-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

عندما يتسع الخرق على الراقع!!

التهامي مجوري
  • 3891
  • 4
عندما يتسع الخرق على الراقع!!

بعد الإعلان عن النتائج الانتخابية المحلية، قرأت في صفحة لأحد المواطنين على الفايسبوك هذه الجملة “مصير الشعب بعد الانتخابات”، فضحكت ملأ َشْدَقَيَّ كما يقال؛ لأن العبارة لم أر لها موقعا في الموضوع أو علاقة بين ألفاظها، ولكن بإمعان النظر فيها، ومراجعة سريعة لأمور جالت بخاطري على السريع، تبين لي أنها عبارة بليغة في وصف واقع إجتماعي وسياسي بلغ منتهى الدركات؛ لأن الانشغال بمصير الشيء، يعبر عن الخوف عليه وعلى مستقبله.

فهي عبارة تشعر بالخطر الداهم وبالكوارث التي بانت معالمها ومقدماتها…، أي أن هذا المواطن يريد أن يقول إنه يائس، ولا يبحث في هذه النتائج الإنتخابية عن الأحسن؛ لأنه لا يرى ما يبشر به، وإنما يبحث عن الأقل سوءً الذي لم ير معالمه، ولذلك فهو يترقب مصيرا للشعب لا يسر، وكأن ما ينتظره تحول في خاطره إلى مسلمة لا يؤمن بغيرها..، مما يجعل قارئ تلك العبارة يتساءل بحق:

هل الجزائر وصلت إلى هذا المستوى من التدني؟

هل الناس بلغوا حقيقة هذا الحد من اليأس؟

هل الواقع مظلم إلى هذا الحد؟

الناس –بلا شك- مختلفون في هذا القدر من اليأس، ولكنهم يجمعون على تردي الأوضاع، التي تظهر بأكثر من شكل من الأشكال المعبرة عن سوء الأوضاع..، منها ما حدث خلال وقائع الانتخابات المشار إليها نفسها، ابتداء من الصراعات اللاأخلاقية في الأحزاب خلال تحضير القوائم الانتخابية، والتهم بالتزوير وانحياز الإدارة لأحزاب على حساب أحزاب أخرى خلال العملية، وانتهاء بالقضايا المرفوعة إلى المحاكم بين الفئات السياسية المتنازعة. وسبب هذا التردي المجمع حوله، جملة من المقدمات القيمية السلبية التي أضحت من أجلى المعالم الناظمة لحياتنا الإجتماعية والسياسية، كعدم الثقة المتبادلة بين الفئات، وسوء الظن بينهم، والأنانية المفرطة، وفقدان الأمل، وعدم الشعور بالخطر الحقيقي الذي يهدد الجميع، وانشغال الفئات ببعضها البعض على حساب الإصلاح السياسي والإجتماعي، والغفلة عن ضرورة الالتفاف حول مشروع البناء الوطني. 

فحبل الثقة المقطوع بين فئات المجتمع الرسمية والشعبية، بين السلطة والمعارضة، وبين فئات المعارضة المختلفة فيما بينها، وبين الزمر داخل التنظيم الواحد والحزب الواحد والجمعية الواحدة، وبين الشعب والسلطة والشعب فيما بينه وبين الطبقة السياسية عموما، حبل طال أمد انقطاعه. وعندما يضاف إلى انقطاع حبل الثقة، جرثومة سوء الظن بين هذه الفئات كلها، فإن كوارث المجتمع بجميع أنواعها تصبح أقرب للمواطن من أي أمل ومن أي حديث نفس يبشر بالخير.

ذلك أن سوء الظن ما دخل مجالا إلا أفسده، وعندما يلتقي بعدم الثقة، يتحول الواقع إلى باب مفتوح على جميع الإحتمالات كما يقال؛ لأن كل منهما مؤدي إلى الآخر، إذا وقع سوء الظن أدى إلى عدم الثقة، وجاء عدم الثقة يؤدي بالطبيعة إلى سوء الظن، ولا ندري في بلادنا أيهما الأسبق؟ هل سوء الظن هو الذي أنجب عدم الثقة؟ أم أن قطع حلب الثقة هو الذي أنتج سوء الظن؟

كثير من الناس يستبعدون هذا التحليل لواقعنا المزري معتبرينه تشاؤما، مبررين ذلك بأننا خارجون من أزمة سياسية دامت سنوات، ويقصدون بذلك أزمة 1992/1999، فلا يرون في واقعها منذرا بما لا نتمناه لبلادنا، وينسون أو يتناسون، أن هذا الجيل الذي يعيش بيننا اليوم أغلبه من مواليد الثمانينات، أي ممن لا تعني له أحداث التسعينيات شيئا، وإذا حدثته عنها يستغرب كما يستغرب الغرباء، مثل الذين ولدوا في خمسينيات القرن الماضي  -أثناء الثورة- لا تعني لهم أزمة الصائفة –أزمة 1962- التي وقعت بين الأشقاء في بداية الإستقلال شيئا.

استعادت بلادنا سيادتها سنة 1962، ووقع ما وقع بعد الثورة بين الإخوة الأشقاء، ومع ذلك تحمل المجتمع كل المآسي في سبيل الاستقلال والاستقرار، ولكن ما إن  جاء العام 1988 أي بعد 26 سنة من الاستقلال، وتشكل جيل لا عهد له بمآسي الاستعمار وبما وقع أثناء الثورة وبعدها، لأن الماثل بين عينية هو أن هناك سلطة سياسية “لا تملأ عينه”، فكانت أحداث أكتوبر 1988 التي انبثقت عنها إصلاحات سياسية واقتصادية، وبعد تجربة قصيرة في التحول السياسي دامت ثلاث سنوات، دخلت البلاد نفقا مظلما سنة 1992، وهذا العام الذي بسصط مآسيه على البلاد، يفصلنا عنه 25 سنة -1992/2017-، السنوات التي كانت ما بين 1962 سنة 1988، فكم هي نسبة الذين يشعرون بمأساة التسعينيات، بقطع النظر عن الموقف منها؟ لا تكاد تلمس. 

إن العبارة التي وضعها المواطن على صفحته، لا تتحدث عن واقع مرتقب تفرزه الانتخابات، وإنما تتحدث عن واقع تعد مساوئ الانتخابات وغيرها المفاسد التي تشهدها الحياة السياسية والاجتماعية من إفرازاته؛ لكونه واقع متعدد المساوئ والمفاسد والموبقات، وكما قال الأستاذ عبد الحميد مهري رحمه الله على أيامه عندما تصدر المعارضة أثناء أزمة التسعينيات “اتسع الخرق على الراقع”، وهو مثل عربي تعبر به العرب عن سوء الأوضاع التي تستعصي على المعالجة، بسبب تراكم مآسيها ومفاسدها.  

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
4
  • عبد الحميد السلفي

    السلام عليكم.
    إنّ سوء الظن نابع عن جهالة الظان بالحيثيات المترتب عليها الحكم على الشيءالجالب للإهتمام والمخولة لرسم صورته,فعلى هذا فكل سوء ظن يودي الى عدم الثقة وليس العكس ,لأنّ عدم الثقة قد تكون نابعة عن دراية صحيحة بمحل الإهتمام.
    لكن أكثر ما يخشى منه,إضطراد عدم الثقة على جميع الأفراد فتصير حكما شاملا على الصالح والطالح,وهذا ما يوجد منه الحظ الوافر في أمتنا التي تعاقبت عليها الأحداث والمواقف المكرّسة للهوة بين الرعية والراعي الذي يسوسهم بما يتنافى وفطرتهم ومباديهم.
    "وما يفريها غير مولاها"

  • الطيب

    نعم حالنا الآن تشبه حال ذلك المريض الذي دوخت أمراضه التي اجتمعت عليه الطبيب و احتار من أين يبدأ علاجه هل يوقف نزيفه أولاً أم يعالج ضغطه أم يخفض سكره المرتفع أم ينظر في حال دماغه و أعصابه أم يساعده على التنفس أم ينفض منه يديه و يتركه لحاله بعد أن يقرر بأنها حالة ميؤوس منها !؟ حتى و إن أكرمنا الله بطبيب معالج يا أستاذ من طينة عظماء التاريخ سيتجرع العلقم معنا و سيعيش الويلات بيننا لأنّ أمراضنا تعددت و تداخلت فتعقدت !!

  • بدون اسم

    و السؤال المطروح ما العمل أمام هذا الواقع المزري الذي نعيشه على كافة الأصعدة؟؟؟ هل نبقى نبكي على الأطلال و نلعن الظلام و نسب إبليس؟؟؟ أم نسعى لاصلاح الوضع بما توفر لدينا كل من موقعه وكل حسب طاقته و عدم انتظار الساعات الخطيرة كما يقول أصحاب "البولتيك"؟ ألم تقل الحكمة بدل سب الظلام اشعل شمعة؟؟؟

  • فوضيل

    للاسف مازالت بلادنا غير مستقرة،ولم تصل بعد مستوى الممارسة الديمقراطية، فالسبب الرئيسي طبعا هو أن النظام الجزائري يرفض أن يتعايش مع الشعب،و يريد أن يطبق عليه حق "الولاء" و "التبعية" ، ولم يسمح للآخرين بإبداء رأيهم في مجتمع من المفروض "متعدد الثقافات" و هو الأمر الذي جعل الجزائر دائما تعيش الازمات ،(احداث اكتوبر1988، العشرية السوداء، الربيع الأمازيغي2001 و اخرها رفع مطلب الحكم الذاتي في البلاد).