-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

طاسيلي ناجر.. ذاكرة الصحراء في تقرير جديد لمجلة “أوبك”

الشروق أونلاين
  • 86
  • 0
طاسيلي ناجر.. ذاكرة الصحراء في تقرير جديد لمجلة “أوبك”
الشروق أونلاين
طاسيلي ناجر في مجلة “أوبك” (تعبيرية)

سلّط العدد الصادر في ماي 2026 من مجلة “OPEC Bulletin” الضوء على هضبة طاسيلي ناجر، من خلال تقرير بعنوان “Tassili n’Ajjer: An open-air museum of the desert”، مقدماً قراءة معمقة لموقع يُعد من أبرز الأرشيفات الطبيعية المفتوحة التي توثق تاريخ الإنسان والبيئة عبر آلاف السنين.

ويستعرض التقرير، الوارد ضمن المجلة ابتداءً من الصفحة 36، الأهمية الاستثنائية للهضبة التي تحتفظ بسجل بصري نادر يعود إلى نحو 10 آلاف سنة، حين نقش إنسان ما قبل التاريخ أولى رسوماته باستخدام صبغة المغرة على جدران الحجر الرملي، موثقاً مشاهد من الحياة اليومية في بيئة كانت آنذاك غنية بالأنهار والحياة البرية والمجتمعات البشرية.

وتغطي هضبة طاسيلي ناجر مساحة تقارب 72 ألف كيلومتر مربع، ما يجعلها أكبر حديقة وطنية في إفريقيا، وهي مدرجة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ عام 1982. ويعود تشكلها الجيولوجي إلى مئات الملايين من السنين، عندما كانت المنطقة مغمورة ببحار قديمة خلال العصرين السيلوري والديفوني، قبل أن تتراكم طبقات الحجر الرملي التي نحتتها عوامل التعرية عبر الزمن لتشكل تضاريسها الحالية. وتنطلق زيارات الموقع عادة من مدينة جانت، التي تعد بوابة الحديقة ومركزاً لمناطقها الرئيسية الثلاث: الهضبة، وسلسلة جبال تادرارت الحمراء، ووادي إيهرير.

ولا تقتصر أهمية طاسيلي ناجر على بعدها الجيولوجي، إذ تضم واحدة من أكبر وأهم مجموعات الفن الصخري في العالم، حيث تم توثيق أكثر من 15 ألف لوحة ونقش، مع ترجيحات بوجود المزيد في المناطق الوعرة. وتتنوع هذه الأعمال الفنية بين فترات تاريخية مختلفة، بدءاً من الفترة العتيقة التي تعود إلى نحو 12 ألف عام وتصور حيوانات برية ضخمة، مروراً بفترة “الرؤوس المستديرة” ذات الطابع الرمزي أو الطقسي، وصولاً إلى الفترة الرعوية بين 4500 و4000 قبل الميلاد، التي توثق التحول من الصيد إلى تربية الماشية وحياة المخيمات.

ويبرز التقرير القيمة العلمية لهذه الرسومات في توثيق التحولات المناخية للصحراء الكبرى، إذ تُظهر مشاهد لحيوانات مثل أفراس النهر والتماسيح والزرافات، ما يدل على بيئة كانت غنية بالمياه والغطاء النباتي خلال ما يعرف بـ“الفترة الأفريقية الرطبة” بين 12 ألف و7 آلاف سنة مضت. ومع تراجع الأمطار، تعكس الرسومات تطوراً تدريجياً نحو تصوير الماشية الأصغر ثم الخيول والعربات وأخيراً الجمال، في دلالة على تغير الأنماط البيئية والمعيشية.

وفيما يتعلق بالحفاظ على هذا الإرث، يشير التقرير إلى هشاشة الفن الصخري أمام العوامل الطبيعية، ما استدعى إخضاع المنطقة لإدارة وطنية منذ عام 1972. وتتولى السلطات الجزائرية حالياً تسيير الموقع عبر الديوان الوطني للحظيرة الثقافية للطاسيلي ناجر، مع اعتماد نظام سياحة منظم يفرض مرافقة مرشدين رسميين، نظراً لصعوبة الوصول إلى الهضبة التي لا يمكن بلوغها إلا سيراً على الأقدام.

ويخلص التقرير إلى أن طاسيلي ناجر تقدم دليلاً ملموساً على قدرة الأنظمة البيئية على التحول الجذري خلال بضعة آلاف من السنين، مؤكداً أن الصحراء الكبرى بدأت انتقالها من بيئة سافانا خضراء إلى صحراء جافة قبل زمن طويل من الثورة الصناعية، في مشهد يعكس ديناميكية الطبيعة وتأثير القوى الكبرى التي تعيد تشكيل العالم باستمرار.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!