-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

صنمٌ اسمه “الإعجاب”!

سلطان بركاني
  • 1378
  • 6
صنمٌ اسمه “الإعجاب”!

كثيرة هي الأوثان التي نصبت للبشرية في هذا الزّمان؛ أوثان ليست من حجارة صلدة، بل من أفكار خادعة ودعاوى كاذبة وعبارات براقة لامعة، تُتّخذ منهجا للحياة لا يحيد عنه إلا من عصم الله، ولا يناقش محتواها إلا من وفّقه الله؛ أفكار ودعاوى تساق مساق المسلّمات، ويوصم كلّ من يرفضها أو يعيد فيها النّظر بالتخلّف والانزواء والتشدّد.. عبارات يزيّنها الشّيطان ويصنع لها هالة تكاد تذهب بالأبصار وتخطف العقول الجاهزة لتقبّل كلّ جديد برّاق!
لعلّ من أخطر الأصنام التي خُدع بها أكثر النّاس في هذا الزّمان، وتَتابع كثير من المسلمين على التبتّل في محاريبها، صنم “الإعجاب” على مواقع التواصل الاجتماعيّ الذي استعمر العقول وأسر الأرواح وأُهدرت في اللهث خلفه الأوقات وأُفنيت الأعمار.. أصبح الإعجاب هدفا يلهث خلفه الصّغير والكبير والذّكر والأنثى في العالم الافتراضيّ الذي يكاد يتحوّل إلى بديل للعالم الحقيقيّ، وغدا حضوره بكثرة مدعاة للفرح والجذل، وغيابه أو قلّته سببا للضّيق والضّجر!

في سبيل الظّفر بالإعجاب اعتكف كثير من شباب الأمّة أمام الصفحات يبحثون عن كلّ خبر غريب يلفت الانتباه؛ لا يهمّهم أن يكون صادقا أو كاذبا، المهمّ أن يجلب كثرة الإعجابات والتّعليقات.. ويفتّشون عن كلّ منشور يتحدّث عن أمر غريب أو نادر، أو كُتِب بلغة تخالف المألوف، لينشروه ويشاركوه.. كاميرات هواتفهم لا تكاد تتوقّف عن أخذ الصّور في كلّ مكان يحطّون فيه، وأناملهم لا تكلّ من مشاركة الصّور والمقاطع التي يجسّون بها نبض الأصدقاء والصّديقات!

في سبيل الظّفر بـ”الإعجاب” استمرأ كثير من المسلمين تناقل الأخبار الكاذبة والزّائفة التي كثيرا ما تتسبّب في فتن داخل الأسر أو بين الأقارب والجيران، وروّجوا لمغالطات تناقض الدّين وأصوله، وانكبّ من انكبّ منهم على نقل الأفكار الغريبة والشاذّة التي تخالف المعروف والمألوف، وعكف من عكف منهم على تناقل الصور الغريبة والقصص المحبوكة المضحكة، فصارت الرّابطة الزوجية مادّة للتندر، والعلاقة بالأصهار والأنساب محلا للسخرية، بل حتّى بعض الشّباب المحسوبين على التديّن والالتزام وجدوا ضالّتهم في المواضيع التي تحوم حول الزّواج والتعدّد والزّوجة الصّالحة ومعاناة العُزب، وغيرها من المواضيع التي تساق في مساق الحبّ العفيف المنتهي بالحلال!
بعض الشابّ المستهترين، انحدروا إلى دركات موغلة في الانحطاط، في سبيل الظّفر بالإعجابات والمشاركات، فاستباحوا نشر الصّور الفاتنة والمقاطع الآثمة.. بل حتى بعض الأزواج والزّوجات الذين مات الحياء في قلوبهم، بلغ بهم الأمر إلى حدّ كتابة منشورات ونشر صور ومقاطع عن خصوصيات الحياة الزّوجية، لا يجوز أن تنشر وتشاع.. سهّل لهم نشرَها اتباع خطوات الشيطان والتمادي في المزاح مع الأصدقاء والخلان.

لقد أجدبت قلوب كثير من المسلمين من الإخلاص، بسبب اللهث خلف الإعجابات على مواقع التواصل، وأصبحوا يعيشون حياتهم لأجل الآخرين ووفق ما يعجب المعجبين! وما عادوا يجعلون نظر الله واطّلاعه في حسبانهم، وما عاد يهمّ كثيرا منهم أن يكون ما ينشرونه على صفحاتهم جزءًا من صحائف حسناتهم أم من صحائف سيّئاتهم.. وقد بلغ الأمر ببعض المتبتّلين في محراب “صنم الإعجاب” إلى حدّ المباهاة بمظاهر التديّن وإظهار ما كان حقيقا به أن يكون خفيا بين المرء وخالقه، من صلاة وتلاوة للقرآن وذكر لله وصدقة وإحسان، وبدأت هذه الظّاهرة تتّجه لتكون عادية وطبيعية بعد أن كانت قبل ذلك مستهجنة!

إنّنا في أمسّ الحاجة، لأن نراجع سعينا ونصحّح نياتنا، ونقلّل اهتمامنا بالتّفاعل على مواقع التواصل الاجتماعيّ إلى الحدّ الأدنى، ويكون اهتمامنا متّجها إلى القبول عند الله سبحانه، حتّى لا نفاجأ في الدّنيا بذهاب البركة ممّا نكتب وننشر، ونفجع في الآخرة بتصفير موازين حسناتنا وذهاب أعمالنا أدراج الرياح، ((وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا))، يوم نؤمر بأن نطلب جزاءنا ممّن كنّا نكتب وننشر لأجل عيونهم وطلبا لإعجابهم! يقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: “إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر”، قالوا: وما الشّرك الأصغر؟ قال: “الرياء، يقول الله -عز وجل- لأصحاب ذلك يوم القيامة إذا جازى الناس: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاءً؟!” (رواه أحمد).

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
6
  • يونس

    بارك الله فيك على النصيحة وجزاكم الله خيرا

  • جبريل اللمعي

    الصالحون ذَوُو العقول لا يَرضَوْن أن يَجِدوا صُحُفَهم يوم القيامة فارغةً من طاعةٍ وبِرٍّ. أما المُجازِفون بدخول جهنم فيُفنُون أوقاتهم في حَشْوِ صَحائِفهم بكل باطلٍ وإِضلالٍ للسُّذَّجِ و جَراءَةٍ على الوحْيَيْنِ وعداوةٍ للصّالِحينَ مِن عباد الله. يحسَبون أن السَّفرَ وحَشْوَ الأمعاء بغريبِ الطعامِ والمُباهاةَ باللباس الغالي مُباحٌ لا يُحاسَبون عليه.

  • لايك عربي

    يحشم من حبيبو

  • مجتمع اللايك

    ربما لاننا منافقين

  • محمد قذيفه

    جزاكم الله خيرا على النصح ويبقى الله عزوجل هو المطلع على النوتايا

  • ثانينه

    زد نقصنا الاكسوجين في الهواء