عنصرية الجثث!
قد نتفهم على مضض، بعض العنصرية في استقبال النازحين بين أفارقة وآسيويين من جهة وأوروبيين من جهة أخرى، إلى دول محاذية لأوكرانيا، ومعظمها -وعلى رأسها بولونيا – عانت من عنصرية مقيتة خلال الحرب العالمية الثانية، عندما ابتلعها هتلر إيمانا منه بأن شعبها يجب أن لا يعيش أو على الأقل أن يكون خادما لـ”الجرمان”، وفي زمن الشيوعية عندما كان الأمريكان والغربيون عموما يتعففون عن ذكر اسمها، ونُرجع هذه العنصرية التي بلغت درجة رفض استقبال آسيويين وأفارقة كانوا يطلبون النجاة من نار الحرب المشتعلة، وعلى النقيض نرى استقبالهم بالأحضان، لكل من قدِم ببطاقة من بشرة بيضاء وعيون زرقاء وشعر أشقر، وندخل الأمر ضمن “الدم الذي يحنّ”، على حد التعبير الشعبي، والأقربون “لونا” أولى بالمعروف.
وقد نتفهّم الهبّة الغربية غير المسبوقة دعما لأوكرانيا وطعنا للدب الروسي الذي استفاق من سباته الطويل على حرب، ونعتبر الأمر ضمن خانة التحالفات والمصالح وحتى تقليم أظافر المعتدي كما يغرّد المغردون، وقد نصمت أمام ما صدر من أحد رجالات السياسة في الغرب عندما قال عبر “سي بي أس نيوز” وهو في حالة هستيرية، إن “أوكرانيا ليست العراق ولا أفغانستان حتى يصمت الناس، فهي موطن أوروبي متحضر لا نتمنى أن تذرف فيه قطرة دم”.
قد نفهم كل هذه التبريرات أو هذه السكرات بعد الزلزلة التي تعرضت لها أوكرانيا، لكن أن يتم الاهتمام بالجثث الأوكرانية والأوروبية فتُنقل إلى أماكن آمنة وإلى أهلها لأجل دفنها أو حرقها، ولا أحد يساعد في نقل أو حتى دفن جثث بقية الشعوب غير الأوروبية، فهذا ما يُعدّ قمة العنصرية، التي ظننا بأنها تطال الأحياء، حيث يختلف الشعرُ الأصفر عن الأسود، والعيون الخضراء عن البنّية، فإذا بها تطلل حتى الأموات، حيث لا شعر ولا لون ولا حتى نفَس.
لسنا ضد أوكرانيا ولا أوروبا ولا أمريكا، ولا يمكننا أن نكون ضد هذه البلدان التي جمعتنا بها صداقات، واعترفنا دائما بتطوُّرها التكنولوجي وبنسيجها القانوني الراقي، ولكن الوقت سانح لأجل استخراج أرشيف الألم في بقاع كثيرة من العالم، عندما كان الفلسطينيُّ أو العراقي أو السوري يموت في اليوم الواحد، عدة مرات، بالحصار والتجويع وبالنار أيضا، فكانت إسرائيل تقصف مصر وسوريا، ثم لبنان وفلسطين، وتجمع الغنائم من هِبات فرنسية وإنجليزية وأمريكية وكأنها تلعب دورا سينمائيا تنال عبره بدلا عن الأوسكار كل جوائز الدنيا، فتابعنا في حرب 2006 على لبنان كيف دمرت إسرائيل البنى التحتية والفوقية للبنان الفقير، من أجل جثتي جنديين كانتا بين أيدي مقاتلي حزب الله، ولم تجد جثث أبناء لبنان ولا فلسطين من يصلي عليها أو يدفنها.
كمّية النفاق والعنصرية التي ظهرت في الحرب البعيدة عنا هذه المرة جغرافيًّا، هي دليلٌ على أن التاريخ يجب أن لا يُكتب بالأرقام، بعدد القتلى والعتاد والخسائر المادية وما أنفق من ملايير الدولارات، وإنما بتفاصيل الأحقاد والفتن وحبّ الذات.