عندما تحول “المادة” الإخوة والأقارب إلى أعداء وتقزم صلة الصداقة في مفهوم “الجيب”
لم تعد الروابط الاجتماعية التي ظلت طيلة عقود من الزمن تجمع ما بين الجزائريين داخل مجتمع كان يسوده التواصل والمحبة خاصة في فترة الاحتلال الفرنسي، مثل ما هي عليه حاليا، حيث شجعت الأوضاع آنذاك على مضاعفة التماسك بين مختلف الشرائح وزادت نشوة الاستقلال، المحبة والتآخي بين افرد الوطن غير أن التحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي طرأت على شتى مجالات الحياة أثرت بشكل مباشر أو غير مباشر على العلاقات والتصرفات وضاعفت كل من المصلحة الخاصة والمادة التي كانت تسمى بالماضي القريب “وسخ الدنيا” من التفرقة بين أفراد المجتمع وحتى بين العائلة الواحدة.
المتتبع لصيرورة المجتمع الجزائري يلاحظ التغير الكبير الذي طرأ على العلاقات الاجتماعية، فلم تعد المناسبات والأعياد الدينية بنكهة الماضي ولا حتى الأفراح والليالي الملاح تقام بسبعة أيام وسبعة ليال، كما كان في السابق حتى أن الجار أصبح مثل الغريب لا يجتمع بجاره إلا في المناسبات الأليمة كالجنائز وما شابه ذلك، في حين باتت الروابط الأخوية تسير في طريق التفكك والجفاء إذا اقترن الأمر بالميراث والأموال وخير دليل على ذلك القصص الواقعية المأخوذة من المحاكم عن شجار بين الأقارب والإخوة تنتهي اغلبها بصراعات أو جرائم القتل أو السجن حتى وصل الأمر بالبعض إلى درجة التعامل بمبدأ الاستدانة والاستلاف من الأولياء إذا تعلق الأمر بالمال وصدق المثل القديم الذي يقول “العم يعميك والخال يخليك” بعدما تخلى هؤلاء عن مهامهم التي حددها لهم الشرع في حالة وفاة الولي، فلا خال يحمي ولا عم بقيت له نخوة لحماية الاسم العائلي، أما علاقة الصداقة فحدث ولا حرج فالكل يردد “صاحبي جيبي” لافتقاد الثقة وطغيان المصلحة الخاصة بين الناس وكأن الرابط انحصر في الجيب الذي يعتبر كناية عن عبادة المال بعد تفوقه على مبادئنا..لمعرفة الأسباب وبعض الحلول تحدثنا إلى رجال دين وعلم اجتماع فكان ردهم التالي .
سعيد بن بريكة عضو جمعية علماء المسلمين:
الروابط الاجتماعية تضاعف المناعة الوطنية..وعلى الأئمة النزول من المنابر لحل هموم المجتمع
حصر سعيد بن بريكة عضو المجلس الوطني بجمعية علماء المسلمين، قضية تلاشي الروابط الاجتماعية داخل المجتمع الجزائري، في عدة نقاط أبرزها التخلي عن الدين وفهمه السيئ ناهيك عن الأفكار الوافدة من المؤثرات الخارجية التي رافقتها غياب الحصانة الداخلية لمجتمعنا، داعيا وفي الوقت نفسه إلى تدعيم المرجعية الدينية التي ترتكز على احترام الأولياء، صلة الرحم، تبادل الزيارات التي لها مدلول اجتماعي ناهيك عن الصوم الذي من شانه تقوية الإيمان وهو ما يجب شرحه لهذا الجيل حول مدلول الدين الذي يرتكز على مظاهر بعيدة عن تصوراتهم، فالروابط الاجتماعية يمكنها -حسبه أن تضاعف المناعة الوطنية وتقف حجرة عثر في وجه أعداء الوطن والعكس صحيح، كما دعا المتحدث وفي السياق ذاته أئمة المساجد ضرورة النزول من المنابر والتقرب من مشاكل المجتمع وهمومه على ارض الواقع إتباعا لخطى الرسول الكريم عليه أفضل صلاة وتسليم الذي كان وبالرغم من الحروب يخصص أوقات لهموم مجتمعه.
يوسف حنطبلي أستاذ علم اجتماع
علينا إعادة شحن قيمنا الاجتماعية والدينية بشكل عقلاني..وليس عيبا اللجوء إلى القانون لحل قضايا الإرث
قال يوسف حنطبلي أستاذ في علم الاجتماع، أن الروابط الاجتماعية بين الجزائريين لها سند ديني وقيم اجتماعية خالدة، غير أن الظروف التاريخية ، الاجتماعية والجغرافية أثرت عليها بشكل أصبحت غير قادرة على الانسجام مع بعد وفضاء مادي آخر، فالجزائري نشأت لديه قيم التواصل في مرحلة جد أساسية على اعتبار أن معظمنا ترعرع في فضاء موحد، نفس العائلة ونفس الطبائع إلى جانب نفس النمط والسلوك المعيشي، وزاد مع الاستعمار هذا الرابط بالتمسك، غير انه وبعد الاستقلال ظهر مجتمع حراك جغرافيا واجتماعيا أدى إلى تفككها، وقال المتحدث في هذا الصدد، انه كان على المجتمع الجزائري أن يعيد بناء روابطه الاجتماعية وفق الظروف الجديدة بعدما تحرك مجتمعنا جغرافيا واجتماعيا بأكثر حداثة، فلا يمكن لنا ضمان مجتمع حديث مع بقاء تصورات تقليدية قديمة بالية، فالقبلية هنا تصبح عائقا على المجتمعات المتقدمة وهذا لا ينفي –حسبه الروابط والعلاقات الاجتماعية التي ينبغي أن تبنى على الاحترام، كما أن للنزعة الخاصة والأنانية عائقا أمام تطور المجتمعات مما يتطلب إعادة النظر فيها من جديد بشكل عقلاني يقوم على الحقوق والواجبات، فمجتمعنا لم يصل إلى الطفرة الاجتماعية التي تأخذنا إلى مجتمع حديث، وهو ما يتطلب تشحين الفضاء العمومي بأكثر عقلانية واستند المتحدث كلامه بمقولة مشهورة ” نحن نبكي على الماضي فإذا احتفظنا به، تأتينا الشوائب، ولو عاد لكرهناه”.
من جهة أخرى قال حنطبلي أن سلطة الجد كان بلسم العلاقات الاجتماعية، فوجوده كان له القوة الاقتصادية وسلطة دينية رمزية في غاية الأهمية، فالواجب هنا علينا الآن إعادة شحن القيم الاجتماعية في فضاءنا العمومي بشكل عقلاني موضحا ذلك بقضايا الإرث ونزاعاتها بين الأقارب معتبرا انه ليس عيبا حل القضايا الأسرية والنزاعات بالقانون لا سيما وأننا فقدنا السلطة التقليدية وفقدنا معها احترام الغير والتواصل وحسن الجوار، فالقانون والقضاء من يمكنهم تعويض القيم الخالدة مثلما حث عليه نبينا الكريم فأهل المدينة كانوا أكثر تمدنا منا بعدما اتبعوا كلام الحق مثل ما جاء في الآية الكريمة 282 من سورة البقرة.