عواقب انحسار البعد الروحي لخطابنا المسجدي!..
إن الإنسان عندما يلحظ حجم المساحة الواسعة المتزايدة التي يمتد فيها الخطاب الديني بمفهومه الواسع الذي لا ينحصر في الخطاب المسجدي أو البرامج المخصصة للفتوى التي تبثها مختلف قنوات الإعلام، وإنما أعني به كل النشاط الفكري الديني الذي يتناول مختلف مجالات العلوم والمعارف من منظور إسلامي ومجالات الحياة الأسرية والعلاقات الاجتماعية عموما، إلى جانب ولع البعض بإضافة صفة “إسلامي” و”إسلامية” إلى ما شاءت لهم نظرتهم “الشكلية” إلى الإسلام فأصبحنا نسمع بالطبخ الإسلامي والرياضة الإسلامية والدواء الإسلامي، بل وبالسوق الإسلامية!
أقول : عندما يلحظ الإنسان هذا “الحضور القوي” “للإسلام” في مناخنا الإعلامي والمعرفي والاجتماعي ويلحظ هذه الوفرة المتزايدة للمعارف الدينية وسهولة تحصيلها والإقبال المتزايد عليها، ثم يبحث عن الثمار المرجوة من ذلك كله في سلوكنا الفردي والجماعي فإنه يصدم بحقيقة لا تبعث على السرور لأنه يجد الخط البياني لواقعنا الديني يسير معاكسا لهذا الخط الفكري المعرفي والنشاط الدعوي عموما الذي يمضي صعدا إلى أعلى!
وهنا لا يملك هذا الإنسان إلا أن يتساءل “بكل عفوية وسذاجة” : لو أن كل متدين نهته صلاته فعلا عن الفحشاء والمنكر، ولو أن كل حاج وكل معتمر، ولو أن كل حريص على أداء صلاة الجماعة في مساجدنا العامرة والحمد لله، ولو أن كل شغوف بالتفقه في الدين، مولع بالاستماع إلى مختلف الدعاة والوعاظ والمرشدين.. لو أن كل واحد من هؤلاء جسد في سلوكه العفوي اليومي ما اقتنع به عقله وخزّنته ذاكرته من الحقائق والمعارف الدينية وأصبح قدوة عملية مؤثرة في محيطه الأسري الخاص وفي محيطه الاجتماعي العام، أكنا نشهد هذا التردي الأخلاقي المزري وهذا الانحسار العجيب للقيم الدينية في واقع حياتنا الاجتماعية عموما؟!
فأين الخلل..؟! وما تفسير هذا التناقض ؟! هل هي أزمة معرفة دينية؟! هل المشكلة في قلة العلم أم أنها في قلة العمل بما نعلم؟!
فإذا سلمنا بأن أزمتنا في قلة العمل بما نعلم فإن العلاج في هذه الحال يتوجه إلى النفس لا إلى العقل، لأن المسألة تتعلق بأمراض القلوب التي تداوى بتزكية النفس لا بتنوير العقل بمزيد من المعارف الدينية، ولكن ما هو السبب الكامن وراء هذه الأزمة؟!
لا شك أن لذلك أسبابا عديدة، لكن السبب الرئيس في نظري يعود إلى هذا الغياب الذي يكاد يكون كليا للبعد الروحي في الخطاب الديني عموما وفي خطابنا المسجدي بشكل خاص!
إن المؤمن الذي يتوجه إليه هذا الخطاب إنما هو عقل ووجدان، والعقل – كما هو معلوم – لا خيار له أمام الحقائق العلمية، دينية كانت أو غير دينية، بمعنى أنه لا يملك – بعد النظر والتحليل والاستنتاج – إلا الاقتناع والتسليم، ولكن تطبيق هذا الذي اقتنع به عقله وتجسيده في سلوكه هو أمر إرادي يحتاج إلى دافع من داخل الذات لا من خارجها، دافع يأمر الجوارح بالتنفيذ، وهذه قضية عاطفة، لها ارتباط بالنفس.. بالروح لا بالعقل!
فإذا لم يستثر الوجدان ولم تهتز العاطفة ولم يخشع القلب ولم تدمع العين فإننا لا ننتظر أن يستجيب المؤمن لتوجيهات هذا الخطاب ومواعظه وإرشاداته لأنه لا يريد أن يجد في مضمون هذا الخطاب المسجدي “نسخة أخرى” مكررة لما يجده في الخطاب السياسي والخطاب الإعلامي والخطاب الثقافي التحليلي، النظري وفي غير ذلك من المنابر!. الخطاب المسجدي يواكب الواقع ويعيش أحداثه ومشكلاته، هذا أمر لا يجادل فيه عاقل، لكنه لا “يشخص” لأن وظيفته ليست تحليلا سياسيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا لما يضطرب به هذا الواقع، وإنما وظيفته أن يحمل المؤمن على تجديد إيمانه وإحكام صلته بربه سبحانه وشحذ همته وعزمه ليقوم بواجبه الذي لا يقوم به غيره من أجل إصلاح هذا الواقع المضطرب لأنه “مسؤول وحده عن رعيته” والنهوض بالمسؤولية ليست مهمة العقل وحده، بل هي مسألة ضمير ديني تضطرب فيه عاطفتا الخوف والرجاء!.
إن جميع مؤسسات المجتمع التعليمية وجميع مصادر العلم والمعرفة على اختلاف تخصصاتها تنير عقل الإنسان وتغنيه بشتى الحقائق العلمية والمعارف الدينية وغير الدينية، لكن المسجد وحده هو الذي يقوم “بإخضاع” تلك الحقائق والمعارف كلها “للعاطفة” ثم يشحن الإرادة ليحولها بعد ذلك إلى “فعل“، فتتجسد في السلوك. في الواقع!.. “فالبعد الإيماني الروحي” هو الأصل، فقد يدعن العقل عندما يقتنع بما يسمع وبما يقرأ، ويسلم بواجب العمل بذلك كله، لكن الجوارح لا تستجيب إلا اذا أذعنت العاطفة، والعاطفة لا تنقاد “بالاقتناع” وإنما تنقاد بالإثارة!
إن الخطاب الديني عموما أصبح يحظى باهتمام متزايد، والجزائر تتوافر ـ بحمد الله ـ على أئمة يمتلكون كفاءات علمية إسلامية عالية، وهم يساهمون في مختلف الندوات والملتقيات التي تنظم لبحث كيفية ترقية هذا الخطاب وتطويره والوقوف على مواطن القوة والضعف فيه، سواء في مجاله العلمي أو التربوي أو الإعلامي، ولكن قلّ أن يتم التركيز في هذه الندوات والملتقيات على الأساس الروحي لهذا الخطاب، ودليل آخر على ذلك أن حجم ما تخرجه المطابع من الكتب الدينية قد عرف في العقد الأخير وحده مالم يعرفه في عقود، لكن الكتاب الديني الذي يتمحض للحياة الروحية مايزال نادرا!.. وأنا لا أقصد هنا الكتاب الديني الدراسي النظري وإنما أقصد الكتاب الديني يتوجه مؤلفه مباشرة إلى الجانب الروحي في حياة الإنسان ليقوي فيه نزوعه إلى عنصره النوراني وتساميه عن عنصره الترابي الذي يجذ به إلى أصله، في هذا العصر الذي طغت فيه النزعة المادية المحمومة التي “شيّأت” الإنسان وجعلته إما مستهلكا وإما مستهلكا!..