-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

عشرون سنة ضد العقل!

عشرون سنة ضد العقل!

“الجزائر غدا” هو عنوان تقرير أُعد في منتصف تسعينيات القرن الماضي على أساس تقديم تصور مستقبلي للبلاد في حدود سنة 2010 وإلى غاية 2020، أشرفت على إعداده وزارة التجهيز والتهيئة العمرانية آنذاك على أساس أن تتم استعادة التوازنات الكبرى للإقليم الجزائري في حدود هذا التاريخ، شاركت فيه عشرات العقول المفكرة ومسّ كافة القطاعات من المحروقات إلى السكن إلى التربية إلى الوضع الإقليمي… مرت على التقرير، وتقارير أخرى، عشرون سنة ولم نكلف أنفسنا عناء إعادة قراءته لمعرفة طبيعة الخلل ومكمنه، والأهم من ذلك ما إذا كُنّا بحق نسير من غير رؤية، وضد العقل المفكر…

التقييم، وآليات مراقبة مدى تجسيد السيناريوهات ميدانيا ليست فقط مسائل اختيارية بل هي من أهم مكونات الرؤية المستقبلية، وكل تخل عن هذه المرحلة الهامة من مراحلها يعد بمثابة إفراغ للرؤية من محتواها ومنعها من أن تتحوّل إلى واقع ملموس، ولعل هذا ما ينطبق على ما كان يتم ببلادنا في أكثر من قطاع، لا نشك أن لدينا من الكفاءات ما يمكننا من الاستعداد للمستقبل بكفاءة، ولا شك أن هذه الكفاءات قدَّمت ما استطاعت لبلادها في مختلف المجالات، إلا أن جُهدها الفكري والعلمي يبقى في الغالب ضمن أدراج مكاتب لا تعيره أية أهمية ليُقتل،  ويستمر آخرون في تسيير شؤون البلاد بطرق بالية عفا عنها الزمن…

تكفي قراءة تقرير”الجزائر غدا” لنصل إلى هذه النتيجة، ما من قطاع إلا وتم تقديم تصور مستقبلي له خلال العشرين سنة القادمة (منذ 1995). ومرت العشرون سنة ولم نُكلف أنفسنا طرح السؤال لماذا لم نُقيّم بموضوعية ما تم التفكير فيه بعيدا عن البرامج الحزبية والسياسات الظرفية؟ لماذا لم نتساءل عن مصير تلك الشعارات التي رفعها التقرير ومن بينها: “اعرضوا على الناس بناء الجزائر فستجمعون شملهم”  (ص91). هل تم عرض مشروع بناء الجزائر على الناس؟ وهل تم جمع شملهم حوله؟ لا يبدو لنا الأمر كذلك.

لقد مرت العشرون سنة ولم يحدث ذلك، بل وما زالت الأسئلة المطروحة هي ذاتها:

ـ كيف نتخلص من التبعية للمحروقات؟ كيف نعيد التوازن للإقليم؟ كيف نبني قاعدة صناعية صلبة؟ كيف نربط الجامعة بمحيطها؟ كيف نعيد الاعتبار للمنظومة التربية؟ كيف نعزز موقع الجزائر الجيواستراتيجي؟… الخ

عندما طُرحت هذه الأسئلة في سنة 1995 وكانت لدينا القدرة على تقديم إجابات عميقة حولها، رغم أننا كنا نعيش في عمق الأزمة، كان ذلك شجاعة كبيرة مِنّا، أن نُفكر في المستقبل، ونسعى لتقديم حلول  ليس لجزائر تلك الفترة بل لجزائر الغد… ما الذي حدث بعدها لكي ندخل في حالة من التسيير القصير المدى ذي الأهداف المحدودة والطفيلية أحيانا بعيدا عن كل رؤية استشرافية؟ الكل يعرف ذلك، والنتيجة التي يتفق بشأنها الجميع أننا لحد اليوم مازلنا نطرح ذات الأسئلة من غير إجابات مقنعة على الأمد البعيد…

يبدو أن ما تنبأ به التقرير قد تحقق، لقد افترض أن البلاد يمكن أن تتبع سيناريو الأمر غير المقبول الذي يحمل عنوان”سيناريو التنمية العفوية والتسيب(ص70)، بدل أن تتبع السيناريو المأمول القائم على تهيئة عمرانية استقبالية واسترداد حقيقي للإقليم.

لقد توقع التقرير ذلك بالفعل وذكر لنا التوجهات المشؤومة التي يقتضيها سيناريو الأمر غير المقبول من لاتوازن ديمغرافي وتضحية بالزراعة وحالات التبذير وخسائر اقتصادية بالجملة… (ص79)، وبادر إلى وضع أفق لجزائر الغد يتراوح بين الأجلين القصير 1995 ـ 2000، والمتوسط 2000 ـ 2010، والبعيد 2010 ـ 2020، في مجالات إيقاف النزوح الريفي، وإنعاش الهياكل الكبرى الخاصة بالتشغيل والأنشطة، وانطلاق برنامج المدن الجديد، وإعادة النشر الديمغرافي في المناطق التّلية، والتحكم في العمران…الخ، بل وتم تقديم تصور عن إمكانية تنفيذ هذا السيناريو المأمول (ص88)… والغريب أنه انطلق من ذات التشخيص الذي مازلنا نكرره إلى اليوم دون أن نتعظ، جاء في تقييم التقرير لنموذج التنمية آنذاك: “كان النموذج خادعا طالما كان الريع البترولي قادرا على تغطية جميع ألوان التبذير الذي كانت تتسم به نفقاته وكفيلا بضمان مقدرته على الأداء والسداد الخارجي، ولكنه سرعان ما انهار واندحر بطبيعة الأمر عندما فقد هذا الإمكان” (ص94).. وها نحن نكرر ذات التشخيص اليوم، وأحيانا نكرر ذات العبارات. لنقرأ ما جاء في التقرير بالحرف: “إن الانخفاض المفاجئ للإيرادات الخارجية المتأتية من البترول وحده تقريبا والحال أن وارداتنا في ارتفاع، قد كشفت ابتداء من سنة 1986 ضروب الضعف الهيكلي في اقتصادنا وعدم حصانته إزاء الظواهر الخارجية وعند ذلك فقط أخذت ضرورة إجراء إصلاحات عميقة… تفرض إجراء تغيير هيكيلي لنموذج التنمية” (ص94)، إلا أننا ننسى أمرا جوهريا أن الحلول التي قدمناها في تلك الفترة بقيت حبرا على ورق، قضى عليها أعداء العقول المفكرة أنصار الشعارات الرنانة الغارقين في الحاضر غير القادرين على التفكير في المستقبل…

وهكذا يتبين لنا كيف كان الجهل يقضي على العلم، وكيف كانت تُقتل الأفكار الحية، وكيف كان أشباه السياسيين يمنعون الفكر الخلاق من أن يقود البلاد، وكيف كانت سياسة تسيير شؤون البلاد كيفما اقتضى الحال يوما بيوم، تقبر كل مبادرة للانتقال بها إلى التسيير القائم على الاستشراف والاستشراف الاستراتيجي والرؤية المستقبلية، وتتبين لنا بوضوح طبيعة الداء الذي ينخر بلادنا وطبيعة الدواء الذي نحتاجه.

إن مشكلتنا تكمن بالأساس في هذا المستوى، أننا لم نلتزم برؤية استشرافية للبلاد ونلزم أنفسنا بتطبيقها وبتقييم ذلك التطبيق على الأقل كل سنتين، لتُعدَّل وفق مقتضيات الأمور، كل محاولاتنا لرسم مشروع مستقبلي لجزائر الغد، كانت تنهار تحت تلاعبات أشباه السياسيين، الذي لا ندري كيف توكل الأمور لهم لتسيير شؤون البلاد. وتدريجيا يضمحل ويُهمَّش العقل المفكر الذي بإمكانه قيادة البلاد أمام تكالب أيدي النهب وازدياد شراهة تلك الفئات التي لا تفكر إلا في ملء بطونها… وهكذا بدل أن نكون قد عرفنا مصير مشروع الجزائر 2005  الذي أعدته نخبة من الخبراء الجزائريين، أو مشروع جزائر الغد، أو أي مشروع آخر يضعنا ضمن أفق نصف الأول من القرن الحادي والعشرين، نبقى أسرى أمزجة أفراد، ونزوات مجموعات وزمر، بقدر ما هي تُسيِّر حياتنا يوما بيوم، هي قادرة على أن تتركنا في منتصف الطريق في أي يوم..

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • مواطن

    كل شهاداتنا العلمية وخاصة منها الجامعية مزيفة لأنها مكتسبة عن طريق الغش حتى بين القائمين على التدريس.فشلنا في كل الميادين ومنها الاقتصادية والعمرانية ما هي إلا نتيجة هذا الهروب إلى الأمام والكذب على أنفسنا.

  • مواطن

    وأتممنا تسوية الجهل بين الجميع بقبول الانتقال دون مستوى إلى الدرجة الأعلى.واختفت بذلك الطرق البيداغوجة الحية.ولتصفية الفروق بين جميع الدارسين أسسنا الغش في الامتحانات برفع نسب النجاح.أما مجال تنشيط العقل والتفكير فحدث ولا حرج.عوضت الأعمال التطبيقية الحية باستعمال الأشرطة المدمجة التي تفسر كل شيء للمتفرج المتلقي في الطبيعيات والفيزياء.حتى الرياضيات أنشأنا لها نماذج تحفظ آليا لضمان نتائج صحيحة مما يمنع البحث بإجبار العقل على التفكير.كل شهاداتنا العلمية وخاصة منها الجامعية مزيفة لأنها مكتسبة .....

  • مواطن

    إثر حرب أكتوبر أدلى موشي ديان"لقد بينا للعرب أن الحرب لا تكتسب من خلال قراءة الكتب"ليست كثرة الشهادات الجامعية دليلا على قدرتنا على تصور سليم للمستقبل.لقد طغى على العقل الجزائري منذ حصولنا على الاستقلال الكسل والجمود الفكري انطلاقا من المدرسة يوم أجبر المعلم على أن يعتمد على وثيقة مجهزة مسبقا دون أن يفهم هو نفسه لا الأهداف التي يرمي إليها الدرس ولا أسس تبليغ محتواها.فاعتمدت المدرسة على تلقين ما لا نعي.ونظرا لانعدام بذل الجهد لاكتساب المعلومات قضينا حتى على الذاكرة تحت شعار مقاومة الحفظ الآلي....

  • Marjolaine

    الحقيقة مقالاتك رائعة ، لكن في فترة الإنتخابات الرئاسية وما صاحبها من شد وجذب أدركت أنها لا يوجد لها أي تأثير على الساحة السياسية فهي لا تعدو سوى سحابة صيف

  • عبدالقادر حقي

    سياسة العناد لاتخرجنا من النفق الذي وضعنا فيه الفساد.المشاكل لاتحل الابالعقل السليم وتتطلب جسد قوي وسليم يسمح لصاحبه بان يقوم الليل مع اغلب اوقات النهار الطويل من اجل تحسين الامور ولايسمح لبلد كالجزائر ان يزول من الوجود كبلد موحد وشعب واحد بسبب ابتعاد اهل العقول واقترابه من الدخول في اللامجهول الذي لاقدر الله و ان دخلناه سيكون فيه الكثير من الهول. ما دام يوجد القليل من الوقت يجب ان نرجع للمعقول ونبتعد ببلدنا وشعبنا عن مايخبئه له المجهول الذي تخطط له عصابات الماغول بمعية الاستعمارمن وراء البحار .

  • عبدالقادر حقي

    من تسيير امور البلاد والعباد. بربكم ايوجد بلد في العالم لا يحترم كفاءته؟ ايعقل ان يهمش صاحب اعلى الشهادات ويعوض بارذل الرداءات واحقرها؟اليس من العار ان يصبح صاحب الشهادة يعول على رضى صاحب النعمة اكثر من ما يعتمد على شهادته وعلمه وكفاءته؟الحقيقة مؤلمة لكن هذههي الاحوال في جزائر القرن الواحد والعشرين هذا وقد حبانا بخير كبير من المقدرات الماديةوالبشرية لولم يكون ريع البترول ممكمن اننا الان تحت القبور. الحق يقال يجب ان يغر السيستام الذي يعتمد على البريكولاج وعلى انا ربها واريكم ماارى وبعدي والطوفان

  • عبدالقادر حقي

    ما قاله الدكتور صحيح وحقيقة مرة يلمسها كل عاقل ويقول بصوت عال:"يان اسفي جزائر اليوم المشكلة ليست في الفلوس لكن مشكلتنا في تغييب في الرؤوس.". ان تغييب العقل من قبل من لا عقول لهم هو الذي ادى بنا الى مانعيشه اليوم والذنب الكبير يقع على عاتق النخب المثقفة في كل المجالات التي قبلت بان تعيش تحت رحمة المفسدين من اشباه المثقفين الذين لا يعطون للفكر و العلوم و المعارف اي تقدير و لا احترام ولا تبجيل وافهمهم يقول اعطيني فاهم ولا تعطيني قارئ وهذا حد الاستهتار بالمتعلمين والعلماء والباحثين و اقصائهم ....

  • بدون اسم

    تابع ـ و منه سفينة نوح عليه السلام التي أنقذت البشرية من الإنقراض و رؤيا سيدنا يوسف عليه السلام التي أنقذت الكثير من النّاس في عهده من الجوع و الهلاك و .. و رسالة نبي الله و رسوله محمد صلّى الله عليه و سلّم التي بها توقّف وأد البنات و حقّ المرأة في الإرث و حرّيتها و وقف الحروب الجاهلية لأتفه الأسباب و نشر الرحمة بين الناس و الدعوة بالحسنى و لا ننسى صنيع عثمان لمّا جاء بقافلة إبل مليئة بالطعام من الشام إنقاذا للناس في عهد عمر و التي جعلها لله دون مقابل وقت الشدّة . لتكن أعمالنا لله مع الشكر .

  • بدون اسم

    تابع ـ دعوة الإسلام الى حياة أفضل للبشرية في الدنيا و في الآخرة و الآخرة هي القرار إن عصت الدنيا على المؤمنين
    الله جعل الإنسان على الأرض خليفة الى حين ليرى كيف يعمل في مستقبله الدنيوي و الأخروي كيف يحمي صلته بربّه من كلّ قاطع و القاطع في كلّ شيء من شؤون الدنيا
    و إستمرار صلة الإنسان بربّه و سؤاله كلّ ليلة من عطائه هو الذي يؤدي الى عمارة الأرض في شتّى المجالات فكثير من الأنبياء و الرّسل تركوا للبشرية منجزات منها على سبيل المثال المساجد الجامعة و الرّدم ضدّ المفسدين من يأجوج و مأجوج /]تبع

  • بدون اسم

    دعوة الإسلام مبنية على نشر الحياة الأفضل للجميع ( للعالمين) و يبدأ ذلك من حاضر الإسلام الى مستقبله
    فلقد أكّد سبحانه و تعالى للذين لم يؤمنوا بعد به ( سنريهم آياتنا في الآفاق حتّى ..) و الآفاق المستقبل
    و كم من عالم في فرنسا في ألمانيا في روسيا في أميركا في .. إكتشفوا معلومات دقيقة عن البرزخ في البحر و عن سرّ عدّة المطلّقة أو المتوفّي عنها زوجها و عن النسيج الكوني و عن ظلمات البحر و غيره كثير جدا .. العلماء لمّا تبيّن لهم الحق آمنوا دون تردّد و عن قناعة
    و الإسلام يدعوا الى مستقبل أفضل للبشرية /يتبع

  • جزائري

    في ظل نظام سياسي فاسد ومستبد اي رؤية اتشرافية واي افكار خلاقة ومبدعة لن ترى النور ولن يتم وضعها حيز التطبيق ولهذا لابد من النضال من اجل نظام سياسي جديد قائم على النزاهة وتقدير الكفاءات قبل كل شيئ

  • بدون اسم

    انت مدعوا في سنة 2020 مع جماعة اخرى من المغفلين لكتابة مشروع اخر وجديد حول مستفبل الجزائر المعظمة مستقبلا بعد ان تكون قد اصبحت صومال ثاني في افريقيا ارجو ان تتقبل الدعوة مشكورا ههههههه

  • rabah

    صدقت أستاذنا الكريم، مشكلتنا تكمن في اناس لا ضمير لهم يمسكون زمام الأمور لمؤسسات هي أكبر منهم بآلاف المرات، ونتيجة للعجر الفكري والقصور العلمي باتت الطريقة الوحيدة لهؤلاء في إرضاء من وضعوهم هي التزلف والكذب والنفاق، إننا نرى في كل مرة يطل علينا مسؤول يتشدق بكلمات يعرض من خلالها "إنجازات" لا يعرف إلا ماحدث بعد 1999 وكأن الجزائر ولدت عام 99 ، التقرير المذكور أعد في وقت حكم اليمين زروال .. لمجرد هذا فهو مرفوض لدى هؤلاء حتى ولو كان حلا سحريا لكل مشاكل البلاد...
    ملاحظة للشروق : مساحة التعليق صغيرة

  • بدون اسم

    مقال رائع شكرا............. برنامج الرئيس وزمرته نسف كل تخطيط و نسف كل استشراف ولازال !!!!! ندعوا الله الفرج .

  • حوار

    شكرا على هده الفقرة ...وهي....التقييم، وآليات مراقبة مدى تجسيد السيناريوهات ميدانيا ليست فقط مسائل اختيارية بل هي من أهم مكونات الرؤية المستقبلية، وكل تخل عن هذه المرحلة الهامة من مراحلها يعد بمثابة إفراغ للرؤية من محتواها ومنعها من أن تتحوّل إلى واقع ملموس،
    ..واصل في الطرح باسلوب تطبيقي لانه مفيد . دون الاطالة في المقال - احسن صحفي وطنيا من الناحية التقنية *بلامجاملة او خلفية - يقدم مقالات بفكرة واحدة دون تشتت وبرؤية عملية وغير شعبوية ولا عاطفية اوحماسية .مع تحفظ بوعي....19/20 .