طرائق الانتقال الديمقراطي
بعد إدراج عملياتِ “الانتقال الديمقراطي” ضمن مباحث العلوم السياسية في سبعينيات القرن الماضي، والتي ستبقى لسنواتٍ قادمةٍ ضمن الأجندات البحثية والآفاق المستقبلية لها، فقد فرضت أدبياتُه مفاهيم نظرية ومناهج تحليلية لدراسة هذه الظاهرة السياسية، ورصْد تجاربها والخلاصات العلمية التي تؤصِّل لأسبابها وطرائقها ونتائجها، وهو ما أكّد على حالة التعدّد والتعقيد في تجارب وخبرات الانتقال الديمقراطي، إذ لا يوجد أنموذجٌ واحدٌ يمكن القياس عليه، والذي قد يتطلب فتراتٍ زمنيةٍ طويلةٍ نسبيًّا من أجل الرّسوخ والاستقرار، فهو ليس وصفةً سحرية جاهزة، لتشابك مصالح القوى والعناصر الفاعلة ذات التأثير في مسار التحوّل الديمقراطي داخليًّا وخارجيًّا، مع مراعاة الخصوصيات القُطْرية: الحضارية والثقافية والاجتماعية له من بلدٍ إلى آخر، إذ أنّ الديمقراطية لا تُفرضُ من الخارج، ولا تُصدّر أو تُستورد من دولة.
بالرّغم من الطفرة الهائلة لأدبيات هذه الظاهرة على المستوى العالمي، وخضوعها للمنطق العلمي الأكاديمي، سواءٌ من الناحية الكمية أو الكيفية، أو من الناحية النظرية والتطبيقية، أو من ناحية الدراسات المقارِنة فإنّ الفجوة لا تزال كبيرةً في السّاحة السياسة العربية: فهمًا وتأصيلاً ومسارًا.
ويُعرَّف الانتقال الديمقراطي بأنّه مرحلةٌ وسيطةٌ لجملةٍ من التفاعلات والتحوّلات السياسية التي تؤدّي إلى الانتقال من حالةٍ غيرِ ديمقراطيةٍ إلى وضعٍ ديمقراطي، تطبعها أشكالٌ من الصّراعات أو المساومات أو المفاوضات أو التوافقات بين الأطراف المتفاعلة مع هذه الظاهرة: شعبيًّا وحزبيًّا ومؤسّساتيًّا، وهو ما يؤدّي إلى تفكّك نظامٍ غير ديمقراطي، وإعادةِ تشكّلِ نظامٍ ديمقراطيّ، بوضع ترتيباتٍ دستوريةٍ ومؤسّسية توافقية، تؤسّس للنظام السّياسي الجديد.
ولا يمكن تفسير تجارب الانتقال الديمقراطي بصورةٍ نمطيةٍ موحّدة، إذ تتداخل أسبابُه الجوهرية والشكلية، وتتعدّد عواملُه المؤثّرة: الداخلية والخارجية من تجربةٍ إلى أخرى، ولعلّ من أهمّ الأسباب التي تفرض نفسها في عمليات التحوّل الديمقراطي: تفاقم الأزمات الداخلية: السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعجز النظام السياسي عن مواجهتها أو معالجتها، ما يؤدّي إلى تصاعد الاحتجاجات الشعبية، واشتغال الزّمن لصالح المعارضات: السياسية والمجتمعية، فإذا وافق ذلك وجودُ قوى سياسية حقيقية، ومجتمعٌ مدنيّ فاعل، وتناغمٌ كبير مع الحراك الشعبي، ووجودُ نخبةٍ إصلاحيةٍ من داخل النظام السياسي، تؤمن بضرورة التغيير السلمي والانتقال السّلس للسلطة، فإنّ ذلك يفتح الآفاق لعمليات الدّمقرطة الآمنة، بعيدًا عن التغيير الرّاديكالي العنيف.
وبالرّغم من وجود فواعل خارجية مؤثّرة في عمليات الانتقال الديمقراطي ومساندة لها فإنّ تأثيرها يكون محدودًا إذا لم يجد القابلية الداخلية لذلك التدخّل الأجنبي، سواءٌ من حيث البيئة المرحِّبة به أو من جهة الأدوات العميلة له.
مع التأكيد أنّ معظم الأنظمة العربية التسلطية هي المستفيدة من الأيادي الخارجية والتواطؤات الأجنبية، من قوى غربية تضحّي بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان من أجل نفوذها، في تناقضٍ صارخٍ بين القيم والمصالح، ما يفقدها المصداقية في دعاوى الديمقرطية والحرّية التي تبشّر بها العالم.
إنّ تعدّد عوامل الانتقال الديمقراطي، واختلاف طبيعة القوى المؤثرة فيه، هي التي تضمن استمراره وترسيخه فيما بعد الانتقال، وهي التي تحدّد أشكاله وأصنافه، والتي لا تخرج في الغالب عن أربعة أنماط، وهي:
1_ الانتقال الفوقي: وهو الانتقال الذي تقوده وتهندسه نخبةٌ إصلاحيةٌ من داخل منظومة الحكم، وذلك بتضافر عوامل موضوعية تهدّد شرعية السّلطة السياسية القائمة، بحيث تتوفّر لدى عُقلائها القناعة بأنّ الانفتاح السياسي ومناخ الحريات وإطلاق الإصلاحات أقلُّ كلفة من الاستمرار في فرض الأمر الواقع للنظام التسلّطي، وهو الانتقال الديمقراطي الذي يأخذ مسارًا متدرّجًا ومراحلَ متداخلة، مثلما حدث في إسبانيا والبرازيل.
2_ الانتقال السُّفلي: وهو الانتقال الذي تتسبّب فيه الثورات السّلمية والانتفاضات الشعبية، وتقوده وتشارك فيه قوى المعارضة السياسية، ما يُجبر النظامَ التسلطي على تقديم تنازلات، تفتح المجال لدمقرطة الحياة العامة.
3_ الانتقال المتفاوض عليه: وهو الانتقال الذي يأتي نتيجة التوازن النسبي في ميزان القوّة بين السلطة والمعارضة، نتيجة القناعة لدى النخبة الحاكمة بالعجز عن الاستمرار في الوضع القائم، ونتيجة عدم قدرة المعارضة على الإطاحة بالنظام السياسي.
وعادةً ما يصل الطرفان إلى هذه الضّرورة بالانتقال المتفاوَض عليه بسبب الاحتجاجات الشعبية التي تحرّكها قوى المعارضة، ولا يوجد من حلٍّ للجميع إلا آلية الاتصالات، والجلوس على طاولة المفاوضات، وحتمية الوصول إلى التوافقات، والدخول في مسارٍ ديمقراطي وانتقال سلسٍ للسّلطة.
4_ الانتقال الخارجي: وذلك بسبب عجز النخبة العاقلة في منظومة الحكم عن إحداث الانتقال الفوقي، أو عجز المعارضة عن فرض الانتقال السّفلي عبر الاحتجاجات الشعبية، أو عجزهما معًا عن الانتقال المتفاوَض عليه، فإنّ الحتمية الواقعية والدورة التاريخية لأيّ نظامٍ سياسيّ، والتي تتراوح بين 30 و40 سنة تدفع باتجاه فرض الانتقال الديمقراطي عن طريق التدخُّل العسكري الخارجي، تحت ذرائع مختلفة، منها: إسقاط النظام الديكتاتوري، أو لدوافع إنسانية، أو لوضع حدٍّ لحروب أهلية، مثلما حدث من الانتقال الناجح مع اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، أو الانتقال الفاشل مع أفغانستان سنة 2001م، والعراق سنة 2003م.
وقد تبيّن من خلال استقراء طرائق الانتقال الديمقراطي المختلفة لأكثر من 100 دولة أنّ الانتقال العنيف أو عن طريق التدخل العسكري الأجنبي هو أفشلُ أنواع الانتقال الديمقراطي، وأكثره كلْفةً على الدولة والشّعب، وأخطره على استمراريته وترسيخه. ومن خلال الدراسات المقارنة لتجارب الربيع العربي فقد تبيّن أنّ هناك عوائق موضوعية وتحدّيات ذاتية لأيّ انتقالٍ ديمقراطي عربي، لابدّ من الانتباه إليها، ومنها: خطورة إدارة مرحلة الانتقال الديمقراطي بقوى تقليدية وعقليات جامدة، وعدم الوضوح في الخطوات الإجرائية والإخلال بالتوافق عليها، ومصيبة الوقوع في فخّ الاصطفافات الإيديولوجية والاستقطابات الداخلية، وكارثية القابلية للتدخل الأجنبي عبر الأدوات المحلّية، وعدم تفهّم حساسية ودقة المرحلة من الناحية المالية والاقتصادية والاجتماعية، وتضخّم الأنا وهيمنة الأنانية في تسيير الدولة بغير ثقافتها ولا بأدواتها، وسرقة أحلام الثورة الشعبية والالتفاف على مطالبها الحقيقية، والانزلاق بسلميتها إلى مستنقع العنف، لتعود الأنظمة الشمولية إلى إعادة رسكلة نفسها وضمان نِصاب بقائها بشرعية مكافحة العنف والإرهاب.
*الانتقال السُّفلي هو الانتقال الذي تتسبّب فيه الثورات السّلمية والانتفاضات الشعبية، وتقوده وتشارك فيه قوى المعارضة السياسية، ما يُجبر النظامَ التسلطي على تقديم تنازلات، تفتح المجال لدمقرطة الحياة العامة.