عندما تصبح الكفاءة مسألة أمن قومي في الإستراتيجية الأمريكية 2025!
قرأت وثيقة إستراتيجية الأمن القومي الأمريكية لسنة 2025 National Security Strategy الصادرة عن البيت الأبيض منذ أيام قليلة، وبقدر ما تضمنّت من عناصر كثيرة لها علاقة بالسياسة الخارجية الأمريكية والتي عادة ما تهمّنا، لاحظت بعض العناصر التي تهم السياسة الداخلية وشدّت انتباهي.
تتحدث الوثيقة في الصفحة 11 ضمن “المبادئ” التي تقوم عليها هذه الإستراتيجية على عنصر الكفاءة والجدارة بالعبارات التالية: “إذا ما دمّرت الكفاءة أو جرى تثبيطها بصورة ممنهجة، فإن الأنظمة المركّبة التي نعدّها من المسلَّمات- من البنية التحتية، إلى الأمن القومي، إلى التعليم والبحث العلمي- ستتوقف عن العمل. وإذا ما جرى خنق الجدارة، فإن المزايا التاريخية لأمريكا في مجالات العلم والتكنولوجيا والصناعة والدفاع والابتكار ستتلاشى”.
وتساءلت: هل مثل هذه المشكلة -الشائعة في العالم الثالث- مطروحة أيضا في مجتمع متقدم كالمجتمع الأمريكي؟ وهل ترقى إلى درجة أن تكون ضمن مبادئ إستراتيجية الأمن الوطني لقوّة كبرى؟ وما السر في إدراجها ضمن إستراتيجية وطنية لدولة بحجم الولايات المتحدة؟
وبالرجوع إلى الصفحات الأولى من الوثيقة (ص6) وقراءة الإجابات التي طرحت في العنصر الثالث من الإستراتيجية الذي يحمل عنوان (ما هي الوسائل المتاحة للولايات المتحدة لتحقيق ما تريده؟) وجدت من بين هذه الوسائل ما يلي:
“- إعادة ترسيخ ثقافة الكفاءة والجدارة، واجتثاث ما يسمّى سياسات التنوّع والإنصاف والإدماج (DEI) وغيرها من الممارسات التمييزية والمناهضة للمنافسة التي تضعف مؤسساتنا وتعيق تقدمنا”..
وهنا أيضا احترت أمام كلمة “اجتثاث” و”ما يسمى” سياسات “التنوّع والإنصاف والإدماج”! فكيف يستقيم ذلك في مجتمع نعرف أنه قائم على أساس التنوع والإنصاف والإدماج؟ كيف يجتثّها جميعا؟
ولكن بالعودة إلى السياق العام الذي طرحت ضمنه هذه الإستراتيجية، وجدت أنه يمكنني فهم ما بات يبرّر مثل هذه السياسة فضلا عن ما يمكنني استخلاصه منها.
يميّز المجتمع الأمريكي جيدا بين الكفاءة التي تعني القدرة الفعلية على أداء المهام بنجاح وبجودة عالية (الخبرة العلمية، إتقان العمل، القدرة على حل المشكلات…)، والجدارة التي تعني الاستحقاق العادل للتوظيف أو الترقية أو التكريم بناءً على الجهد والإنجاز بما يضمن العدالة في الفرص؛ إذ يوظَّف الأفضل ويرقّى ويكرّم على أساس أنه جدير بذلك وليس على أساس من الأقرب سياسيا أو أسريا أو عرقيا أو هوّياتيا… وفي السنوات الأخيرة ظهرت بهذا المجتمع موجة تدعو إلى التنوّع Diversity والإنصاف Equity والإدماج Inclusion، وقد أدت هذه الموجة إلى ربط فرص التوظيف والترقية والتمثيل وتولي المسؤوليات على أساس الهوية والمحاصصة بين المجموعات والفئات المختلفة (عرق، جنس، انتماء، ولاء… الخ) بدل الكفاءة والجدارة، الأمر الذي رأت الوثيقة أنّ من شأنه إضعاف مؤسسات الدولة (البحث العلمي، الإدارة، الجيش، الأمن… الخ)، ولهذا استخدمت مصطلح “اجتثاث” فيما يتعلق بسياسات (DEI)لأنها تقوم على أساس إرضاء المجتمع على حساب مبدأ كل من الكفاءة والجدارة، مما سيؤدي بالضرورة إلى قتل روح المنافسة والابتكار وخنق السوق وحماية الرداءة، والأخطر من ذلك إلى هشاشة مؤسسات الدولة ودخولها في مرحلة التآكل البطيء…
وكما يبدو، فإن مثل هذه الرؤية تنطبق مع المبادئ التي تقوم عليها سياسة الرئيس “ترامب”، والتي عادة ما نفسّرها نحن كحرب عنصرية ضد الأقليات والمهاجرين والأعراق غير البيضاء، والواقع أن فيها من الوجاهة ما يجعلنا، ليس فقط نعيد التفكير في مدى صلاحيتها للمجتمع الأمريكي، بل فيما توحي لنا به من أفكار لمراجعة موقع الكفاءة والجدارة ضمن منظومات مجتمعاتنا من خلال طرح سؤال جوهري وأساسي يقول: إذا كان بإمكان السياسات القائمة على غير الكفاءة والجدارة أن تفعل هذا بدولة كبرى مثل الولايات المتحدة وتهدّد أمنها القومي، فما الذي يمكنها أن تفعله بدولنا؟