-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

علوم الشريعة.. أم علمنة الشريعة؟

بقلم: عيسى جرّادي
  • 712
  • 0
علوم الشريعة.. أم علمنة الشريعة؟

هل يمكن أن نتحدث عن شيء اسمه “علمنة الشريعة”، أو عن شيء يقترب في مدلوله من هذا المصطلح؟
أعتقد ذلك، فمن لا يملك الجرأة على اقتراح حذف مادة الشريعة من المقررات المدرسية، وإن لم يعيه السعي في إلغاء الشعبة الخاصة بها، لن يعدم الوسيلة التي تمكّنه من إفراغ هذه المادة من محتواها، وإن احتفظت بعنوانها.
جملة الاقتراحات التي تقدّمت بها اللجنة الوطنية لإصلاح المنظومة التربوية، والموجَّهة إلى إعادة بناء برامج مادة العلوم الإسلامية في مختلف الأطوار التعليمية، مشفوعة باقتراح إلغاء الشعبة في طور التعليم الثانوي، ستكشف إلى أي مدى كان التحايل طريقة محبذة –وغير مثيرة للجدل– لتمرير هذا المشروع المشبوه!
بين أيدينا جملة اقتراحات وردت في الوثيقة المرجعية لمشروع الإصلاح التربوي، تبدي التوجه الجديد القائم على تحوير هذه المادة، وإخضاعها لعملية زرع أجسام غريبة فيها، لتبدو نسخة مطابقة –ولو بنسبة معينة- لما يقدَّم في المجتمعات اللائكية تحت عنوان “الفلسفة” أو “مقارنة الأديان” أو “الفكر الديني”.
يقترح المشروع:
1- في الطور الأول من التعليم الأساسي
(إدماج التربية الدينية والتربية المدنية في مادة واحدة تسمى “التربية الأخلاقية”، والتي ستوجَّه نحو اكتساب ودعم السلوكيات الإيجابية لدى الطفل مع تعليمه أركان الإسلام الخمسة والاستشهاد بآيات قصيرة من القرآن الكريم وبأحاديث نبوية ذات علاقة بالموضوعات المدرَجة).
2- في الطورين الثاني والثالث من التعليم الأساسي:
(تحت اسم: التربية الخُلقية والمدنية والدينية، يمكن أن تدرج هذه المادة تدريجيا مفاهيم متعلقة بالشعائر والفرائض الدينية الإسلامية، على أن تبقى مركِّزة على القيم الإنسانية والأخلاقية، وعلى دعم السلوكيات الإيجابية).
3- في التعليم الثانوي
(ابتداء من السنة الأولى من التعلم الثانوي، ترتقي هذه المادة إلى تعليم ديني فلسفي يتمحور حول مختلف التيارات الفكرية والمذاهب مع تناول الديانات الأخرى حتى يتسنى للتلميذ اكتساب ثقافة أوسع في هذا المجال، مع التفتح والتسامح إزاء الديانات والثقافات الأخرى. كما ينبغي أن يندرج هذا التعليم في مجال أوسع وهو مجال العلوم الاجتماعية لاسيما منها التاريخ الذي يجب أن يتطرق لا محالة إلى الحضارة الإسلامية حتى يسهم مع التعليم الديني في دعم الهوية وترسيخها والشعور بالانتماء مع تنمية روح التسامح والتعايش السلمي مهما كانت الفروق وأوجه الاختلاف).

ماذا يعني هذا؟
– في الطور الأول (السنوات الخمس الأولى) سيقع حرمان التلميذ من التعرُّف على شيء اسمه التربية الدينية أو الإسلامية بتعبير أدق، بتوجيه نظره إلى لون مختلف من التربية على غرار التربية المدنية والتربية الأخلاقية، وهذه مصطلحات فضفاضة يمكن أن تستوعب أي شيء؛ فالأخلاق عنوان جامع لمجموعة من السلوكيات التي تنبع من خلفيات عقدية وحضارية متباينة، فأخلاق المسلم غير أخلاق البوذي أو اللائكي على سبيل المثال، فما يراه بعضهم عنوانا للاستقامة أو الفضيلة أو سلوكا إيجابيا قد يراه غيرهم نقيض ذلك.

الغرب عموما وفي فرنسا تحديدا –التي تُستقى من مناهجها الدراسية المسحة التغريبية عندنا- تُدرَّس الفلسفة باعتبارها بديلا عن الدين الذي لا يُعترف به دينا للدولة أصلا، فالفلسفة لديهم منبعٌ للقيم والأخلاق وليست المسيحية، وهذا ما تحاول قوى التغريب عندنا زرع بذوره في المدرسة عبر مناهج ظاهرها إسلامي وباطنها غير ذلك.

وهذا ما يحرم التلميذ من اكتشاف ما له علاقة بدينه، بصرفه إلى تصوُّرات مغايرة للمألوف لديه، أو ما يكتشفه في أسرته أو بيئته عامة، يقع هذا بغضّ النظر عن محتوى المادة، فتعليم أركان الإسلام ليس أمرا هيّنا، وربما لو تم توجيهه لتعلُّم مسائل أخلاقية من منظور إسلامي، لكان ذلك أنفع له.
– في الطورين الثاني والثالث (السنوات الأربع التالية)، نصطدم بتوليفة مركَّبة من عدة مصطلحات، وكان يغني عنها الاحتفاظ بعنوان واحد ووحيد هو التربية الإسلامية، بدل أن نوحي للتلميذ بأن الإسلام هو هذه الشعائر والفرائض التعبدية أما الأخلاق فلها مجالها الخاص، فيقع الفصام بين الاثنين، أعني بين الدين والأخلاق، ثم لمَ هذا التركيز على ما يسمى “القيم الإنسانية والأخلاقية، والسلوكيات الإيجابية”، وكأننا لا ننتمي إلى هذا العالم، ونشذ عنه بقيم متوحشة؟!
– في التعليم الثانوي يتجلى التجني على المادة والشعبة معا، فقد أقصيت الشعبة نهائيا من دون مبرر وجيه، وأصاب المادة عوارٌ خطر، من أبرز مظاهره:
1– بغير مبرر مقنع، وإذ أنّ الهدف ليس التخصص، بل صياغة ذهنية إسلامية واحدة لكل التلاميذ، جرى التمييز بين تلاميذ الجذع المشترك في الحجم الساعي للمادة (ساعتان لتلميذ الجذع المشترك أدب، وساعة واحدة فقط لتلميذ الجذع المشترك علوم)، وللغرابة يعاد توحيد الحجم الساعي في السنتين الثانية والثالثة (بواقع ساعتين أسبوعيا)، وهذا إجراءٌ غير مفهوم على الإطلاق!
أليس هذا ما دعا رئيس المجلس الإسلامي الأعلى في 2005 إلى أن يسأل عن (أسباب تراجع وزارة التربية الوطنية عن قرار تخصيص ساعتين لمادة العلوم الإسلامية عوض ساعة)، معتبرا ذلك (تراجعا عما اتفق عليه في 2002 بين المجلس والوزارة المعنية ووزارة الشؤون الدينية والأوقاف)، مبديا رفضه (قرار طمس مناهج وبرامج التربية الإسلامية، الذي سيفتح الباب أمام المشوشين لزرع بذور العنف التي ستنتج مواطنين متشددين وعنيفين)!
2– جملة المحاور التي يتضمنها المنهاج وهي (الكتاب والسنة، الفقه وأصوله، السيرة والحضارة، العقيدة والفكر الإسلامي) مفرَغة من محتواها الإسلامي المعروف في أمهات الكتب الدينية المعتبرة، إلى جانب بتر العناصر الجزئية على مستوى كل محور، فهي غير شاملة، ما يحرم التلميذ من بناء تصور شامل للموضوع الواحد.
3– بصفة عامة تحول منهاج العلوم الإسلامية من علوم إسلامية إلى فكر إسلامي (المدارس الإسلامية، تكوينها وتاريخها، أهم التيارات الدينية، تاريخ الديانات، دور الإسلام في الفكر العالمي)، وهذا ما لا يساعد على بناء ذهنية إسلامية، تصل بين حقائق الوحي وتنزيل أحكامه على الواقع، وتقديري أن ما ورد في وثيقة الاقتراحات المشار إليها سابقا، قد تم تجسيده عبر المضامين الفكرية المطروحة، والتي قد تتحول إلى أداة هدم فكري إن لم تُسند لأستاذ كفء بأدنى تقدير، فتدريس (اليهودية والمسيحية) اللتين أصابهما التحريف، قد يخلّف اعتقادا لدى من لا يملك أي دراية بذلك، أن نصوصهما المتداولة صحيحة ومحتواهما وحيٌ سماوي، وهذا غير صحيح، فمقارنة الأديان محل دراسته الجامعة، وليس ذهن تلميذ لم يختبر أبعاد هذه الدراسات.
في الغرب عموما وفي فرنسا تحديدا –التي تُستقى من مناهجها الدراسية المسحة التغريبية عندنا- تُدرَّس الفلسفة باعتبارها بديلا عن الدين الذي لا يُعترف به دينا للدولة أصلا، فالفلسفة لديهم منبعٌ للقيم والأخلاق وليست المسيحية، وهذا ما تحاول قوى التغريب عندنا زرع بذوره في المدرسة عبر مناهج ظاهرها إسلامي وباطنها غير ذلك.
أما الاحتجاج بـ(تنمية روح التسامح والتعايش السلمي مهما كانت الفروق وأوجه الاختلاف)، فتقديري أن في الإسلام من هذه الروح الإنسانية، ما يسمح بتجاوز أي إشكال يتعلق بتقبُّل الآخر في ظل الاحترام المتبادل للخصوصية الثقافية لكل طرف.
وعند هذا الحد، نتساءل عن الغرض الحقيقي الذي يسوّغ التعامل مع مادة تقع في صلب الهوية الوطنية، وتبرز آثارها جلية في التاريخ الحضاري للأمة، وكأنها مجرد فلسفة أو فكر بشري لا صلة له بوحي السماء، أو بما يجب أن يتحلى به المسلم في المدرسة وخارجها؟!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!