صينية سمك “مغربية” في الفرن!
تُشهِّر فنادق المغرب ومُركّباتها السياحية الفاخرة، في مراكش وأغادير، لطبق مغربي لذيذ، يأخذ بألباب السياح الأوروبيين واليابانيين والأمريكيين، وهو صينية السمك، الذي يتم طهيه في الفرن، ويتميّز بخليط بين الزبيب والليمون والبصل وبقية البهارات والتوابل والفلافل، وحتى الكسكسي المغربي يتميّز بطهيه بالسمك الأحمر، ويقدّم المغرب نفسه سياحيا للعالم، على أنه البلد العائم بين المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، حيث يعتبر السمك هو الثروة الغذائية الأولى في بلد، عجز مثل جيرانه، وبقية الدول العربية، عن إرساء قواعد تنمية حقيقية، فراح يُقدّم وجهَ سمك طازج، ويُخفي وجه بائعي السمك المساكين، فكانت النهاية بطبق مؤلم.. من جسد بائع سمك ذنبه الوحيد أن الحاجة دفعته إلى البحث عن عمل.
عندما تسلّم رئيس الحكومة المغربية السيد عبد الإله بن كيران، في التاسع والعشرين، من شهر نوفمبر 2011 مقاليد الوزارة الأولى قال متعهدا أمام الملك محمد السادس إن المغرب عكس بقية “البلدان القريبة” ستُعلّم مواطنيها كيف يصطادون السمك، ولن تُطعمهم سمكا كما تقول الحِكمة الصينية، ولكن للأسف تعلّم بعض المغاربة، من سائقي شاحنات القمامة، كيف يصطادون بائع السمك وليس السمك. ولأن المآسي تكشف العورات، فإن ما حدث، نسف كل الصور الجميلة، التي كان يقدمها النظام المغربي للعالم، عبر حكم ديمقراطي، وعدالة اجتماعية وارتفاع في مستوى المعيشة للطبقة المقهورة، إلى أن كشفت حادثة مقتل الشاب فكري موجة بطريقة مأساوية، لا مثيل لها في شوارع مدينة الحسيمة في بلد شقيق، بأن المغرب لم يبدأ بعد طريق الديمقراطية.. فما بالك أن يقول إنه وصل إلى محطتها الرئيسية.
تحرّك وزير الداخلية وحتى ملك المغرب، وتعهّدهما بمعاقبة المتورطين في طحن بائع السمك في “خلاطة” شاحنة القمامة، هو التحرّك الخاطئ في لحظة الصواب، فقد تعوّدنا على أن تتمّ التضحية بالصغار، ككبش فداء، ليزداد الكبار قوة وجاها، وبدلا أن تُطحن الديكتاتورية والظلم والاستبداد، يتم طحن المخطئ الصغير، ليلتحق بالضحية “فكري موجة”، ويبقى سمك القرش الكبير الذي ابتلع السمك وبائعه وطاحن بائعه، يلتهم مزيدا من حقوق المواطنين، وهي صورة عامة لما يجري في غالبية البلدان العربية، رغم أن “الزوم” توقف هذه المرة شطر بلاد المغرب الأقصى.
لقد أبانت الأحداث الصغيرة والكبيرة، من ماء الخليج الشرقي، إلى ماء المحيط الغربي، حيث السمك وبائعيه، أن أسماك القرش الضخمة، هي التي تخطئ دائما في حق الأسماك الصغيرة، ومع ذلك تبقى ملكة للبحار والمحيطات، وما حدث في المغرب حدث ويحدث في غيرها من البلدان العربية، ولن تلِد الأزمة عندنا الهمّة أبدا، مادام الحوت الكبير يأكل الحوت الصغير، ويلتهم بشراهة بائعيه وقاتلي بائعيه، فقد قدمت المغرب لزوارها طبقها اللذيذ صينية سمك في الفرن، وها هي تقدم طبقا مؤلما، ولكن لبائع سمك …في شاحنة قمامة!