عبّاد الألم
لم يستطع أي جزائري تفادي الصدمة هذه المرة، وخبر العملية الإرهابية بولاية برج بوعريريج يحاول قتل الأمل فيه.. ليس بسبب الحصيلة الثقيلة
-
وليس بسبب بشاعة الجريمة فقط، وإنما لأن ما حدث في السابع من هذا الشهر عقب فوز المنتخب الجزائري أمام أشقائه المصريين من أجواء إحتفالية إعتبرناه المصالحة الكبرى مع الذات وفتح صفحة جديدة مع الأفراح والتألق ليس في عالم الكرة فقط وإنما في جميع المجالات.. لكن ما حدث أكد أن “عبّاد” الموت والألم مازالوا يستهدفون الأمل، ويلهثون لأجل استهدافه دون أن يعرف أحد ولا حتى “الفاعلين” الهدف الذي يريدونه بقتل شباب في العشرينات من العمر وزرع الحزن لدى أهاليهم.
-
قد يكون لأي جريمة أسبابها في العرف الإجتماعي والقانوني، فالحراڤ الذي يخاطر بحياته إنما يريد “الحياة التي يحلم بها” ما وراء البحر بعد أن أنهكه الفقر والبطالة، والسارق يبحث عن “حياة أفضل”، والمنتحر يحاول تطليق الدنيا التي يئس من إمكانية الأمل فيها.. قد يكون لكل “مجرم” مبرراته التي يحاول إقناع نفسه بها، ويحاول محاميه الإستناد عليها.. ولكن هذا الذي يقتل شابا في مقتبل العمر ذنبه أنه اختار العمل وتأسيس أسرة ومساعدة عائلته لتجاوز ظروف حياتية واجتماعية صعبة لا يمكن أن نبحث له عن أي عذر مهما كان، وسيصعب على أي محام في حال محاكمته أن يدافع بالبحث عن أعذار لهؤلاء القتلة الذين عاثوا فسادا في فسحة الأمل التي برزت مؤخرا لدى الجزائريين الذين يحلمون اليوم بفوز كروي جديد أمام زامبيا ليعلنوا مزيدا من الحب لبلادهم وأيضا للحياة التي كانت ومازالت تشكل عقدة لدى المرضى الذين صنعوا مجزرة البرج وغيرها من المجازر.
-
الجنائز الشعبية التي حضرناها أمس لشهداء المجزرة الأخيرة لم تكن مجرد رسائل رفض لهؤلاء، وإنما قطيعة نهائية مع المجرمين الذين رفضوا كل الفرص التي أتيحت لهم لأجل المصالحة مع الذات في أعمال هي الإنتحار الحقيقي الذي يجعل من هؤلاء موتى سواء تم القضاء عليهم أو بقوا في جحورهم، والدموع التي سالت على الضحايا من أهاليهم ومن أصدقائم ومن عامة الناس كانت كالطوفان الذي جرف جرائم الفاعلين وحوّل الحداد إلى شعور شعبي مما يعني أن زمن الصمت قد ولّى، والمواطن تعاقد هذه المرة مع الأمل والإنتصار، ولن يقف صامتا أمام من يريدون قتله ماديا ومعنويا…
-
الجزائريون الذين توجهت أنظارهم وقلوبهم الآن نحو زامبيا كما توجهت من قبل نحو البليدة لا يرجون من فوز فريقهم الوطني أموالا ومناصب شغل وترقيات وامتيازات، وإنما يريدون فرحة لمسوا تأثيرها في السابع من الشهر الحالي ويريدون تكرارها حتى تصبح أسلوب حياة نتنفسه، والذي يريد عكس ذلك لا أحد يرحمه هذه المرة..