عقوبات بـ 8 سنوات لمتهمين في ملفّ فساد “الخدمات الجامعية”
القاضي: شروط تعجيزية وأفضلية في منح الصفقات وتلاعب بدفتر الشروط
المتهمون: فوْزنا بالصفقات كان عن استحقاق لأننا استوفينا جميع المعايير
طلب وكيل الجمهورية لدى الفرع الثالث للقطب الجزائي الاقتصادي والمالي لسيدي أمحمد، الخميس، تسليط أقصى العقوبات في حق 40 متهما متابعا في ملف فساد “الخدمات الجامعية”، ملتمسا 8 سنوات حبسا نافذا في حق البعض منهم.
وفي التفاصيل فقد، طالب ممثل الحق العام بتوقيع عقوبة 8 سنوات حبسا نافذا وغرامة مالية قدرها 1 مليون دينار جزائري في حق مدير الخدمات الجامعية لولاية الجلفة المتهم “ز. و”، مقابل 6 سنوات حبسا نافذا وغرامة مالية تقدر بـ1 مليون دينار جزائري في حق المتعاملين الخواص.
كما التمست نيابة الجمهورية للقطب تسليط عقوبة 4 سنوات حبسا نافذا وغرامة مالية قدرها 1 مليون دينار لكل واحد من أعضاء لجان الخدمات الجامعية، لولايات الجلفة، وهران، مستغانم، المدية، المسيلة، مع المطالبة بإدانة الشركات المتهمة في القضية بغرامة مالية تقدر بـ5 مليون دينار جزائري، في حين طالب الوكيل القضائي مبلغ 5 مليون دينار جزائري كتعويض عن الضرر الذي ألحق بالخزينة العمومية.
وقد انطلقت الأربعاء 17 جوان، على مستوى الفرع الثالث لدى القطب الجزائي الاقتصادي والمالي بسيدي أمحمد، محاكمة الـ40 متهما من فئة مديري وموظفي بمديريات الخدمات الجامعية بـ5 ولايات “الجلفة، وهران، مستغانم، المدية، المسيلة”، إلى جانب متعاملين اقتصاديين (ممونون)، إذ مثل هؤلاء أمام هيئة المحكمة عن تهم منح امتيازات غير مبررة للغير بمناسبة إبرام عقد أو صفقة مع الدولة أو إحدى مؤسساتها مخالفة للأحكام التشريعية والتنظيمية وجنح إساءة استغلال الوظيفة والتبديد العمدي لأموال عمومية والمشاركة في تبديد الأموال العمومية، الأفعال المنصوص والمعاقب عليها بالمواد 26، 29، 33 من قانون الوقاية من الفساد ومكافحته.
كما وجهت للمتعاملين الخواص والشركات الثلاث المتابعة في ملف الحال تهم الاستفادة من امتيازات غير مبررة في مجال الصفقات العمومية، مخالفة للأحكام التشريعية والتنظيمية والمشاركة في تبديد الأموال العمومية، الأفعال المنصوص والمعاقب عليها بمواد 26 و29 و52 و53 من قانون الوقاية من الفساد ومكافحته 01 / 06.
القاضي يحصي التجاوزات والخروقات في الصفقات… والمتهمون يتبرأون
واجه قاضي الفرع الثالث للقطب الاقتصادي والمالي المتهمين المتابعين في ملف الحال، بالتجاوزات والخروقات التي توصلت إليها التحقيقات في الـمديريات الولائية للخدمات الجامعية بكل من الجلفة، وهران، مستغانم، المدية، المسيلة من خلال التلاعب في دفاتر الشروط ومخالفة مبادئ الـمنافسة النزيهة لقانون الصفقات العمومية، بغرض منح امتيازات غير مبررة للغير.
كما حاصر القاضي خلال جلسة المحاكمة، المتهمين بالمناورات المستعملة في منح الحصص للمتعاملين الخواص، من خلال سحب وثائق اقصائية من ملفات المترشحين، إلى جانب الفرق المعاين بين الشروط المدرجة في دفاتر الشروط التي تعدها مختلف الهيئات والمصالح المتعاقدة مقارنة بتلك المعدة من مديريات الخدمات الجامعية، حيث أن هذه الأخيرة تقلص من حرية المشاركة والمنافسة من خلال طلب شروط لا تتوفر في الجميع، وهو ما يسمح للبعض منهم أصحاب الإمكانات الكبيرة من السيطرة على الحصص، إلى جانب الشروط التعجيزية التي تدرج في دفاتر الشروط… وهلم جرا.
قاضي الفرع الثالث للقطب قسّم ملف الحال إلى 5 محاور، حيث انطلق في استجواب المتهمين في صفقة “غرف التبريد” بمديرية الخدمات الجامعية لولاية الجلفة، المتابع فيه مديرها المتهم “ز.و” الموقوف، ورئيس مصلحة المحاسبة والصفقات العمومية بذات المديرية المتهم “ت.س”.
القاضي بعد أن دقق في هوية المتهم الأول “ز.و” مع تذكيره بالتهم الموجهة إليه، شرع في استجوابه عن ظروف إعداد دفتر الشروط الخاص بصفقة تموين للخضر والفواكه والمواد الغذائية كمادة الكاشير، واشتراط “غرفة التبريد”، قال المتهم “سيدي الرئيس، مشروع إعداد دفتر الشروط وتحضيره قبل عرضه على اللجنة القطاعية للصفقات من اختصاص قسم المالية والصفقات العمومية بمديرية الخدمات الجامعية بالجلفة، وبعد إتمام إجراءات تحضيره يعرض على لجنة الصفقات للتأشير عليها والإعلان عن بداية الإجراءات، وكان من ضمن الشروط التقنية المنصوص عليها بدفتر الشروط اشتراط على الممول أن يكون له غرفة مبردة بإقليم ولاية الجلفة لحصة واحدة فقط المتعلقة بالخضر والفواكه، وكان الهدف منها هو ضمان التمويل في الآجال المعقولة، وهذا نظرا للظروف الاستثنائية المتواجدة حينها، خاصة أن هناك 100 طالب أجنبي يزاول دراسته في جامعة الجلفة”.
وتابع المتهم “سيدي الرئيس، في سنة 2020 و2021، كما تعلمون وباء كوفيد 19 اجتاح الجزائر على غرار بلدان العالم، وكان حتى التنقل بين الولايات صعب ويتطلب رخصة استثنائية، وعلى هذا الأساس اقترحنا غرفة التبريد، وأعلنا عن المناقصة”.
القاضي يسأله: من اتخذ قرار شرط “غرفة التبريد”، المتهم يجيبه “مديرية الخدمات اشترطت غرفة تبريد ولم تكن هناك أي نية في إقصاء أو نقص في الشفافية أو في عدم المساواة بين المتعاملين، كما أن مديرية الخدمات الجامعية بالجلفة لم تكن هي الوحيدة التي تشترط وجود غرفة تبريد فهناك عدة قطاعات على غرار قطاع الجيش الوطني الشعبي والتعليم التي تشترط أن يكون للممون غرفة تبريد بالإضافة إلى الشروط التقنية الأخرى على غرار وسائل النقل والعمال المصرح بهم في الضمان الاجتماعي عند إيداع العروض”.
ويضيف المتهم “دفتر الشروط المعلن عنه لم يكن يشترط أن يكون للممون غرفة تبريد بإقليم ولاية الجلفة عند الإعلان عن طلب العروض، بل عليه أن يثبت ملكيته لها عند إبداعه للعروض.. سيدي الرئيس، لم تكن هناك أي نية مسبقة لإقصاء أي متعامل أو توجيه الصفقة إلى أي شخص أو شركة”.
ومن جهته، أنكر رئيس مصلحة المحاسبة والصفقات العمومية بذات المديرية “ت.س” التهم الموجهة إليه جملة وتفصيلا، واستهل تصريحاته أمام هيئة المحكمة بالقول “سيدي الرئيس… ماعلابليش أصلا وعلاش راني هنا، فأنا ليس لي علاقة مع إبرام الصفقات العمومية”، ليقاطعه القاضي “لكن أنت من قمت بإعداد دفتر الشروط؟”، ليرد عليه المتهم “نعم دفتر الشروط المتعلق بالإعداد عن مناقصة وطنية مع اشتراط قدرات دنيا للتمويل بالمواد الغذائية والخضر والفواكه ومادة الكاشير في سنة 2021 تم إعداده بالمصلحة وبإشراف مباشر من مدير الخدمات الجامعية ولم أكن على دراية كافية بمضمونه”.
القاضي مجددا: ما رأيك بشرط ضرورة امتلاك المتعامل لغرفة التبريد؟
المتهم: اشتراط غرفة تبريد بإقليم ولاية الجلفة باقتراح مباشر من مدير الخدمات الجامعية حينها، ولا أعرف كيف ولماذا؟
القاضي ينتقل إلى الصفقة الثانية المتعلقة بتموين جامعة السانية بولاية وهران باللحوم الحمراء والمتابع فيها 10 متهمين، أنكروا جميع التهم الموجهة إليهم وأجمعوا على أنهم تقيدوا باحترام كل الإجراءات المعمول بها وتطبيق مضمون دفتر الشروط وفقا لما يمليه قانون الصفقات العمومية.
وفي ردها على أسئلة القاضي، أوضحت مديرة الإقامة الجامعية السانيا بوهران وعضوة في لجنة فتح الأظرفة وتقييم العروض بمديرية الخدمات الجامعية بوهران “ح.ن” أنه خلال سنة 2021 بعد عروض وطنية بخصوص تموين الجامعات بمختلف المواد الغذائية واللحوم، تم تجزئتها إلى 10 حصص، وكان من بينها حصة رقم 01 المتعلقة باللحوم الحمراء.
وأضافت أنه بعد قيام اللجنة بمهامها بدراسة مختلف العروض المودعة من الناحية التقنية والمالية تم إقصاء بعض العروض من الناحية التقنية، وبعد تأهيل باقي العروض لدراستها من الناحية المالية تم إقصاء 3 عروض”.
القاضي: على أي أساس تم إقصاء هذه العروض الثلاثة وقبول عروض أخرى؟
المتهمة: الإقصاء تم بالإجماع لأن أسعار هؤلاء كانت منخفضة، لكن، سيدي الرئيس، بعد مراسلة أصحابها لتبرير عروضهم عجزوا عن ذلك، لاسيما وأن الأسعار المقدمة بعيدة كل البعد عن السعر المرجعي المقدم من طرف وزارة التجارة.
القاضي: وماذا عن المادة 72؟
المتهمة: نحن فعلا طبقا المادة 20 من دفتر الشروط التي تقودنا إلى المادة 72، حيث طلبنا من أحد المتعاملين تبريرات كتابية، فقام بإحضار بطاقة موال وعند مقارنتها بالوثائق المودعة بالملف، اكتشفنا أن الهوية مختلفة تماما وعلى هذا الأساس تم إقصاؤه.
ونفس التصريحات أدلى به المتهمون الـ9 بخصوص صفقة الحصة رقم 1 المتعلقة باللحوم الحمراء الخاصة بتموين جامعات وهران وأجمعوا كلهم على أن رأي لجنة فتح الأظرفة وتقييم العروض يعد رأيا استشاريا فقط ليس ملزما للمصلحة المتعاقدة ولها كل الحرية للأخذ به من عدمه”.
القاضي ينتقل إلى الصفقة الثالثة المتعلقة بالحصة رقم 9 لتمويل الإقامات الجامعية بمستغانم بالمواد الغذائية، المتابع فيها 8 متهمين، حيث أكد المتهم “ل.م”، رئيس لجنة فتح الأظرفة وتقييم العروض بمديرية الخدمات الجامعية خلال استجوابه من هيئة محكمة القطب أنه بعد الإعلان عن طلب العروض الوطني مع اشتراط قدرات دنيا المعلن عنه من طرف مديرية الخدمات، درست اللجنة العروض المقدمة من طرف جميع المتعهدين بجميع الحصص وكان من ضمنها الحصة رقم 9 المتعلقة بتمويل الإقامات الجامعية بالمواد الغذائية.
القاضي: ما هي المعايير التي تم فيها قبول عرض وإقصاء آخرين؟
المتهم: سيدي الرئيس، بعد الإطلاع على الملفات الإدارية والتقنية والعروض المالية من طرف جميع المتعاهدين، تم تأهيل 4 عروض لدراستها من الناحية المالية، أين تم إقصاء العرض المقدم من طرف المتعامل “ل.إ” بسبب تجاوز نسبة الأخطاء في السعر الإجمالي 0.05 بالمائة ليتم الانتقال بعدها إلى العرض المقدم من طرف شركة “إ” وبعد دراسة عرضها المالي، تمت مراسلته لتبرير الأسعار المنخفضة بخصوص “التوابل” في أجل أقصاه 72 ساعة، وبعد امتناعه عن الرد، تم الانتقال إلى العرض الثالث للشركة ذات المسؤولية المحدودة والشخص الوحيد “إ”، وهذا لا يتعارض مع قانون الصفقات حسب تقدير ورأي أعضاء اللجنة وفقا للمادة 77 من قانون الصفقات العمومية، وعليه، تم قبول وعرض الشركة لتختم اللجنة أعمالها على هذا الرأي، وتم الإعلان لاحقا عن المنح المؤقت للصفقة وتم التعاقد مع الشركة ذات المسؤولية المحدودة “ح” التي تتوفر على كل الشروط .
نفس التصريحات لجميع المتهمين في الصفقة
وبخصوص الصفقة الرابعة المتعلقة بصفقة الإطعام 2017 بمديرية الخدمات الجامعية لولاية المدية، فقد أنكر المتهمون الـ8 بصفتهم أعضاء لجنة فتح وتقييم العروض التهم المنسوبة إليهم وأكدوا أن عمل اللجنة تم بناء على دفتر الشروط والبنود الواردة به.
وفي ردهم على سؤال القاضي المتعلق بإقصاء المتعاملين “ب.أحمد” و”ب.ج”، فقد أوضحوا أن إقصاء المتعامل “ب.أ” تم لعدم استيفاء وسائل التبريد للشروط التي نصّ عليها دفتر الشروط من حيث السعة، إلى جانب اختلاف في العناوين بين الوثائق الثبوتية وبين الفاتورة ومحضر المعاينة حسب مقتضيات المادة 10 من دفتر الشروط.
أما بخصوص المتعهد “ب.ج”، فقد تم إقصاؤه لعدم استيفائه لشروط بند وسائل التخزين من جهة، ومن جهة أخرى، عاينت اللجنة عدم إدراج جدول الأسعار الوحدوية في عرض المتعامل بعد فتح العرض المالي.
وعلى نفس النهج سار المتهمون من فئة أعضاء لجنة فتح وتقييم العروض بمديرية الخدمات الجامعية لولاية المسيلة الذين أنكروا جميع التهم الموجهة إليهم، وأكدوا جميعهم على صحة الإجراءات التي تمت أمامهم بخصوص صفقة الإطعام 2017 بصفتهم أعضاء لجنة فتح وتقييم العروض وأنهم استندوا في عدم فتح الأظرفة إلى المادة 19 من دفتر الشروط المعد مسبقا التي بدورها استندت إلى المادة 72 من الأمر المتعلق بالصفقات، وأن الرأي الاستشاري لقسم الصفقات بوزارة المالية المرفق بملف الموضوع يؤكد ذلك كون العملية تتعلق بطلب عروض وطني مفتوح مع اشتراط قدرات دنيا لا تتضمن مرحلة الانتقاء الأولى.
المتعاملون: التزمنا بدفتر الشروط واحترمنا قانون الصفقات العمومية
بالمقابل، فقد أجمع المتعاملون المتابعون في ملف الحال، أنهم فازوا بالصفقات محل المتابعة بعد استيفائهم لجميع الشروط التي جاءت في دفتر الشروط ووفقا لمبدأ الشفافية والنزاهة.
وفي رده على أسئلة القاضي، صرح المتعامل “ح.ق”، تاجر بالجملة في ميدان تغذية الإنسان، أنه معتاد على سحب دفاتر الشروط والمشاركة في المناقصات الوطنية من مختلف المؤسسات العمومية منذ سنة 2005 أين ظفر بعدة عقود مع الشرطة والجيش الوطني الشعبي والمستشفيات العمومية. وبخصوص غرف التبريد، أكد المتهم أنه يملك غرف تبريد متنقلة منذ سنة 2008 وهذا نظرا لعدة اعتبارات من بينها المناطق التي تحصل فيها على عقود على غرار ورقلة، حاسي مسعود وغرداية كونها مناطق شبه صحراوية والتموين فيها بالمواد الغذائية في حالات من التذبذب، في حين أن المشاركة في المناقصات الخاصة بمديريات الخدمات الجامعة بالجلفة كانت منذ سنوات 2016 و2017، وأن دفتر الشروط الخاص بالصفقة محل متابعة الحال يلزم المتعهدين بتملك غرف تبريد موضحا أنه سخر جميع المؤهلات والإمكانات المادية والبشرية للالتزام ببنود دفتر الشروط.