علب سوداء وألغاز سوداء.. وأسئلة من دون إجابة منذ أربعين سنة
إلى غاية 2003، لم تكن الكوارث الجوية في الجزائر إلا أخبارا قادمة من قارات أخرى، وحتى الأحداث الجوية التي راح ضحيتها الجزائريون من صحفيين في الفيتنام ووزير الخارجية الأسبق محمد الصديق بن يحيى وقعت في قارات أخرى وبطائرات غير جزائرية وشكرات طيران غير الجزائرية، فكانت الجزائر ضحية أخطاء الآخرين، قبل أن تنقلب الأوضاع وتصبح الجزائر حدثا جويا بين الحين والآخر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة كما حدث في مالي، في الحادثة الأخيرة التي هزّت الجزائر في أواخر شهر رمضان المنقضي.
يبلغ عمر الجوية الجزائرية قرابة السبعين سنة، فقد كانت أول رحلة طائرة من مطار العاصمة في عام 1947 في العهد الاستعماري، وكان فيها مجموعة من الطيارين الجزائريين، الذين مكّنوا الجزائريين من التعرف على عالم النقل الجوي، رغم أن الباخرة بقيت مسيطرة على مشهد النقل، وقد استعملها الأمير عبد القادر وعبد الحميد بن باديس في سفرياتهم إلى دمشق وباريس، وامتلكت الجزائر في عام 1952 سبع طائرات، لم تكن سعة كل واحدة منها تزيد عن 34 مقعدا، وربطت مطاري العاصمة وعنابة بعدد من المدن الأوروبية مثل باريس ومارسيليا وتولوز وبازل وجنيف، وكانت شركة الطيران باسم الشركة العامة للنقل الجوي، والتي تحوّلت إلى شركة الخطوط الجوية الجزائرية بعد طرد الاستعمار من الجزائر، وقبيل استقلال الجزائر ببضعة أشهر لم يكن عدد الطائرات التي تصنع احتفالية الأجواء الجزائرية يزيد عن عشر طائرات.
وبقيت الشركة على مدار أكثر من نصف قرن بعد الاستقلال عرضة للانتقاد بسبب رداءة خدماتها، والتأخر القياسي في مواعيد الرحلات وخاصة في أسعارها التي هي الأغلى حاليا في العالم، بدليل اختيار الجزائريين السفر إلى بلدان مجاورة لأجل الاقتصاد المادي، حيث تبين أن 15 بالمئة من المسافرين عبر تونس إلى ومِن مختلف البلدان الأوروبية هم من الجزائيين الذين يبحثون عن الأسعار الأقل، وحتى عدد الطائرات بقي مجهريا مقارنة بدول أقل إمكانيات من الجزائر، وبالنظر إلى حب الجزائريين للسفر والوجود القوي للجالية الجزائرية في الخارج إذ لا يحتوي الأسطول الجوي الجزائري على أكثر من ستين طائرة فقط، فقد ضخت الجزائر في عام 2010 قرابة النصف مليار أورو من أجل تحديث أسطولها، ولكن العملية اصطدمت بعوائق إدارية وأخرى سياسية مع الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، وراوح الحديث عن اقتناء ست طائرات من نوع بووينغ مكانه، فبقيت سكاكين الانتقاد تطال هاته الشركة الكبرى والعريقة التي وفرت لها الدولة المال الكثير، ولكنها عجزت عن تقديم الخدمة التي يرضاها الجزائريون وزبائن هذه الشركة.
هلاك 15 صحافيا رافقوا بومدين في حادث جوي في الفيتنام
لم ينس الجزائريون أبدا الجيل الأول من الصحافيين، الذين تعرفوا عليهم مع الخطوات الأولى للتلفزيون الجزائري في زمن أحادية الإعلام المرئي، والذين هلكوا في حادث مريع في الثامن من مارس 1974 وعددهم 15 رجلا من رجالات الصحافة الجزائرية، كانوا قد رافقوا الرئيس الراحل هواري بومدين الذي كان في زيارة رسمية إلى فيتنام، التي كانت منتشية بقهرها للولايات المتحدة، حيث تنقلوا في رحلة داخلية داخل فيتنام بعد أن أنهوا عملهم كإعلاميين، ليعلن التلفزيون الجزائري في نشرة الثامنة مساء، الخبر المرعب، عن تحطم الطائرة التي أقلت الصحافيين وهلك حينها جميع ركاب الطائرة التابعة للخطوط الفيتنامية ومنهم الجزائريون وهم الصحافيون الثلاثة المعروفون وكانوا يقدمون نشرة الأخبار وهم، صالح ذيب وعبد الرحمان قهواجي ومحمود ميدات، إضافة إلى مصطفى كبوب وعبد القادر بوحنية ومحمد بكاي ولعرج بوكريف وجميعهم من المصورين في القناة التلفزيونية، ورابح حاند وسبتي مواقي وكانا مختصين في هندسة الصوت، ومصوّران من يومية الشعب وهما محمد صحاوي والطيب فرحات، كما هلك في الحادث ملحق بالرئاسة هو المرحوم جلالي جدار ومدير في الرئاسة هو محمد طاع الله، وتحوّل تلك الكارثة على حدث وطني أعلن خلاله الراحل بومدين ثلاثة أيام حداد وزار الرئيس الفيتنامي الجزائر خصيصا لتقديم تعازيه لعائلات الضحايا، الذين مازال بعضهم لحد الآن يشكك في كون الطائرة سقطت بسبب سوء الأحوال الجوية رغم مرور أربعين سنة كاملة عن الحادثة المأساوية.
من الذي قتل محمد الصديق بن يحيى في الجو؟
لم تكسب الجزائر في تاريخها ديبلوماسيا متمكنا على الأرض، مثل وزير الخارجية الأسبق محمد الصديق بن يحيى، فقد كان ظاهرة سياسية نادرة في عهد الاستعمار وما بعده، لا يدخل معركة سياسية إلا وربحها ولا مناوشة سياسية إلا وأعاد ماءها إلى مجراه الطبيعي، ولكن الرجل الذي ولد عام 1932 في جيجل ترك لغزا محيرا حول مقتله لأنه ببساطة تعرض في ظرف عام واحد لحادثي سقوط طائرتين، الأولى في مالي نجا منها بأعجوبة ولكن في الثانية ما بين العراق وإيران كانت القاضية، فبعد أن نسي الجزائريون حادثة الفيتنام، بلغهم في الخامس من شهر جوان سقوط طائرة كانت تقل وزير الخارجية الجزائرية، رفقة وفد ديبلوماسي مرافق له قرب مطار باماكو بسبب سوء الأحوال الجوية، وكانت المفاجأة هي نجاة وزير الخارجية من الموت، ومن دون تفصيل رسمي أو إعلامي بقي علامات الاستفهام تحوم حول الحادثة، وعاد الرجل الذي لم يكن يتعب إطلاقا للحياة العملية، بعد بضعة أيام من العلاج والنقاهة، وباشر عمله ولم يمض سوى 11 شهرا من تلك الحادثة، حتى عاد التلفزيون الجزائري وفي نشرة الثامنة أيضا ليعلن عن سقوط طائرة، كانت تقل وزير الخارجية محمد الصديق بن يحيى، ولكن تغير المكان هذه المرة والأسباب والمصير أيضا، فقد سقطت الطائرة بفعل فاعل، أي بقصف على بعد 5 كيلومتر عن نقطة حدود بين تركيا والعراق، في زمن الحرب العراقية الإيرانية، ولقي محمد الصديق بن يحيى حتفه، على متن طائرة من نوع ترومان 62.
محمد الصديق بن يحيى الرجل الذي حل مشكلة الرهائن بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران في عهد الراحل آيت الله الخميني، وبذلت الجزائر جهدا كبيرا لأجل وقف شلال الدم الذي دفع فيه البلدان إيران والعراق أكثر من مليون قتيل وعشرات الملايير من الدولارات، وحمل الرسالة الإنسانية محمد الصديق بن يحيى الذي لم يتوقف عن السفر إلى بغداد تارة حيث التقى صدام حسين وإلى إيران حيث التقى علي رجائي، إلى أن تم إسقاط طائرته، وقال حينها الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد في كلمة متلفزة، بأنه سيكشف ما حدث في القريب العاجل، ويسمي القتلة بأسمائهم، ومرت السنوات وخرج الشاذلي بن جديد من الحكم وتوفي ومازال لغز سقوط طائرة الوزير محيرا، التحقيقات أكدت أن الطائرة الجزائرية أصابها صاروخ روسي، مما جعل أصابع الاتهام توجّه مباشرة للعراقيين خاصة أن السياسي محمد شلقم أكد بأن صدام حسين هو الذي أسقط الطائرة في محاولة لقلب رأس الجزائر المحايدة لصالحه باتهام إيران، وقد حاول الإبن الوحيد للراحل السيد سالم وزوجة الراحل التلمسانية السيدة فوزية حمزة معرفة حقيقة ما حدث لعزيزهما، ولكن من دون جدوى، مع الإشارة إلى أن الطائرة كانت تحت رقابة الأمم المتحدة في رحلة خاصة ما بين بغداد وطهران، وظهر رأي آخر اتهم أيادي أخرى يهمّها تواصل التطاحن والقتال بين العراق وإيران، وهناك من اتهم الموساد بفعل ذلك الرابح الأول من حرب الخليج الأولى، وأغلقت الجزائر هذا الملف، مثل الكثير من الملفات من دون أن تجيب عن سؤال محيّر بلغ عمره الآن أكثر من 34 سنة.
102 قتيلا في حادثة تمنراست
انتظرت الجزائر إلى غاية السادس من مارس 2003 لتعيش أول وأضخم كارثة جوية في تاريخها في رحلة الخطوط الجوية الجزائرية، وكانت طائرة بووينغ 737 متجهة من تمنراست إلى الجزائر العاصمة، ولكن لحظات بعد إقلاعها سقطت، فهلك كل ركابها باستثناء أحد طواقم الطائرة، التي قادها طياران أحدهما إمرأة هي أول قائدة طائرة في تاريخ الجزائر وتدعى فاطمة شعلال يوسف التي سبق للشاذلي بن جديد وأن كرّمها، وأكدت العلبة السوداء بأن برج المراقبة فقد الاتصال بالطائرة على بعد 600 مترا عن الأرض حيث أصيب محركها بحريق أحدث الكارثة، وكان على متنها 97 مسافرا غالبيتهم من العاصمة وستة من الفرنسيين من السواح وستة من طاقم الطائرة، ولم تمض أكثر من ثلاثة أشهر حتى وقعت كارثة أخرى، في بوفاريك عندما سقطت طائرة عسكرية على حي سكني وأودى الحادث بحياة 20 شخصا من بينهم أربعة من طاقم الطائرة، إضافة إلى إصابة ثلاثين شخصا غالبيتهم من سكان الحي الذي سقطت فيه الطائرة، وكان سبب الحادث أيضا هو خللا في محرك الطائرة من نوع هيركيل سي 130، وبقيت الحوادث عادية، وغالبيتها عسكرية بقليل من الخسائر البشرية في الجزائر أو حتى في الخارج كما حدث في عام 2012 عندما تحطمت طائرة عسكرية في جنوب فرنسا هلك من كان على متنها وعددهم ستة من الجزائريين، يضاف إلى هذه الأجداث سقوط طائرة دوغلاس دي سي في 11 أفريل 1967 وتكتم عليها النظام في عهد الراحل هواري بومدين، وهلك خلالها 33 شخصا من بينهم ستة من طاقم الطائرة، كما هلك في عام 1979 في حاث طائرة قرب مطار بشار 14 شخصا من عشرين مسافرا، وهلك أربعة أيضا في عام 1994 من طاقم الطائرة، ثلاثة في إيطاليا كانوا متجهين إلى فرانكوفورت الألمانية، إلى أن حلت السنة الحالية 2014 التي شهدت حادثين مروعين كانت حصيلتهما أكبر من كل الحوادث الجوية التي شهدتها الجزائر في تاريخها مجتمعة.
2014 .. حادثان وسنة الكوارث الجوية
من جبل فرطاس بأم البواقي إلى مالي، يعتبر عام 2014 أكثر السنوات سوادا بالنسبة لحوادث الطائرات، فقد شهد الحادث الأول هلاك 77 شخصا في الحادي عشر من شهر فيفري الماضي، وبعد خمسة أشهر أضيف للحصيلة السابقة هلاك 119 شخص كانوا على متن طائرة مستأجرة من شركة إسبانية لصالح الخطوط الجوية الجزائرية كانت في رحلة بين واغادوغو العاصمة البوركينابية والعاصمة الجزائرية، وإذا كانت الرحلة الثانية قد قضت على كل الركاب فإن الرحلة الأولى نجا منها بأعجوبة راكب واحد، وقد غادر منذ أسبوع الناجي الوحيد من الحادثة، التي وقعت في جبل فرطاس ببلدية اولاد قاسم بولاية أم البواقي في يوم مثلج، وهو الجندي نميري جلول المستشفى العسكري بن بعطوش بالمدينة الجديدة علي منجلي بقسنطينة، بعد أكثر من خمسة أشهر قضاها بين مصالح المستشفى العسكري، حيث وصفت حالته في يوم الحادثة بالميئوس منها، ولكن الطاقم الطبي الجزائري رفع التحدي ومكّن المصاب من تجاوز مرحلة الخطر بفضل الله طبعا كما قال أحد الأطباء للشروق اليومي، وهيئت الناحية العسكرية الخامسة للناجي الوحيد الأربعاء الأخير قبل عيد الفطر المبارك، طائرة عسكرية خاصة نقلته من مطار قسنطينة إلى مدينة الشلف، وخلال الرحلة تقدم الناجي من كارثة الطائرة نحو الطاقم وطلب منه بخفة دم أن لا يسرع في التحليق حتى لا تسقط الطائرة، وكان نميري جلول البالغ من العمر 22 سنة، قد اجتاز مرحلة الخطر نهائيا في شهر ماي الماضي، وصار بإمكانه التحرك والمشي وأيضا الكلام، بعد أن أفقدته صدمة الحادثة العنيفة وعيه، ولكن ذاكرته مازالت متعبة جدا لحد الآن، خاصة أنه قضى أكثر من شهر من تاريخ سقوط الطائرة في الحادي عشرة من شهر فيفري الماضي، في حالة غيبوبة، ليباشر بعد ثلاث عمليات كاملة، مرحلة التأهيل العضلي، ونجح في بلوغ هذه المرحلة التي مكنت من أخذ شهاداته التي قدمها حول ما تذكره من الحادثة المؤلمة وهو ما مكّن من دعم التحقيق في الحادثة الذي مازال متواصلا لحد الآن، يذكر أن الحادثة التي مرّ عليها أكثر من خمسة أشهر ليحل الأربعاء الأسود وتأخذ هذه المرة حادثة سقوط الطائرة المدنية أبعادا أخرى وتتشعب حيث كان غالبية المسافرين من الفرنسيين والطائرة وطاقمها من الإسبان والشركة جزائرية وموقع الكارثة بلاد مالي.
أشهر كوارث الدنيا كشفت أسبابها العلب السوداء
لا يمكن مقارنة حجم هذه الكوارث التي شهدتها الجزائر بما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية مثلا، لأنه ببساطة لا يمكن مقارنة الحركة الجوية العنكبوتية في البلدان المتقدمة بما هو موجود في الجزائر التي لا تطير طائراتها إلا إلى 28 دولة فقط وإلى 32 وجهة في الجزائر، لأجل ذلك لا توجد الجزائر ضمن خارطة البلدان التي تشهد الكوارث الجوية، وتعتبر أكبر كارثة جوية في التاريخ تلك التي حدثت عام 1997 وتسببت في هلاك 583 مسافر عبر الطيران التابع لهولندا ولأمريكا في نفس الوقت، وكانت الطائرة الأمريكية قد أنذرت بوجود قنبلة فسارعت بالعودة إلى مطار تينيريفي بإسبانيا، وبفعل الضباب ارتطمت مع الطائرة الهولندية وحدثت الكارثة، كما هزت اليابان ثاني أكبر كارثة جوية في التاريخ هلك فيها 520 على جبال اليابان، وكشفت العلبة السوداء أن نقص الصيانة هو سبب الكارثة.
كما ارتطمت طائرتين إحداهما من كازاخستان والثانية تابعة للخطوط السعودية أمام مطار نيودلهي عام 1996 أودت بحياة 349 شخص، واتضح أن السبب لغوي، حيث أن قائد الطائرة الكازاخستانية لا يتقن اللغة الإنجليزية، فلم يفهم تحذيرات برج المراقبة، فأدى إلى هذه الفاجعة، وهلك عام 1980 قرابة 300 مسافر عبر شركة الخطوط السعودية، حيث شب حريق في الطائرة، وعاشت أمريكا الكثير من الكوارث وكانت غالبيتها عبر طائرات البووينغ، كما حدث في عام 2001 بعد أحداث 11 سبتمبر، إذ تحطمت طائرة قرب مطار جورج كينيدي، وهلك 265 شخص غالبيتهم من الأمريكيين، واتضح أن سبب الحادثة هو خطأ من الطيّار، وكان مطار شيكاغو قد شهد مع ذات الشركة حادثة مؤلمة عام 1979 أودت بحياة 275 أمريكي وكشفت العلبة السوداء انسحاب محرّك الطائرة من مكانه وارتطامه بجناح الطائرة.
وضمن الحوادث العشرة الأكثر إيلاما في التاريخ دفع الزيلنديون والنيجيريون والصينيون والسعوديون ثمنا غاليا من أرواح مواطنيها وجميعها من البلدان التي تشهد أكبر حركة طيران في العالم، بينما توجد بلدان لم يسبق لها وأن شهدت كوارث جوية مثل الدانمارك وبلجيكا وأنجلترا بالرغم من الحركة الجوية القوية التي تشهدها.