عـندما يـمضـي الـكبـار في صـمـت ووقــار،لا يـبـقـى إلا العار مـلازمـا لأهـل العـار!..
إلى روح أسـتـاذي/ الحاج عبد القادر بن محمد بلـقـاضي،وقـفة وداع وحنين، بعـيـن دامعة، وروح خاشعة.
إذا نـظـرتَ إلـــى أحــوال دُنــيــاكـا * مُـستخلِـصا ما به تَمضي لأخـراكـا
وجـدتَ أن الـتزامَ الصّمْـتِ أرْوَعُ ما * بـه تـُُـلاقـي الـذي في الغـيْب سـوّاكا
وما عَـداهُ هـو الـضَّعـْف المُـِبين فـلا * تـتـركـْه مرتـبـطـا يــومـا بــذِكـْراكا
عن شـعـر- ألـفـريـد دي فِـيـنـْيـي
ترجمة حرة لــصاحب الــمــقـال
شاع في الناس، منذ مدة طويلة، قول أحد النابهين: كلما مات شيخ من أهالي إفريقيا، اندثرت بموته مكتبة بأكملها من تراث الـقارة… وأنا أستطيع أن أقـول أيضا: وكلما مات معلم جزائري مُخـَضْرَم، عانى متاعب التعليم بصفة عامة، وتعليم اللغة العربية، بوجه خاص، في أيام الاحتلال، (ولو كان ذلك في المدارس الرسمية الفرنسية نفسها، تلك التي سُمح فيها بقدر ضئيل من هـذا التعليم)، ثم كـابـد مـشـاقّ الإشراف على المؤسسات التربوية، وتنظيم المسارات الدراسية بـها، ولا سيما في السنوات الأولى من انتزاع الأمة استقلالها الوطني، في تلك الظروف المأساوية، وفي أجواء ذلك الدمـار الشامل الذي خلفه العـدو الاستعماري في البلد… كلما مات معلم من هذه الفـصيلة، تكـُـونُ ملحمة حـية من ملاحم الجهـاد التربوي والثقافي في بلدنا قـد انقرضت إلى الأبد… أما إذا تنكرت له المؤسسة التي قضى عمره مكافحا في رحابها، فأهملتـه حـيـا يعاني الإقصاء والنكران. وتناسـته مريضا يكابد ألوانا من مَـتاعـب عِـلـَلِـه الكثيرة، من دون أن تـَصـدُر عنها التِـفـاتـة واحدة تـشـدّ أزْره، أو تواسيه في لحظات الألم والمعاناة. ثم تتجاهله مـيـتا عـندمـا كان أقــلُ واجـبـاتها نحـوه يَـفــرض عـلـيها أن تكون هي التي تنعاه للأسرة التربوية، وهي التي ترعى مراسـم تـشـيـيع جنازته وتوديع روحه وهي تصعـد إلى بارئها. ثم تكون هي التي تـتـقـبـل العـزاء فـيه. ثم تتخذ، في الوقت المناسب، من الإجراءات ما يُـبـقي اسمه حيا، وما يخـلـّد ذكره على نواصي المعاهد العلمية، والمنشآت المدرسية… وإذ هي لم تـفعـل شـيـئا من هذه الواجبات الدنيا فمعنى ذلك أنها، بكـل بسـاطـة، كمن اغـتال المـعـلم، وأحرق المكـتـبة، وأتـلـف صحائف الملحمة!!.. ولا عجب من ذلك “فـالشيءُ مـن مَــأتـاه لا يُـسـتـغـرَبُ”.
واحد من أعظم أبـطـال الملاحم التربوية
وأنت، سيدي، وأستاذي الجليل، المبجل، كنتَ واحدا من أبرز من خاض هذه الملاحم، تعـَـلـّمـًا وتعليما، ثم هيأك مصيرك المتـَفـرِّد لتكون، منذ اللحظة الأولى لبزوغ فجر الاستقلال الوطني، واحدا من أبرز وأقدر أولئك الأبطال الذين كان عليهم أن يواكبوا المخاض العـسير لولادة أولى نبضات المنظومة التربوية الجزائرية، ولادة قيصرية. وأشهـد، شهادة من عايش وعاين، أنك كنت مع ثــُلـة قليلة من النساء والرجال الأفذاذ، في مشرق الوطن ومغربه، وفي جنوبه وشماله،هــم الذين قادوا تلك المعـارك، على كل الجبهات الملتهبة، برصانة الحكماء وشجاعة الجنود المغاوير، في وقت كان مجرد التفكير في عـمق وتنوع المشاكل يُـوْرث الغـم، ويثــبّـط العزم، ويوهـن أقوى الإرادات… وقد كان عليكم، أيها الفـدائـيـون، أن تخترعـوا كل شيء من العدم، البرنامج والتوقيت والإدارة والتكوين والتدريس والتفتيش و…كل شيء. وقد عايشتُ أنا ـ لمدة قصيرة ـ من ثانوية الشيخ ابن باديس بـقـسنطينة، (أيام موقعها القديم في “الكـديـة”، وأنا أستاذ أدرّس بها سنة 1966) جانبا من هذه المعـارك التي كـنتَ قائدها بوصفك “مفتش أكاديميتها”، وكانت سلطتك التربوية تمتد إلى مناطق كثيرة من شرق البلاد تسمى اليوم “ولايـــات”. ولما التحـقتُ أنــا، في مطالع عام 1967، بوزارة التربية بالجزائر العاصمة، منتـدَبا لدى الأمانة العامة فيها، إلى جنب أمينها العام الأخ عبد الرحمان شريـّـط ـ طيب الله ثراه ـ أمكنني أن أدرك عظمة تلك المعارك في بعدها الوطني، حين رأيت مظهرها الواحد يتكرر عشرات، بل مئات المرات في مدن البلاد وقراها؛ ويتطلب في كل مرة إبداع حل بصفة مستعجلة لكل حالة من الحالات.
أستاذي الكريم، أنا ما نسيت، ولن أنسى ما حييت، الظروف القاسية التي خرجتُ فيها من قسنطينة في شتاء 1966. كان ذلك إثر الحادثة الغريبة التي تعرفها، وهي التي ما زال من آثارها، في ركن قـَصيّ من طوايا الفؤاد، سحابة حزن سوداء تأبى أن تنقشع، تـُمـْطرني أحيانا بذكريات كئيبة… وكم حـاولـتَ أنـت، بـطـيـبـتـك الـمـشـهـودة، أن تصلـح من الأمر ما فسد. وما لك من مسؤولية فيه. ولكنني أنــا كنتُ قد قررت أن أهجر، إلى الأبد، الميدان المقـدس الذي كنتُ قد وطنـت نفسي على أداء الرسالة فيه مدى العمر، وأنا بعـدُ على مقاعـد الـثانوية… لـولا أنّ الأقـدار قـد قــررت لـي غــيـر ذلك، حـيـن أعـادتـنـي إلـيـه بـمساعـي خـيّرة، وضغــط حـمـيـم، متواصل، من صـفــوة الخـلان. وكنتُ قــد بدأت الشغـل في ما كان يـسمى وقـتئـذ “وزارة الأخبار”، في أعالي شارع مراد ديدوش، صحبة صديقي العزيز الذي اعـتـُبـِط في عنفوان الشباب، عبد العزيز خليفة، أكرم الله مثواه، وطيب ثراه. وقطاع “الأخبار” ما كان العمل فيه ليخطر لي على مجرد البال. وكان يمكن أن أبقى فيه، وأن أكون اليوم معدودا من قدماء الإعلاميين… ولكنني قبلت في النهاية العودة إلى الـتربـيـة. ثـم لم أفارقها حتى فارقـتني هي، يا شيخي الـفاضل، كما فارقتـك أنت وجماعة من رفاقنا، في خريف المنظومة التربوية، عندما هـبت عـليها عاصفة أكتوبر الهوجاء من عام 1977!.. وقد نعود إلى كل ذلك بحديث خاطف.
وإنك لتشهد، أيـهـا الأستاذ الـراحل، يا من تـُضرب بطـيـبـتـك الأمـثــال، وتـَـخِــفّ ُ عليك الـثـِـّـقال من الأحمال، أنـني لم أعـُـدْ أبدا إلى تـذكـيرك بذلك الحادث المرير الذي جرّعـني كأس العـلقم على امـتـداد ما يناهز الأربعين سنة من العمـر، جمعـتنا في رحاب التربية والتعليم، أو في حواشِـيهما، أو في مجالات ذكرياتهما، منذ قدومك إلى العاصمة، عام 1971، حين أسند إليك وزيـرُنا، عبد الكريم بن محمود حفظه الله ، مديرية التكوين في وزارته، وكنتُ أنا أتولى فيها آنـئــذ رئـاسة ديـوانـه. فـيا رَعَـى الله ذلــك الـزمان!.. ويـا ما أحَـيـْـلـَى أصْـداءَ ذكـريـاتـه الـبعـيـدة في الضمير والوجدان!
يا لـه من مصير عجـيـب، ذلك الذي كان لك!
أستاذي العزيز، أيها الراحل الكبير، كم كانت إيماءاتـك الخاطفة توحي إليّ، أثناء أحاديثنا الحميمة، بمبلغ ما انطوت عليه بدايات حياتك، من مرحلة طفولتك إلى باكورة شبابك، من قساوة الظروف التي اكـتنفـت أيامك في ميعة الصِّـبا، وغضاضة المراهقة، على الرغم مما كانت تنعم به أسرتك من جاه عريض، ويـُسر مادي ملحوظ في مدينة الأحرار، بــاتــنــة الأوراس العالية. ومع أنني لم أحاول أبدا أن أتـجرأ عليك بأي سؤال عن طبيعة تلك الظروف التي كثيرا ما كنت تهم بالحديث عنها ثم تـُمسك جانحا إلى التحفظ والكتمان، فقد كان واضحا لدى كل من يستمع إلى حديثـك، أو يقرأ ما يرد في معظم أشعارك من بثّ ومَوْجـِدَة، أن الأمر يتعلق بمأساة عائلية كبرى، كما يقع مثـلها أحيانا في الأسـر عندنا، وعند غيرنا، فيتمزق الشمل، وينفجر الكيان الواحد، وتـَـبُـوء الطفولة الواهنة، البريئة، بحمل تبعاتِ أوزار لا هي المتسببة فيها، ولا هي بمستطيعةٍ حتى أن تستوعب، عقلا، أيـّا من كـُنه التصرفات التي أدت إليها. ولكنها، في مبدإ المطاف وفي خاتمته، تكون هي الضحية الأولى، وأحـيـانا الوحيدة لها. وهي، على كل حال، العضو الذي يصيبه مـعـظــم ما يـنجـر عـنها من أحـزان ونكبات…
ولعل في هذه الأسرار التي ظل فؤاد الشاعر الرقيق لديك ينزف دما بجراحها الباطنية، وينفعـل اكـتـئـابا بذكرياتها الموجعة، ما يفسر ما سميتـَه بنفسك في مقدمة أحد دواوينك المنشورة، (بوابات النور ـ المؤسسة الوطنية للكتاب ـ 1990) “الـتعـثــّـر” المتكرر الذي عرفـتـْه دراستك الابتدائية. وكيف لها أن تـَسلـَم منه وقد اقتضت ظروفك، في تلك المرحلة بالذات، التي يحتاج الطفل فيها إلى السكينة والاستقرار، أن تكون دائم الـتـّرحال والانتقال، بين المدن والقرى، وبين أنواع المدارس والمعاهد التعليمية. وهكذا، بينما أنت في مدينة بـاتـنـة، مسقط رأسك، والمسرح الطبيعي لطفولتك، نجدك فجأة في قرية “خـنقـة سيدي ناجي”، ثم تقذف بك المقادير إلى دوار “سيدي معنصر”، فدوار “عيون العصافير”، فقرية “أولاد موسى”، ثم نجدك في ” عـين ملـيــلـة “، قبل أن تعود أخيرا إلى مدينة بـاتـنــة، وفيها يستقر بك المقام نوعا ما. وقد كنت في أكثر هذه الأماكن تغـيّـر المدارس، بحسب المكان الذي تـُـفضي رحلتك إليه… وإنه لأمر مُدْهش أن تقوى، في هذه الأجواء المشـْـبعـة بمثل هذا الاضطراب، لا أن تنهي دراستك الابتدائية في المدارس الرسمية فحَـسْـب، بل وأن تجمع إليها اختلافك إل كتاتيب القرى التي ذكرناها آنفا لتحفظ ما تيسر لك من آي الذكر الحكيم، ثم لا تـقـنع بذلك، وهو كثير، فتسمو بك همتك الراغبة على الدوام في التميز بالتسامي وارتقاء الصعب العسير، فـتـجالس وجوه العلم من المتطوعين لتعليم أبناء الشعب مبادئ لغتهم العربية المحاصرة، المنبوذة؛ وإرشاد الناشئة إلى الصحيح من أركان دينهم المضطهـد… وهكذا تـتـلمذت في الكتاتيب بـ “باتـنـة” و”عين مليلة ” على شيوخ مـتميزين، من أمثال لخضر السلامي، ومـوسـى المعافي، وسي المـكـي.. رحم الله الجميع. وفي باتنة ذاتها طلبت المزيد من عـلوم العربية فكنت مداوما على حلقات الشيخ الإمام الطاهر الحركاتي، بمسجدها العـتـيـق. وهكذا كنت، دون أن تدري ـ أيها الشيخ الفاضل ـ ترسم، في ثلاثينيات القرن الماضي صورة مستقبلك الثقافي، وتخـُط ملامح الدور الذي سيكون عليك أن تؤديه في منظومتنا الوطنية حين يبـْزُغ فجرها. ومن سيكونون القيمين عليها يومئذ، لانطلاق مسيرتها في طريق الأصالة والحداثة، غير الخـُلـّص من أبنائها الوطنيين الذين تشبعوا صغارًا بـقـيـم الأصالة، ووعوا حقائق انتمائهم، وارتبطوا بأهداف أمتهم؛ وأضافوا إلى كل ذلك روح الحداثة والانفتاح؟.
وكان الشاعر محمد العيد الـقدوة لك والمثال…
بيد أن أهم الدروس الموازية التي تركت في نفسك أعمق الآثار، وصاغـت إلى حد بعيد مواقـفـك الفكرية، ومرجعـيتك التربوية، ومناهجك في نظم الشعر… إنما كانت، بلا منازع، هي تلك التي جلستَ فيها إلى حلقات أستاذك الشيخ/ محمد العيد آل خليفة، أمير شعراء الجزائر، في المدرسة الحرة التي كان يديرها، وكانت ـ كما قلت ـ تابعة آنذاك لجمعية محلية. وأشهد أنك كنت دائم الإجلال والتوقير له، وأنه ينزل من قلبك منزلة عالية من الحب والاحترام. وفيما هو منشور من شعرك نماذج من المقطوعات التي كـنتما تتبادلانها، وعدد من القصائـد التي نـَـظـَـمْـتها فيه. وهــي البرهان الـحـي على ما نقول. وعندما لاقاه أجله، رحمة الله عليك وعليه، في صائـفـة عــام 1979، رثيته بالقصيدة التي تقول فيها: “كلنا اليوم في الجزائر نبكيكَ * وكـلٌ يقول رُحْماك ربِّ “. وفيها تتحدث عن محبته إياك فتقول، “كلما زرتـُه وجدتُ لديه * كل خير وكل لطف وحـبّ “… وهذه المرثية كلها تـترجم مقدار حزنك عليه. وقد نظمتها وأنت في الطريق إلى بـســكـرة لتــشـيـيـع جـنـازتــه، في اليوم الثاني من شهر أوت/ أغسطس من السنة المذكورة.
ولا نستطيع أن نتجاوز هذه المرحلة من مسيرة حياتك، أيها الراحل العزيز، دون الإشارة إلى واحد من أهم أبعادها، وهو البعد الوطني. وكأنما شاءت لك المقادير العـجـيـبة إلا أن تستوفي في هذه المرحلة، حين استقـر بك المقام في مدينة بـاتـنـة، بعد التطواف في آفاق مناطقها التي ذكرناها، كل مقومات شخصيتك، وكل العوامل الفاعلة فيها. فـقـد وجـدناك، منذ عام 1943، وقد بلغت من العمر 17/18سنة تـَـنـْضمّ إلى الخلايا السرية لحزب الشعب، ثم “حركة الانتصار…”. وهكذا اكتملت دوائر وعيك كـلها، وأصبحتَ جاهزا لدخول تجربة حياتية جديدة. ويبدأ الأمر لديك بتعديل مسارك الدراسي. فقد وجدت نفسك في مفـترق الطـرق حين وصلت إلى القسم الـنهائي في تلك المؤسسة التي كنت قد التحقت بها سنة 1939، والتي تسمى “المدرسة الابتدائية العليا” (E.P.S. )، (أي ما يشبه الإكمالية في منظومتنا اليوم). وقد بادرت بتسجيل نـفـسـك للمشاركة في المـسابقة المفـتـوحة لـتـلاميذ الـمـعـاهـد الـمـمـاثـلة لـمـعـهــدك مـن أجــل الالـتحاق بـثـانــويــة “الــمــدرســة”، (LA MEDERSA)، المرموقة، ذات الشهرة والصيت، في مدينة قسنطينة الحصينة، بنت الصخور والجســور. ونجحتَ في الامتحان. وسافرت إلى قسنطينة. وكانت الدنيا بأسرها تعـيش في مناخ انتهاء الحرب العالمية الثانية إذ ذاك، وما ألحـقته بالعالم من دمار. و كان وطننا المحـتـل يتنفس الأجواء الوخيمة لغدر الاستعمار، وما كان يقاسيه من آثـار فاجعة المقـتلة البـشـيعة، والجريمة الشـنـيـعة التي اقـتـرفـها بَـدْءا مـن يوم الـثامـن من شـهـر مـاـيو 1945… تـلـك التي كان مـن حـسـنـاتها، وقد جـعـل اللـّه لبعـض الـفواجع حسنات، أنها قـضت على آخـر الأوهـام، وأيـقـظت النيام، واتضح الأسلوب الوحيد الذي يكـون به بلوغ المرام.