن تصنيف الإنسانية، وصفات العنصر البشري الذي يتمتع بأبسط مقومات ‏إثبات وجوده الآدمي، فالأسيرات في سجون الاحتلال يتعرّضن لحالة غير مسبوقة من الظلم ‏الممارس بحقهن بشكل يومي من قبل إدارات السجون والسجانات 32 أسيرة يعشن ظروفا اعتقالي ‏غاية في الانتهاك لأبسط الحقوق المكفولة بالقانون الدولي، ومنظومة حقوق الإنسان التي لا تحرك ‏ساكنا إزاء ما تقوم به ما تسمى مصلحة السجون من كل المتشدِّقين بالحديث عن الديمقراطية، ‏والعادلة، ومنظومة حقوق الإنسان. ‏

الأسيرات أطلقن بحناجر ترتجف ليس خوفا بل ألما صيحات ومناشدات مثلت حمما من الزفير ‏المجروح بوجع السنين، لكن لا أحد يلبي النداء.. صمت المقابر يخيّم على سماء تكسوها غيوم سوداء ‏وأرض الزنزانة القاحلة تتصلب فيها شرايين تضيق عليهن مثلما تضيق مساحات الهواء المليء ‏بعوادم التلوُّث اليومي مكسوا بأغبرة الحقد والمرض.. اثنان وثلاثون أسيرة بينهنّ 9 أمهات، وأسيرات طفلات، و‏طالبات جامعيات حُرمن من مقعد الدراسة يمر اليوم ثقيلا بنكهة القتل الساكن أجسادهن: من ‏لصرخات الأسيرات؟ ومن يلبي نداء الصوت الحر للبطلات؟ أخوات ورفيقات وماجدات لنا يكابدن ‏وحشة الليل الطويل بعيدا عن الأهل، والأبناء في زنازين مغلقة معتمة أصوات أبوابها لا تفتح إلا ‏لوجبات الضرب، والتنكيل ولا يقابلن ما يتسرب من أشعة الشمس إلى ساحة (الفورة) إلا بسعير ‏الظلم والاهانة.. غرف سوداء مطلية بالدموع رغم قذارة كل ما فيها وبشاعة العيش إلا أنها تتطهر ‏بهؤلاء الماجدات اللواتي كن ندّا وكن في المقدمة وقدّمن من التضحية والفداء دفاعا عن الوطن ‏والقضية حتى تسلب حريتهن من أجل أن يحيى الوطن بكرامة ورفعة حرا للأجيال.‏

الأسيرات دويات، وبكير، وقعدان وما تعرّضن له وفق التسريبات الإعلامية ضمن مجموع الأسيرات ‏وما وصل من معلومات تخطى الكثير من مسلسل طويل من التنكيل السابق، والمعاناة التي يعيشها ‏الاسرى والأسيرات في سجون الاحتلال اهانات غير مسبوقة نزع الحجاب تحت أقدام الجنود (تعمُّد ‏للاهانة)، ضربٌ، تهديد برش الغاز، قطع الكهرباء عن الغرف، حملة التنكيل هذه ليست الأولى لكنها ‏بحسب مؤسسات الاسرى الأعنف والأوسع والأكثر شراسة منذ سنوات ووصلت حد الاعتداء ‏بالضرب المبرح، مما أدى إلى فقدان إحدى الأسيرات الوعي بينما كان العزل وحرمان الزيارة، ‏والعقوبات من نصيب الأسيرات مرح باكير 17 عاما والأسيرة المقدسية شروق دويات المعتقلة منذ ‏العام 2015 ومنى قعدان 42 عاما من بلدة عرابة – سحل وفقدان الوعي بعد الاعتداء الهمجي..

هذا ‏جزء مما تعرضن له على مدار الأيام الماضية وما زال الوضع في غاية التوتر ولا أحد يعرف كيف ‏سينتهي إذا قرر “هؤلاء” استمرار التفنن في إيذاء الأسيرات ومحاولة كسر إرادتهن ليست فقط الإرادة، ‏أرواحهن، وعزّتهن التي تضيق عليها زنازين الظلام والفاشية، فهي لن تتسع لمدى ما يعتمل في ‏قلوبهن من شوق للأهل وتراب الوطن.‏

الحملات المتواصلة ليست وليدة لحظة، بل مسلسلٌ متصاعد تدريجي بحق الاسرى عموما والأسيرات ‏لم يبدأ بتركيب الكاميرات في انتهاك لخصوصية الأسيرة ومنعها من الخروج إلى ساحة الفورة، ولم ‏يتوقف عند إفلات المعتقلات اليهوديات في الأقسام المجاورة لهن اللواتي جئن من العالم السفلي ‏كتعبير عن قمة الانحطاط والتسيب الأخلاقي وما يتعرضن له أسيراتنا من هؤلاء من مضايقات، ‏والألفاظ البذيئة والأصوات والأفعال التي يصدرنها بهدف ترهيب الأسيرات وإخافتهن.. قائمة طويلة من ‏رحلات العذاب عبر ما يسمى “البوسطة” التي يتم فيها نقل الأسيرات من والى المحاكم أو تنقلات ‏أخرى، وهي عبارة عن وسيلة عقاب صيف شتاء، ناهيك عن العلاج الطبي الذي لا يُرى ولا يُسمع ‏عنه، والحديث عن العلاج من ضروب الخيال والمستحيلات إمام سياسة القهر والإهمال الطبي ‏المتعمَّد الذي تمارسه مصلحة السجون، وصولا إلى الغرف والنوم وتوفر المتطلبات الأساسية من ملابس ‏وأغطية وطعام، وهو كله دون المستوى المطلوب، شحيح تفتقر إليه الغرف والأقسام، بالإضافة إلى شتى ‏صنوف المعاناة الأخرى أثناء التحقيق وما يرافقه من تعذيب وحشي وتهديدات للأسيرة لإجبارها على ‏الاعتراف في محاولة فاشلة لخلخلة صورة وقدسية الأسيرة أمام شعبها والرهان على وسط اجتماعي ‏وعادات وتقاليد يلعب عبرها الاحتلال بمشاعر الأهل أو الأسيرة نفسها وهو ما فشل فيه على الدوام ‏على مر العقود، إذ استحوذت الأسيرات على ثقة، واحترام، ونلن من شعبهن، والحركة الوطنية ‏كل معاني البطولة والعزة والاحترام.‏

صرخات الأسيرات هناك في سجن الدامون القريب البعيد للعالم الذي أصمّ أذنيه لم تصل للمعتصم ‏ولم يتحرك جيشه الجرار لإنقاذ الأسيرات من ظلم المحتل وطغيانه، لكن فحوى الرسالة وصل، ليس ‏منذ اليوم رغم كل ما يحيط بنا من إحباط، ويعتري قلوبنا من صدأ المرحلة، وحالة التيه التي ‏نعيش، ورغم غرق البعض العربي أو المعظم العربي في مستنقع التطبيع، وفتح الأبواب والسفارات ‏ترحيبا بقادة الاحتلال على السجاد الأحمر، لكنها وإن طالت مرحلة وتمرّ والثقة بالمستقبل رغم كل ما ‏يخيم من سواد بانبلاج فجر جديد.

اليوم الأسيرات هن سفيراتنا إلى العالم، ينقلن معاناة شعب بالكمه ‏يتوق للخلاص من الاحتلال، لو كان هذا الذي جرى بحقهن في بلد أخر ربما -وأقول ربما- كانت ‏توقفت الحياة أقصد السياسية، وانصبّ العمل على تحريرهن فورا من سجون الاحتلال من خلال ‏حملة دولية واسعة من اعلي المستوى السياسي، والحكومة، والأحزاب، والمؤسسات الأهلية والمجتمع ‏المدني بكل مكوناته، لكان حدث زلزال هز الضمير العالمي أو ما بقي منه، ولتوقف كل شي من أجل ‏حريتهن، وأعلِن النفير ووُجِّهت الخطابات الواضحة أن الأسيرات خط أحمر وأن الجميع مطالَبٌ ‏اليوم بتحمل مسؤوليته تجاه أسيراتنا رمز عزتنا وشرفنا، ولكنّا طالبنا من أعلى المنابر الأممَ المتحدة ‏باتخاذ الإجراءات الفورية والتدخل من اجل إنهاء معاناة الأسيرات وتأمين إطلاق سراحهن دون قيد ‏أو شرط..

ما الذي يفيد الغضب هنا أو حالة احتجاج هناك؟! أفضل من الصمت نعم وأقل واجب.. ‏هذا صحيح، لكن بأيدينا أن نعمل شيئا؛ أن نفعِّل جميع أدوات الضغط المتوفرة، والعمل بقوة من أجل ‏الأسيرات وحريتهن، فليتحرّك كل صناع القرار فورا دون تأخير.. هذا نداء الأسيرات فمن يلبي النداء؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!