علَم للثورة في انتفاضة الحجارة
الحدث الأبرز لم يكن أمس الجمعة ذلك اللقاء الرباعي الغريب، بين وزراء خارجية الولايات المتحدة، وروسيا، وتركيا، والسعودية، لاستكشاف مخارج للنزاع الدامي في سورية، بل كان الحدث في القدس الشريف، حيث حققت الانتفاضة الفلسطينية أوّل انتصار لها، بقيام أول صلاة جمعة في المسجد الأقصى مفتوحة لجميع الأعمار.
قد يرى بعضُهم في تراجع حكومة الكيان الصهيوني محض مناورة لتخفيف الضغط عنها، وامتصاص جزء من غضب الفلسطينيين، ومحاولة بائسة لتحييد ملف الحرم الشريف من المواجهة، وقد يكون استجابة لطلب أمريكي يريد أن يخادع شعوب المنطقة، ويليّن من موقف الدول العربية والإسلامية قبل اجتماع رباعية فيينا، كل ذلك وارد، لكنه ما كان ليحصل لولا الانتفاضة التي عرّت بالكامل هشاشة الكيان الصهيوني وهلع جنوده وقواته الأمنية وفلول المستوطنين أمام انتفاضة لا تشبه سابقتها.
في بحر ثلاثة أسابيع فقط، استطاعت الانتفاضة إعادة الجميع إلى المربّع الصفر قبل أن تُخدع القيادات الفلسطينية بمسار أوسلو الكارثي، وأعادت تأهيل القضية الفلسطينية كقضية تحرير صرفة من احتلال يمنع المجموعة الدولية من غلق حقبة الاستعمار، وقد أرادها الشباب الفلسطيني كذلك حين رفع العلم الجزائري، وكسى به جثامين شهداء الانتفاضة، في رسالةٍ واضحة موجّهة للنخب الفلسطينية أولا، ثم للكيان الصهيوني ثانيا، وأخيرا للمجموعة الدولية التي أوصدت أبواب مؤسساتها المختصة في ملفات تصفية الاستعمار أمام الشعب الفلسطيني.
الرسالة تحمل برنامج مقاومة بديل للمسارات التي تاه فيها النضال الفلسطيني لقرابة سبعة عقود، ولا يستثني أحدا، بالإشارة إلى ما ميّز ثورة التحرير الجزائرية منذ البداية، وكان له الفضل في نجاحها، حين اختارت النخبة التي فجّرت الثورة البدء بتوحيد القيادة، وفرضت على جميع الكيانات السياسية الانصهار داخل جبهة التحرير.
وعلى ما يبدو، فإن الجيل الجديد من الشباب الفلسطيني مستعد للانخراط في ثورة تحرير شاملة بما تيسر من وسائل المواجهة، ولا يستثني وسيلة، وليست عمليات الدهس والطعن بالسكاكين سوى مقدمة لما يمتلكه الفلسطينيون من وسائل لتعديل الكفة حتى دون الحاجة إلى دعم من الأشقاء، غالبا ما وُظف لابتزاز المقاومة أو لتجييرها.
وهكذا بدأت ثورة التحرير بأعمال كان يسخر منها الصديقُ قبل العدو، قبل أن تبث الذعر في صفوف إدارة الاحتلال والمعمرين، كما بدأت الانتفاضة ترعب الصهاينة، وقد تسرب إلى جنودهم الجبنُ والوهن، هم كما وصفهم القرآن “لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ…”.
الانتفاضة لم تُرعب الصهاينة وحدهم، فقد امتد أثرها لملفات الإقليم ومنها النزاع السوري خوفا من حصول تقاطع في مكان ما يشتبك فيه الملفان، خاصة مع بداية بناء تحالف “رومي نصراني” نراه يوظف الوكلاء من العرب والمسلمين، ويشرك الكيان الصهيوني في التنسيق الإستخباراتي والأمني.
وليس لقاء فيينا الرباعي، الذي سبقته مراجعة غير متوقعة في المواقف، سوى عملية استباقية لمنع قيام وتوسع مثل هذا التقاطع بين القتال في سورية والانتفاضة التي قلبت الطاولة على الجميع، وأعادت تصحيح وجهة بوصلة العرب والمسلمين، لتذكّرهم بهذه الحقيقة: أنه لا سلم ولا سلام ولا استقرار في الشرق الأوسط قبل أن ينصف الشعب الفلسطيني ويستعيد حقوقه كاملة.