صناعة الأوهام
الأوهام جمعُ وهم وهو ما يعتقده الإنسان من أفكار وآراء وحلولا لمشكلات توهمها في طريقه للبحث عن الحقيقة، وهي ليست حقيقة، ولكنها لا تبدو كذلك، وإنما يكتشف زيفها وبطلانها بفضل نقد الغير لها فتسقط، أو بطول تبنيها من غير أثر تحدثه في الواقع، أو ببدو فسادها تلقائيا فتسقط، وهي أنواعٌ وأشكال ومستويات.
وما ميّز مجتمعاتنا العربية الإسلامية خلال النصف الثاني من القرن العشرين هو صناعة هذا المنتوج المخلّ بالمعرفة وهو عالم الأوهام.
وقد ظهرت هذه الأوهام في خديعة التيار العلماني اللائكي للمجتمعات بقيم الاشتراكية واللبيرالية والديمقراطية وحقوق الإنسان وضمان الحريات، بسبب عجزه عن إقناع المجتمع العربي الإسلامي بطروحاته، وبقي دائما أقلية لم يستطع الوصول إلى تحقيق ما يسوّق له من الخطاب الحداثي، إلا القليل مما كان يبش به، من حداثة وحضارة وتقدم ونهضة.
وانكشفت عورات هذه الأوهام أيضا بسقوط التيار القومي إثر هزيمة 1967، إذ سقط التيار القومي سقوطا حرا كتوجه تحرري، تحوَّل بسبب الأوهام التي كان يسوِّق لها إلى فتيل يحرق نفسه وأتباعه وجيرانه قبل أن يحرق خصومه الحقيقيين، كما ظهرت هذه الأوهام أيضا في التشرذم الذي وقع للتيار الإسلامي، وفقدانه البوصلة الحقيقية التي كانت تنتظرها الأمة بعد تحقيق الاستقلال الوطني عن القوى الاستعمارية الغاشمة.
وجميع تلك الأوهام التي تبنّتها فئات المجتمع العربي الإسلامي بفصائلها المحترفة، ليست دائما من صنعها، وإنما هي في بعض الأحيان من صنع الخصوم والأعداء الذين لم يستطيعوا التأثير على الأمة في جذورها الثقافية الفكرية العقدية، فعمدوا إلى الوسائل المعروفة بالغزو الثقافي والصراع الفكري الذي اعتمدته القوى الاستعمارية في مواصلة الفكرة الاستعمارية بطرق جديدة، وقد شبَّه مالك بن نبي هذا الأسلوب بالمسرحية التي تجري أحداثها على خشبة المسرح في الظلام، بينما الأضواء موجهة للمتفرجين، فكانت حصيلة ذلك الصنيع الذي استثمر في علم النفس لجعل المجتمعات تعيش بالأوهام أكثر مما تعيش بقناعاتها الحقيقية، مثل كلب بافلوف تماما، انعكاسات شرطية لأفعال يحسب أهلها أنهم يحسنون صنعا.
ويضاف إلى هذه القابلية المفسدة للعقل والفكر والذوق، الموجودة بالفعل في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، ثورة الاتصال التي شهدتها هذه المرحلة الزمنية في عالم الإشهار والانتاج السنمائي ومؤسسات الأخبار، التي تمتلك من القدرة على صناعة الرأي والرأي المخالف في لحظة من الزمان.
وأول هذه الأهام وأصعبها على المجتمعات، هي الأوهام التي لا تسقط بسبب اختلالات راسخة في أذهان الناس، لضعف مداركهم، أو بسبب التهاون في النقد والتقييم الذي ينبغي أن يكون مصاحبا لكل نشاط إنساني، أو بسبب الإصرار على الخطإ والخطيئة تشبثا بمصالح ومكاسب معينة أو لمجرد التقليد، من غير إدراك للحقيقة.
والسبب الأساس لكل ذلك هو انسداد المنافذ الموصلة إلى الكشف عن حقيقة الوهم ومآسيه. فيدخل في هذا الجهل وضعف الخبرة، والإخلاص المفرط للفكرة أو القضية، إذ من الناس من يفعل الشيء معتقدا أنه هو الصحيح، ومنهم من لا يرى ضرورة لمعرفة الصحيح من الخطأ أصلا؛ لأنه منشغل عن ذلك بضرورة العمل وحسب، اعتقادا منه أنه مطالب بالعمل وليس مطالبا بالنتائج، ومن ثم فلا حاجة للمراجعة والنقد ومعرفة الحق من الباطل.
هذا النوع من الأوهام، لا يمكن علاجه؛ لأنه يجهل أو يتجاهل القوانين الناظمة لحركة الإنسان، فكل فكرة أو فعل أو نشاط، له مدّة معينة ليثمر، وإذا لم يثمر فهناك خلل في العملية، سواء في مكوناتها أو في طريقة أدائها أو في زمنها… إلخ، والذي يجهل القوانين الناظمة للحياة يقع له ما وقع للمؤذن الذي تأخر عن صلاة الفجر، فجاء بعد طلوع الشمس… ولما سُئل: لماذا تأخرت؟ قال: أنا جئت في الوقت الذي أؤذن فيه دائما، ولكن يبدو أن الشمس طلعت مبكرا اليوم! فاستساغ انقلاب نظام الكون كله ولم يشكك في فعله هو بأنه هو المخطئ.
أوهام أخرى أقل خطورة يفرضها العجز والسلبية؛ فعندما يكون الإنسان عاجزا، فإنه لا ينتبه إلى ما يمتلك من طاقة ومن ثروات كامنة فيه؛ لأنه ينشغل عن ذلك بإحصاء ما يحيط به من نقائص، فهو لا يملك مالا، ولا معارف ولا صحة… وقد نالت منه الأيام، ولم تترك له ما يمكن أن يفعل، فيتحول العجز المبرر شكلا، إلى سلبية بالمطلق، ولا يشعر بأنه يصلح لشيء في هذه الحياة.
ومستوى آخر من الأوهام قد يكون للمرء مستوى معينا من المعرفة ولكن لا تدرك حقائقها ومستوى تأثيرها، وذلك ليس بسبب الجهل، ولكن بسبب العرف السائد والثقافة الرائجة، التي لا تسمح لصاحب المعرفة بممارسة معرفته في الواقع، إذ تحل الأوهام الرائجة في المجتمع محل الحقائق والمعتقدات، وهذا النوع من الأوهام لعله الأخطر على الإطلاق؛ لأنه لا يترك منفذا تتسرَّب منه المدركات المعرفية الكاشفة لزيفها ومخاطرها على الإنسان في العاجل والآجل. ذلك أن سلطان العرف على المجتمعات أكبر من المعرفة الجديدة؛ لأن الناس معتادون على تكرار ما لا يألفون تلقائيا، وغير مستعدين لخوض تجربة الجديد من الأمور ولو كان علما؛ لأنهم يحتاجون إلى تجريبه واكتشاف مزاياه ليُدخلوه فيما يعتادون من الأمور التي جرى عليها العمل في حياتهم. والمعرفة لا تتحول إلى ثقافة إلا بواسطة التربية، والتربية تقوم بها جميع مؤسسات المجتمع: الأسرة والمدرسة والمسجد والمؤسسات الإعلامية…
وأوهامٌ يفرضها الخوف من المغامرة والتردد في الفعل، وذلك مضاد لممارسة الحقائق في الواقع ونقلها إلى سلوك، لأن الحقائق لا تتحول إلى أعمال ناجحة إلا بواسطة التربية والتوجيه وبعد الخبرة والتجربة، أما قبل ذلك فالأوهام أقرب إلى أذهان الناس من العلم ما دام نظريا لم يتحول إلى عمل ممارس، وذلك ظاهر في مواجهة العوامّ وأشباه العوامّ للعلماء عندما يقررون قضايا علمية، فإنهم بواجهون بقول بعضهم هذا خيال.. هذا نظري.. هذه طوباوية.. هذه مثالية.. وقول بعضهم الآخر: انزلوا الى الواقع كفاكم تنظيرا وبعدا عن الواقع!
وما يدفع الناس إلى هذا التوجُّه، أنهم غير قادرين على فهم أهمية التنظير العميق في تحقيق المكاسب العملية الناجحة، بسبب ما ألِفوا من التعلق بالأمور الجزئية، التي تمثل الفعل اليومي الذي يستهلك الجهد الانساني… والانسان عندما يُستهلك في التفاصيل، فإنه لا يرتقي إلى مستوى الأصول التي تنبني عليها آلاف المسائل الجزئية.
وأوهام أخرى أقل خطورة يفرضها العجز والسلبية؛ فعندما يكون الإنسان عاجزا، فإنه لا ينتبه إلى ما يمتلك من طاقة ومن ثروات كامنة فيه؛ لأنه ينشغل عن ذلك بإحصاء ما يحيط به من نقائص، فهو لا يملك مالا، ولا معارف ولا صحة… وقد نالت منه الأيام، ولم تترك له ما يمكن أن يفعل، فيتحول العجز المبرر شكلا، إلى سلبية بالمطلق، ولا يشعر بأنه يصلح لشيء في هذه الحياة وكما قال الله تعالى (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [النحل 70]
ونوع آخر من الأوهام التي تسببها الهزيمة النفسية التي يحدثها التضخيم في جميع المجالات، تضخيم الذات وتضخيم الخصم وتضخيم العدو وتضخيم المشكلة، وسلطة كانت هذه الجهة أو عدوا أو خصما أو منافسا أو جهة عادية، إذ لا يستطيع المرء أن يتقدم في شيئ؛ لأنه يرى أن الجهة المقابلة لا تساوي شيئا أو هي أقوى وأقدر وأكثر تأثيرا.
وعندما تقترح فعل شيء مثلا ويكون هذا المقترح يغلب الاحتياط من قوة الجهة المقابلة، يقال لك ولمَ كل هذه التخوفات؟! أو يكون هذا المقترح لا يرضي السلطة مثلا، يقول لك من استبد به هذا النوع من الأوهام: “مايخلوكش”، رغم أن واقع السلطة لا يمكن أن يكون على رأي واحد؛ بل يوجد فيها ما يوجد في باقي المجتمع، وربما وجد من ينتظر المبادرة من الشارع ليدعمها ويفسح لها المجال، بسبب ما في أطراف السلطة من نزاعات وصراعات على المواقع.
ومن الأوهام أيضا تحوُّل الأوهام إلى حقائق ثابتة متمكنة من أصحابها، ولها ما يسندها من الأدلة العلمية والشرعية العملية الموهومة، لتصبح هذه الأوهام هي الأنشطة التي يصرّ عليها أهلها وتختفي وراء بعض الأشكال العلمية التي تبدو وكأنها حقائق.
وعندنا ننظر إلى كارثة معينة على أنها عقابٌ إلهي مثلا، مثل الكوارث الطبيعية التي تصيب الناس في بقاع العالم، فإن أول ما يصاب به الإنسان هو انصرافه عن مناقشة الموضوع وأسبابه المباشرة، التي كانت سببا في وقوع الكارثة، ومن ثم لا يهتم بالعلاج [مالك بن نبي، مجالس دمشق]؛ لأن مناقشة الموضوع بصدق ودقة في البحث عن الأسباب الحقيقية تُفهم على أنها مواجهة للعقاب الإلهي، وربما تُفهم أنها محاربة للقدر… وهذا وهمٌ كبير.
رغم أن العقاب الإلهي في مثل هذه الأمور، يكون نتيجة لمخالفة سنن الله في خلقه، ولا تعارض بين قولنا عقاب إلهي، وبين البحث في الأسباب المؤدية إلى هذه الكارثة أو تلك.
أما العقاب والرضوان الإلهي بمفهومه الشرعي فأمرٌ أخروي؛ لأنه الثمار المرجوة أو الجوائز المنتظرة للناس يوم القيامة مقابل أفعالهم في الدنيا، والمعبِّرة عن رضى الله وسخطه… أما الثمار الدنوية -خيرا كانت أو شرا- فهي محصلة لنشاط بشري ونتائج طبيعية لما أنتج الإنسان من أنشطة ذات صلة، وكما جاء في الحديث النبوي: “من وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه”.
هكذا تُصنع الأوهام، فتطيل أعمار الفساد والمفسدين؛ بل إن الكثير من المفسدين ما كان لهم أن يبقوا ويعمّروا في مواطن القرار ومواقع النفوذ إلا بسبب الأوهام التي صنعتها الجماهير لنفسها أو سوّقتها لها النخبُ المغرورة أو فعلتها لها تلك القوى للتعمية عليها فتبنّتها وروجّت لها، فصرف الناس إلى ما تريد تلك القوى لا إلى ما تريد الجماهير المغبونة، فتنطفئ شموعهم، وإذا كتب لهذه الشموع أن تُشعل في مناسبة ما فإنها ستحرق أهلها قبل أن تصل إلى خصومهم من المفسدين.