عليهم أن يعترفوا..
تمر الفرصة تلو الأخرى، دون أن يستغلها الغربيون في التعرف على حقيقة امتنا، وعلى مقومات وجودها الإنساني المتميز، فيحرمون أنفسهم من الاقتراب من السلوك الإنساني، والذي يضمن لهم مصالح جوهرية، ويحرمون البشرية من أن تعيش الهدنة الشعورية معهم.
نقول هذا الكلام ونحن والعالم نشهد واحدة من أرقى صور الممارسة السياسية في الانتخابات المصرية، التي يتدافع فيها عدد من المرشحين في حالة من الشفافية، إلى درجة أنها تضم رموز النظام السابق، الذي أطاح به غضب الشعب ويلاحق رموزه.
في القرن السابق، قدمنا للإدارا ت الغربية الدليل تلو الآخر، ليكون الحوار بيننا مجديا، ولكي يقر في ضمير الغرب اننا امة ذات سيادة وكرامة، وتحلم بعودة مجدها ودورها على الصعيد الكوني، لتقدم للبشرية الخير والرحمة.. وأن هذه الامة لا يمكن استعبادها، وأنها قادرة على اجادة استخدام الاداة، واختيار الهدف وادارة أوضاعها في التحديات الكبرى..
كانت الثورة الجزائرية المجيدة كافية لكي يدرك الساسة والمثقفون الغربيون انه لا ينبغي التفكير في إقصاء هذه الأمة، لان ذلك لا يمكن حصوله، وسيكتشف الغربيون أنهم خسروا كل شيء، ولم ينجزوا أهدافهم..
وكانت انتفاضات الشعب الفلسطيني المجيدة، وكيف واجه الكف الفلسطيني المخرز الصهيوني، وكيف واجه الفلسطينيون بصدورهم العارية طائرات العدو ودباباته، فكان ذلك شاهدا عظيما على إصرار الأمة على كرامتها.
وفي العراق والصومال وأفغانستان ولبنان، وفي كل مكان حصلت فيه مواجهة، أكدت الأمة أنها لا تستكين لخلل ميزان القوى لصالح عدوها، وأنها ستتحرك كلما سنحت لها الفرصة لتقدم درسا إضافيا يعزز القناعة باستحقاقها في الحياة الحرة الكريمة.
أجل.. إن العالم كله يراقب ما يجري في مصر، ولكن هناك موقعين في غاية الأهمية تصدر منهما إشارات ذات حساسية خاصة، ففي معسكر الأعداء وحيث قادة الكيان الصهيوني وخبراؤه الذين اعتبروا أن فجر مصر سيكون ظلام إسرائيل.. وفي المعسكر الصهيوني نفسه يرى قادة الكيان الصهيوني أنهم أصبحوا أكثر من أي حين على غير هدى من أمرهم، وأن الأفق سترسمه معطيات أخرى.
إننا نريد أن يستفيد الغربيون من هذه الفرصة الكبيرة، ويعترفوا إنهم كانوا مسيئين لأنفسهم قبل أحد، عندما تعاملوا معنا بروح الخسة والنذالة، وانحازوا دوما لأعدائنا، وزودوا قتلتنا بأكثر الأسلحة بطشا.. إننا نريدهم أن يستفيدوا وهم يرون كيف أننا نقدم نموذجا راقيا في مصر، لا تدانيه أكثر تجاربهم ديمقراطية.. نريدهم أن يستفيدوا فيفتحوا حوارات حقيقية بيننا من اجل المصالح المشتركة، ومن اجل كون يعيش بسلام وبتعاون وبرفع مكانة الإنسان.
إن الذي يحدث اليوم في مصر سيكون النسخة المكررة مستقبلا، في كل البلاد العربية الملكي منها والجمهوري، لاختيار الحاكم الذي يكون خادما لشعبه وموظفا لديه.. ومن هنا نكون قد أنجزنا الخطوة الأساسية الأولى لكي نتقدم كأمة جديرة باقتحام هذا العصر.