صواريخ أمريكية بنكهة اقتصادية
تحركت أجهزة الخارجية والدفاع الأمريكية لتضع أمريكا على خط الحرب المباشرة ضد سورية بإطلاق 59 صاروخ توماهوك من مدمِّرة امريكية استهدفت قاعدة جوية في وسط سورية.
من العبث ان نتصور ان الضربة اتخذ قرارها امس مع تصريحات قادة امريكا، لأن ذلك يعني ببساطة عدم فهم ما يدور في عقل الإدارة الأمريكية.. وان هذه السرعة في التنفيذ رغم ان مجلس الأمن أسقط مشروع إدانة الدولة السورية، ورغم ان الأمم المتحدة رفضت اتهام اي طرف قبل اجراء التحقيقات اللازمة التي تحدد الجاني.. الأمر الذي يعني ان هناك قرارات انفرادية امريكية لتحقيق اهداف امريكية محضة.. ومن هنا يمكن القول إن العملية العسكرية الأمريكية ضد سورية حظيت بإعدادٍ دقيق منذ فترة كافية وقد قبضت الإدارة الأمريكية ثمنها كاملا وتحيَّنت الإدارة فرصتها التي يمكن ان تكون هي من اسهم في صناعتها وهي صواريخ بنكهة اقتصادية.
ان تكرار معزوفة الدمار الشامل تذكرنا بما حصل مع العراق، ولكن ينبغي التفريق في الظروف المزامنة لهذا العدوان وذاك العدوان؛ فالعدوان الأول على العراق كان لتدمير العراق واحتلاله وتقسيمه وإخراجه من التاريخ.. اما العدوان الحالي فهو صفقة مالية ضخمة مع المعنيين بعدم انتصار الدولة السورية، وهو كذلك إعادة انتباه بلغة الصواريخ لروسيا التي استفادت من الغياب الأمريكي فتحرّكت براحة في المنطقة.
العدوان الأول على العراق كان لتدمير العراق واحتلاله وتقسيمه وإخراجه من التاريخ.. اما العدوان الحالي فهو صفقة مالية ضخمة مع المعنيين بعدم انتصار الدولة السورية، وهو كذلك إعادة انتباه بلغة الصواريخ لروسيا التي استفادت من الغياب الأمريكي فتحرّكت براحة في المنطقة.
ومن المهم هنا الإشارة إلى معطيات ضرورية على خلفية الحدث لكي يوضع الحدث في سياقه، فلقد زار بعض الحكام العرب المعنيين بالشأن السوري البيت الابيض مؤخرا، وكان واضحا ان هناك دفعا قويا لتدخل امريكي لتعديل موازين القوى على الأرض في سورية بعد ان استطاعت الدولة استرداد مدينة حلب ومزيد من الأراضي في أرياف المحافظات الواسعة.. واصبح واضحا امام الأمريكان ان الملف السوري اصبح مجالا لنفوذ الروس ومدخلا لتوسيعه في المنطقة كلها انتشر في العراق وايران وليبيا.. من هنا ادرك الأمريكان ان الغياب الأمريكي عن المنطقة افسح المجال لتنامي قوى اقليمية اصبحت متنفذة كإيران وتركيا وقوى دولية كالاتحاد الروسي وهذا حرك عديدا من المكوِّنات السياسية ومراكز الفعل في امريكا لاستعادة بعض الحضور رغم انه قد يتسبَّب في أزمات حقيقية مع الروس.
من هنا بالضبط يمكن النظر إلى الفعل الأمريكي على انه جاء في لحظة ضرورية للسياسة الأمريكية، بل لعله من غير المنطقي ان تنتظر امريكا لكي تبسط الدولة السورية سيادتها على كل التراب السوري في غياب تفاهمات مع الأسد حول عديد القضايا ومنها الأمن التام للكيان الصهيوني.. والحديث هنا ليس عن منطقة معزولة انما عن منطقة كان ولا يزال لأمريكا الاهتمام البالغ بتطور الأوضاع فيها ولأمريكا رأي حاضر في كيفية صياغتها فهنا تتحدد سياسات امريكا في منطقة هي الأخطر عالميا بما تحويه من امكانات وما تمثله من وجود استراتيجي يتربع وسط الكون ويعتبر قلب الحركة البشرية يمكنه ان يمثل خطرا استراتيجيا على مستقبل الهيمنة الغربية.. هنا لا يمكن تخيل ان امريكا ستترك الأوضاع في سورية تسير إلى نهاياتها دونما تدخل ولو بعملية جراحية لتحديد معالم سورية والمنطقة.
قراءة السياسة تختلف عن قراءة الأماني.. ففي السياسة لابد من تمثل كل الأطراف ومصالحها وقواها ورغباتها وفهم كيف يدير كل طرف معركته والاستشراف العلمي لما يمكن حدوثه.. من هنا كم تبدو ساذجة تصورات البعض عن قبول الأمريكان بالحل الروسي للأزمة السورية.. وكم يبدو سخيفا تقبّل الرسائل الوهمية التي يطلقها الأمريكان نحو الشأن السوري.. فالمسألة ترتبط بمصالح امريكا الكونية التي تحافظ على تسيُّدها ومصالحها.
على ارضية هذا يمكن القول ان امريكا أرادت ان تعيد العملية مع الروس إلى الصفر.. وتدعو الروس إلى مباحثاتٍ ثنائية وتفاهمات استراتيجية بشأن المنطقة تشمل ملفات اكثر تعقيدا، ولا يمكن النظر للعملية العسكرية الأمريكية على انها بداية حرب واسعة ضد الدولة السورية انما هي رسالة واضحة بالصواريخ لكل الأطراف، فكما انها رسالة واضحة للروس، فهي كذلك رسالة تطمين للكيان الصهيوني مفادها ان قدرة امريكا حاضرة للتدخل في اي لحظة لتعديل الموازين، وهي رسالة ايضا واضحة للحلفاء في المنطقة العربية بأن العم سام لاتزال قوة دفعه وقدرته وهو جدير بكل هذه المليارات التي يضخها النظام العربي في الخزينة الأمريكية..
سورية لن تزيدها وبالا الطلعات الجوية الأمريكية ولا القصف الأمريكي المتزايد، فلم يبق في سورية ما يُخشى عليه.. فطلعة جوية او مائة لن تعدِّل ما يجري على الأرض.. فأمريكا لن تعيد تجربتها الفاشلة في العراق وكل ما تريده هو إعادة النقاش إلى المربع الأول وان تحقق عدة مصالح لها في ضربات محدودة..
صمود الموقف السوري وتحرك جيشه نحو استعادة البلدات والقرى والأرياف ومصالح روسيا الجوهرية في التصدي لتفرُّد امريكا واستحالة وجود موقف دولي يؤيد العدوان الأمريكي.. كل ذلك يعني ان الضربة الأمريكية عملٌ محدود في سياق الصراع لن يتطور وإن كانت امريكا تحاول ان تستفيد منه كثيرا.
الأمر المخزي لكثير من النظام العربي عدم التعليق ولو بكلمة على ما حصل من عدوان اجنبي على بلد عربي.. ولكن كل هذا لا يهم فصمود سورية سيعدل الموازين في المرحلة القادمة.