علي فضيل اهتم بالكتاب وشجع على النشر
يجمع أغلب قراء “الشروق”، على أن من بين أسباب تحليها بالوفاء هو رقيها في معالجة المادة الإعلامية، وهي البصمة التي حرص عليها المدير العام علي فضيل رحمه الله، الذي لم يتوان في ترجمة خبرته الميدانية في تقديم وجبات في مستوى ذوق القارئ، وهو الحريص رحمه الله على احترام القراء، ورفضه أن تكون “الشروق” بوقا أو فضاء للاستبغاء.
في الوقت الذي يبكي الجميع رحيل أبي الشروقيين علي فضيل رحمه الله، وهو المعروف بحنكته ونجاحاته وتواضعه وابتسامته الدائمة، فإن ذاكرة جموع القراء والصحفيين والمثقفين والسياسيين والفقراء والبسطاء سرعان ما عادت إلى الوراء لاستعادة مناقب الرجل الذي لم يخض أي مجال إلا وترك فيه بصمته، فهو من مشجعي المبادرات وتجسيدها فوق الميدان، بدليل المحبة التي يحظى بها من أهل الدين والثقافة والفن والجامعة والرياضة وغيرهم من الناشطين في شؤون ومجالات الحياة، والأكثر من هذا فقد ترك بصمته الإعلامية التي ستظل علامة فارقة ومسجلة، خصوصا وأن لهفة السبق لم تمنعه من احترام عقل القارئ، مساهما في تكوين المجتمع وفق المنطق التعليمي التكويني، رافضا أن تكون “الشروق” بوقا أو مجالا لاستغباء القراء والمتلقي بشكل عام.
“الشروق” استقطبت وجوها ثقافية وأقلاما أكاديمية
وإذا كانت الكثير من الجرائد والمواقع ووسائل الإعلام المختلفة قد استثمرت بطريقة بشعة في ثلاثية “الفضح والنكح والذبح”، فإن الأستاذ علي فضيل عمل جاهدا على احترام القارئ قصد المستطاع، وهذا من خلال إحداث توازنات مهمة وفق أركان متنوعة يجد فيها القارئ ضالته من الناحية المعرفية والإبداعية والهوياتية، فعلاوة عن حتمية متابعة آخر أخبار المجتمع بما لها وما عليها، فقد حرص أن تكون لـ”الشروق” بصمة شبه أكاديمية، بدليل أن أقلام الباحثين الجامعيين والناشطين والمثقفين والناشطين السياسيين كانت دوما حاضرة في منابر “الشروق”، حيث إن أقلام الرأي لم تغب يوما عن صفحات الجريدة، والأمر نفسه بخصوص الحصص التي تبثها قنوات “الشروق” التي ساهمت في نقل قضايا وإشكاليات تاريخية ومعرفية مهمة، بعدما أفسحت المجال لباحثين ونقاد ومثقفين أدلوا بدلوهم.
أعمال ثقافية ضخمة ووثائقيات كبرى ببصمة علي فضيل
وفي وقت يؤكد الكثير على صعوبة أو استحالة الاستثمار في الشأن الثقافي في الشق الإعلامي، إلا أن المدير العام علي فضيل رحمه الله لم يتأخر في تشجيع أي فكرة تصب في هذا الجانب، بدليل أن الجريدة تتزين دائما بأقلام راقية تصب أفكارها في واقع ومستقبل البلاد والعباد، تاريخا وثقافة وهوية وآفاقا، فإن قنوات “الشروق” أنتجت ولا تزال تنتج حصصا وأعمالا ضخمة ومميزة تصنف في خانة المكاسب الكبرى، أعمال أعادت الشأن الثقافي إلى الواجهة، على غرار برنامج “الثقافة والناس” للزميل رشدي رضوان، وأعاد للشعر والأدب رونقه وللثقافة قيمتها، وهو الذي منح الفرصة للأستاذ سليمان بخليلي الذي أنتج برامج شاعر الجزائر وشاعر الرسول، زدني علما، ساعة من ذهب، خاتم سليمان وغيرها، كما كان للتاريخ وقضايا الأمة نصيبهما من اهتمام علي فضيل، من خلال أشرطة وثائقية أنجزت بطريقة أكاديمية، حيث تم فتح عدة ملفات كانت تصنف في خانة الطابوهات، على غرار الشريط الوثائقي حول مسعود زوغار والعقيد شعباني وغيرها من الأعمال التي أنجزها زملاء في تلفزيون “الشروق” في إطار التحقيقات والأعمال الوثائقية الكبرى، وهذا كله تحت إشراف وتوجيه الأستاذ الراحل علي فضيل الذي قام بتجارب مماثلة في التسعينيات، موازاة مع النجاح الباهر لأسبوعية “الشروق العربي” التي كان ظاهرها فنيا لكن في باطنها عمق حسب قوله رحمه الله، ما جعله يخوض تجارب تصب في خدمة الثقافة، من خلال إصداره لأسبوعية “الشروق” الثقافي”، كما كان الشق الديني ضمن اهتماماته، من خلال أسبوعية “الشروق الحضاري”، وغيرها من الأعمال التي ستظل شاهدة عليها الأجيال.
ولم تتوقف جهود الأستاذ علي فضيل عند حدود المهمة الإعلامية، بل خاض غمار نشر الكتب، بدليل أن مجمع “الشروق” كان حاضرا بقوة في الطبعات السابقة من المعرض الدولي للكتاب، حيث حطم جناح “الشروق” الرقم القياسي من حيث إقبال القراء والزوار، بفضل إصدارات جمعت بين الجدة والنوعية، وبفضل أقلام وشخصيات ثقافية وسياسية ودينية مشهود لها بالتميز والماضي المشرف، ويبقى القراء يتذكرون الحدث الذي صنعته إصدارات المرحوم نذير مصمودي ومذكرات الطاهر زبيري وكتب أخرى يصعب حصرها في هذا الجانب، ما يؤكد على النظرة الموسوعية للراحل علي فضيل الذي سعى جاهدا إلى خدمة شعبه من جميع النواحي الإعلامية والتوثيقية والدينية والتربوية، فكانت بذلك “الشروق” مدرسة في الجانبين الإعلامي والمعرفي، وجدارا صامدا في الدفاع عن ثوابت الأمة، كيف لا وهي التي رفضت الحياد في المسائل التي لا يجب التحلي فيها بالحياد.