-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
من مقترحات وبحوث إلى ابتكارات تحمي الغابات

عُقول جزائريّة تُحارب النّار… والذكاء الاصطناعي “يُحاصِر” مُجْرمي الحرائق

نادية سليماني
  • 574
  • 0
عُقول جزائريّة تُحارب النّار… والذكاء الاصطناعي “يُحاصِر” مُجْرمي الحرائق
ح.م

غابات تتحول في ساعات إلى رماد، أشجار مُعمّرة تحترقُ، حيوانات تُباد، أرواح بشرية تُزهق… مشهد مُتكرّر كل صيف يخوض فيه أعوان الحماية المدنية وأعوان الغابات والمُتضرّرون معارك “شجاعة”. لكن مواجهة الإنسان مع الطبيعة قد تكون غير متكافئة، والأمرّ إذا تورط “مجْرم” يتبخر أثره وسط غابات ممتدّة. وأمام هذا الواقع، أدركت الجزائر أن التكنولوجيا لابد أن تكون الـ”مُحارب” الأول في معركة الحُروب الهجينة، وأن الاستثمار في الابتكار العلمي يمكن أن يُشكّل جزءا من منظومة وطنية حديثة للوقاية من الكوارث والتنبؤ بها.
فهل حان الوقت ليصبح الذكاء الاصطناعي شريكا حقيقيا في حماية الغابات والأرواح وكشف المتورّطين في إشعال الحرائق؟
كثيرة هي قصص الفقْد التي أدمت قلوبنا في حرائق المناطق الشرقية الأخيرة، فولاية جيجل بكت شابة في عمر الزهور، لم تتجاوز 25 عاما… عندما رأت ألسنة النيران تقترب من منزل عائلتها، ركضت لإنقاذ المعْزات التي كانت كل ما تملكه أسرتها ومصدر عيشها، لكن النيران كانت أسرع منها. لم تغادرنا صورة فقيد مشْتة الرّمان “سمير بوطرنيخ” صاحب 36سنة، الذي فقد روحه وكوخه و150 رأس ماشية دفعة واحدة… في حين كانت إحدى القِردَة شاهدة على هوْل الفاجعة، بعدما احتضنت ابنها النافق وهي تجري به مذعورة بين الأشجار المحروقة… الكل تضرر بسبب حرائق شهر أوت المنصرم، البشر والحيوان والطبيعة. ولبشاعة المشاهد يحقّ لنا التساؤل، هل استنفذت القدرة البشريّة طاقاتها لمُواجهة غضب الطبيعة وإجرام الأعداء؟
فحرائق الغابات في الجزائر لم تعُد حادثا موسميا عابرا، بل أصبحت خطرا متجدّدا، ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الدولة ومختلف أجهزة التدخل والإنقاذ، تظل لحظة اكتشاف الحريق والوصول إليه والسيطرة على انتشاره هي الحلقة الأكثر حساسية في معركة لا تحتمل التأخير.

“العقل الرّقمي” يواجه اللّهب
وبحسب مُختصين، فمواجهة حرائق الغابات، لابد أن تتدعم بـ”عقل رقمي”، في ظل وجود مخترعين وطاقات علمية وشباب مبدع في الجامعات ومراكز البحث، بإمكانهم تحويل التكنولوجيا إلى سلاح حقيقي ضد الحرائق، يُناسب طبيعة غاباتنا وتضاريسها.
وهنا يبرز السؤال الأساسي، هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُصبح شريكا حقيقيا للإنسان في إخماد حرائق الغابات؟ وهل يمكن أن تتحوّل أفكار الطلبة والباحثين والمبتكرين الجزائريين من مشاريع وتجارب، إلى حلول ميدانية حقيقية ترافق أعوان الحماية المدنية والغابات؟ أم إن العنصر البشري لا يمكن أن يُعوّض، لأن الآلة تتعطل والخوارزميات قد تُخطيء؟
يؤكد خبراء في التكنولوجيات الحديثة، أنه في ظل التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة، لم يعد الاستثمار في الذكاء الاصطناعي ترفا تقنيا، بل أصبح ضرورة استراتيجية، كما أن المعركة المقبلة مع النيران قد لا تحسمها قوة المياه وحدها، بل ربما تحسمها أيضا سرعة الخوارزمية في اكتشاف الخطر.
وهو ما يحاول مُبتكرون وباحثون وطلبة جامعيون، تحقيقه لجعل الجزائر في مصاف الدول المنتجة لحلولها الذكية لمواجهة كارثة الحرائق.

كاشف حرائق “رقمي”…
في 2023 وفي ظرف سنة تم ابتكار أول كاشف جزائري لحرائق الغابات عن بُعد، يُغطي مئات الكيلومترات المربعة، أنجزه باحثون في مركز تنمية التكنولوجيات المتطورة (CDTA) التابع لوزارة التعليم العالي، وأشرف عليه فوج عمل مُكوّن من باحثين مهندسين وتقنيين ومختصين من مختلف المجالات. والكاشف تم تجريبه على مستوى ولاية المدية ثم ورقلة، ويجري تعميمه تباعا على باقي المناطق.
وقال بشأنه رئيس بحث تكنولوجيات الليزر، نو الدين هنداوي عبر “الشروق”، بأن مديرية الغابات، طلبت من المركز ابتكار جهاز يكشف الحرائق عن بعد لغرض التدخل المبكر، فتم ابتكار الجهاز الذي يكشف حرائق على بعد 10 كلم إلى 30 كلم، عن طريق إطلاقه موجات مرتدة وأشعة ضوئية، وإرسال إنذار لتسهيل تدخل الحماية المدنية ومصالح الغابات.

“إيكوزيُومْ”…أول رُوبوت جزائري لإطفاء النار

أما “خالد باسطا” في الأربعينات من عمره منحدر من بلدية القبة بالجزائر العاصمة، فهو شاب اخترع أول روبوت جزائري لمكافحة الحرائق، والمعني بحسب حديثه لـ “الشروق”، توقف عن الدراسة في 1999 في السنة الثانية ثانوي رغم شغفه بمادة الفيزياء والرياضيات، وقرر الالتحاق بمركز التكوين المهني في تخصص الإلكترونيات.
في سبتمبر 2009، صنع أول جهاز مهمته فتح النوافذ بمجرد حدوث حريق في مكان مغلق، بعدها ابتكر مضخات إطفاء حرائق، تعمل بتقنية جديدة تستعمل لأول مرة، تم تسويقها للمؤسسات العمومية كالفنادق والمراكز التجارية، والمجمعات السكنية.
بينما حلم “الروبوت إيكوزيوم” الذي كان يراوده، فقد أعلن عنه في معرض الإنتاج الجزائري شهر ديسمبر 2022، ولاقى إشادة واسعة، خاصة من رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، الذي أشاد بمجهوده، وأكد على مرافقة الدولة لأصحاب المؤسسات الناشئة.
و”إيكوزيوم” روبوت جزائري مكافح للحرائق، يتم التحكم فيه بكبسة زر على بعد 300 متر، ويتوفر هذا الأخير على قاذف مياه يصل 80 متر، في حال تم ملؤه بـ 120 متر مكعب من الماء، ويشتغل الأخير لتعويض 3 أو 4 عناصر من رجال الحماية المدينة في آن واحد. ويتكون من بطاريات بقدرات ضخمة يمكن أن تشتغل لمدة 6 ساعات، إضافة إلى مستشعر وكاميرا حرارية.
وكما قدم طلبة عبر مختلف جامعات الوطن، مشاريع تخرج متعلقة بمجال استخدام الذكاء الاصطناعي لمكافحة حرائق الغابات، في كل من جامعات بجامعة البليدة 1، وبجامعة بسكرة في 2025، وجامعة غرداية في 2023، جميعها تصب في فكرة اعتماد الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بحرائق الغابات.

باحثون “رقميون” في الخدمة
ودخل باحثون في التكنولوجيات الحديثة على الخط، مقدمين مقترحات ذكية خدمة لوطنهم، بحكم تجربتهم واحتكاكهم بخبرات أجنبية، ومنهم الشاب محمد زكرياء حشلاف، والذي يعتبر مثالا رائعا على إبداع وقدرة الجزائريين على المنافسة عالمياً. كما يعتبر أصغر باحث عربي في علوم الفلك والفضاء والفيزياء الفلكية.
وحشلاف، فاز في 2025 بجائزة الابتكار الأعلى في جامعة بكين الصينية للتكنولوجيا، بفضل مساهماته البحثية. كما حصل فريقه على المركز الثاني عالميًا، بعد تطويره نموذج ذكاء اصطناعي لصالح شركة Tencent.
وحشلاف، عرض مساعدته خلال حرائق أوت، مقترحا المساهمة في “الكشف المبكر عن بؤر الحرائق والاستجابة الفورية مدعما بالذكاء الاصطناعي”.
ومقترحه، بحسب قوله، استلهمه من خلال تجربته التكوينية سنة 2021، في منظمة الفضاء الأمريكية، بالتعاون مع وكالة ناسا وشركائها، وهناك جمعه لقاء مع الفريق التنفيذي لشركة MAXAR الأمريكية، الرائدة في أنظمة الاستشعار الفضائي، حيث قامت الأخير بعرض آخر التكنولوجيا الحديثة القادرة مثلا على تحديد نشوب شرارة حريق سيجارة في غابات كاليفورنيا خلال أقل من 24 ساعة.

أقمار الجزائر الفضائية… المُنقذ
وأبرز حشلاف، أهمية أقمار الجزائر Alsat-A3 وAlsatB3 الفضائيتين للاستشعار عن بُعد، وقال: “أثق في أنها يمكن أن تعطي معلومات دقيقة حول مراقبة المناخ، الحرائق وتوزعها خلال الوقت الحقيقي”.
ليقترح الشاب أفكارا يأمل تجسيدها ميدانيا، على غرار، تخصيص خلية أمنية تستند إلى بيانات الأقمار الصناعية لتحديد مدى وانتشار الحرائق في الوقت الفعلي، وإطلاق ورشة متخصصة للإنتاج بالتركيب “درون” إطفاء الحرائق متوسط الحجم. واقترح، تخصيص ورشة مهندسين لتطوير أنظمة ذكاء الاصطناعي استنادا إلى البيانات المتوفرة بالتعاون مع وكالة الفضاء الجزائرية.
وتعهد الباحث المقيم في الصين، بتقديم خبرته للمساهمة في تجسيد هذه الأفكار، انطلاقا من شبكة معارفه لدكاترة متخصصين صينيين وأجانب في مماثلة أنظمة الذكاء الاصطناعي لما يتوافق مع معايير الاستعمال المحلي، وما لا يشكل خطرا على أمن وسيادة الجزائر طبعا.
وبدوره، يعرض الباحث والأكاديمي المختص في نظم المعلومات الجغرافية (GIS)والاستشعار عن بُعد، الدكتور خالد حريزي، خدماته كمختص، للتدخل لإنجاح استراتيجية وطنية تعتمد على أنظمة المعلومات الجغرافية، والاستشعار عن بعد واستعمال الذكاء الاصطناعي للتعامل مع هذه الحوادث الأمنية والمناخية في أسرع وقت”.
ويرى حريزي بأننا “في قلب الأزمة والأمر معقد”، ولابد من التحرك “الرقمي” السريع، وقال: ” لو توفرت لدينا من قبلُ منصات رقمية وجغرافية فيها كل المسارات الغابية، المربوطة مع الأقمار الصناعية والمراقبة المستمرة بالدرون، لتمكنا اليوم من مواجهة خطر الحرائق”.
ليؤكد أن العالم يتغير بسرعة، والمناخ أصبح أكثر تطرفا، والأعداء أصبحوا أكثر شرا، ولا يمكن مواجهة هذه الظروف وهذه الحرب الهجينة بالتقنيات التقليدية، بل وجب بناء استراتيجية وطنية لمواجهة الكوارث البيئية والمناخية والأمنية.
والدكتور حريزي خالد سبق له تصميم منصة رقمية للإنذار المبكر تعنى بدراسة حساسية الطقس والنباتات تجاه خطر حرائق الغابات.

الحماية المدنية… تنبؤ رقمي وإنذار مبكر
ومن جهة أخرى، تتضافر جهود المحافظة الوطنية للغابات والمديرية العامة للحماية المدنية، لتبني مقاربة استباقية تعتمد على ثالوث تكنولوجي متطور، الذكاء الاصطناعي وشبكات الجيل الخامس، وإنترنت الأشياء، ضمن حملة عام 2026 الممتدة من الفاتح ماي إلى غاية 30 نوفمبر المقبل.
وفي هذا الصدد، أكد المدير الفرعي للإحصائيات والإعلام بالمديرية العامة للحماية المدنية، المقدم نسيم برناوي، أنه ضمن المخطط الاستباقي للوقاية من الأخطار الكبرى، تم “اعتماد مقاربة إستباقية وتكنولوجية حديثة، لتعزيز التدخل السريع وإدارة الأزمات”.
وأشار برناوي إلى أن الجزائر اعتمدت في 2026 مقاربة حديثة لمكافحة حرائق الغابات تعتمد على الرقمنة والإنذار المبكر. وتبرز الـ “درون” المزودة بكاميرات حرارية عالية الدقة، ومستشعرات بصرية متطورة، وأجهزة لقياس جودة الهواء ونسب الغازات، فضلاً عن مستشعرات لسرعة واتجاه الرياح، كأهم عنصر في هذه المنظومة الرقمية، بحيث توجد حيز الخدمة 35 طائرة مسيرة، مع اقتناء وشيك لـ 80 طائرة أخرى.
هذا التدفق اللحظي للبيانات يسمح لقادة العمليات باتخاذ قرارات حاسمة بناء على صور حية، علاوة على ذلك، تسمح قدرة شبكات الجيل الخامس على ربط ملايين الأجهزة في الكيلومتر المربع الواحد، عن طريق شبكة اتصال قوية ومستقرة بين أفراد التدخل على الأرض، وطائرات الدرون في السماء، ومراكز القيادة، مما يقضي على مشكلة انقطاع الاتصالات اللاّسلكية التقليدية في المناطق الجبلية الوعرة.
ويسمح التنبؤ الرقمي، بتحديد القرى والتجمعات السكنية التي قد تكون في مسار النيران قبل وصولها بوقت كاف، مما يسهل عمليات الإخلاء الاستباقي. كما يقوم النظام باقتراح التوزيع الأمثل للوسائل الجوية.
ومن جهته، أوضح مدير حماية الحيوانات والنباتات بالمديرية العامة للغابات، السعيد سي علي، أن حملة 2025-2026، المتواصلة تتميز بـ” اللجوء المتزايد إلى الوسائل التكنولوجية”.

مُشعلو النيران… لا مفرّ مع الرقميّة
ولأن مُعظم النار من مُسْتصغر الشَّرَر، ولا تكون إلا بيديْ فاعل، إما مجرم متعمد أو سائح “جاهل” أو مارّ “عابث”، أشعل جمرة امتدت ألسنتها في دقائق ملتهمة الأخضر واليابس، فمن يكشف المشتبه به وسط غابة مترامية الأطراف؟
إلى وقت قريب، كان أعوان الغابات ومن خلفهم سكان المناطق الجبلية والغابية، “العين الحارسة” التي لا تنام، أما في السنوات الأخيرة ومع التغير المناخي ومحاولات التوسع على حساب الأراضي الغابية، وظهور أعداء الوطن ممن تحولوا نحو الحروب الهجينة، بعدما وجدوا الجزائر عصيّة في المواجهة التقليدية. فحرائق الغابات ليست مجرد كارثة بيئية تنتهي بإخماد ألسنة اللّهب، بل أصبحت قضية أمْنية، نجاحها مرتبط بتحقيقات “رقمية” لا تقليديّة.
واليوم، يمكن تحويل الغابة من فضاء يصعب مراقبته إلى منطقة ذكية تحاصر مرتكبي الحريق قبل أن تتحول شرارة صغيرة إلى مأساة وطنية.
ففي الحرائق التي شهدتها الجزائر في شهر جويلية 2026، تفاجأنا بإلقاء السلطات الأمنية القبض وسريعا على كثير من المتورطين في إشعال النيران، فكيف تمّ رصد الفاعل وسط غابات كثيفة؟
باتت الجزائر، تعتمد على منظومة طائرات مسيرة “درونات” مزودة بكاميرات عالية الدقة وكاميرات حرارية تعمل ليلا ونهارا، تحلق بشكل دوري فوق الغابات أو تنطلق تلقائيا عند تلقي إنذار بوجود دخان أو ارتفاع غير طبيعي في درجات الحرارة.
وترسل هذه الطائرات صورا مباشرة إلى مركز قيادة، حيث تتولى خوارزميات الذكاء الاصطناعي تحليل آلاف اللقطات في ثوان معدودة، والتمييز بين الدخان الحقيقي والضباب أو الغبار، مع تحديد الإحداثيات الدقيقة لبداية الحريق.
ولا يتوقف دور الذكاء الاصطناعي عند الإنذار المبكر، بل يمتد إلى تحليل المشهد الذي سبق اندلاع الحريق. فإذا رصدت الكاميرات مركبة توقفت في مكان معزول، أو شخصا دخل منطقة غابية ثم غادرها قبل دقائق من اشتعال النيران، فإن النظام يحتفظ بهذه البيانات ويقارنها مع تسجيلات أخرى وصور الأقمار الصناعية والخرائط الجوية، لتكوين تسلسل زمني دقيق يساعد المحققين على تحديد هوية المشتبه فيهم.

“فيديوهات” المواطنين دليل ضدّ المتورطين
وأصبح المواطنون يساهمون وبشكل فعال في كشف مجرمي الحرائق، عن طريق تصوير الفاعلين، ونشر الفيديوهات على نطاق واسع عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بفضل تقنية الجيل الخامس التي تساهم في سرعة انتشار الفيديوهات والصور، ما يسهل عمل الأجهزة الأمنية في القبض السّريع عليهم.
وبالتالي، فإدماج الذكاء الاصطناعي، لكشف من يضرمون النيران، بات ضرورة، بعدما عانت البلاد خلال السنوات الأخيرة من حرائق خلفت خسائر بشرية وبيئية جسيمة، مع صعوبة مراقبتها بالوسائل التقليدية.
استثمار الجزائر في مثل هذه الأفكار والابتكارات والتي لن تحمي الغابات فقط، بل ستفتح آفاقا جديدة أمام المؤسسات الناشئة والجامعات الجزائرية، وتحول البحث العلمي إلى حل ميداني يخدم المجتمع، بات ضرورة، وهو ما يؤكده خبراء ومختصون.

المُستشار الدولي في الرقمنة والتنمية الاقتصادية، عبد الرحمان هادف:
الجامعة… أحد أهمّ روافد الابتكار وصناعة الحلول

يعتبر المستشار الدولي في التنمية الاقتصادية، عبد الرحمان هادف، أن الجامعة لم تعد اليوم مجرد فضاء للتحصيل العلمي وإنتاج المعرفة، بل أصبحت، في ظل التحولات التكنولوجية والاقتصادية المتسارعة، أحد أهم روافد الابتكار وصناعة الحلول.
وقال إن المشاريع البحثية للطلبة وحاضنات الأعمال الجامعية، بدأت تستقبل أفكارا وابتكارات واعدة في مجالات متعددة، من الاقتصاد والرقمنة إلى الصحة والبيئة والمجالات الاجتماعية.
“واللافت أن جزءا من هذه المشاريع لم يعد يكتفي بالجانب النظري، بل أصبح يقترح حلولاً عملية لمشكلات حقيقية تواجه المجتمع والاقتصاد. ومن أمثلة ذلك الابتكارات الرقمية المرتبطة بالوقاية من الحرائق ومراقبتها والتدخل المبكر، وهي حلول يمكن أن تستفيد من إنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي وأجهزة الاستشعار وتحليل البيانات” على حد قوله.
لكن السؤال الأهم، حسب محدثنا، لا يتعلق فقط بقدرة الطلبة على الابتكار، وإنما بقدرتنا المؤسساتية على تحويل هذه الابتكارات إلى واقع ملموس.
ويؤكد المستشار الدولي في التنمية الاقتصادية في تصريح لـ ” الشروق”، أن التحدي الأساسي يكمن في الفجوة الموجودة أحيانا بين الجامعة ومحيطها الاقتصادي والمؤسساتي، فقد ينجح الطالب في تطوير نموذج أولي جيد، لكنه يواجه بعد ذلك أسئلة أكبر من سيمول تطويره؟ من سيختبره؟ من سيعتمد عليه؟ وكيف ينتقل من المختبر إلى الميدان؟ وهنا تبرز الحاجة، بحسبه، إلى الانتقال من منطق “احتضان الفكرة” إلى منطق “مرافقة الفكرة حتى تصبح حلا قابلا للتطبيق”.
ويرى هادف، أن السلطات العمومية يمكن أن تلعب دورا محورياً، من خلال “إنشاء آليات واضحة تسمح بتحديد المشاريع الواعدة، وتصنيفها بحسب درجة نضجها، ثم مرافقتها في مراحل التجريب والتطوير”.
ويمكن تصور مسار عملي من خمس مراحل، بحسب المختص، أولها اكتشاف الابتكار، عن طريق إنشاء قاعدة وطنية أو قطاعية للمشاريع البحثية والابتكارات الجامعية، مع تحديد طبيعة المشكلة التي يعالجها كل مشروع ومستوى نضجه، ثم تقييم الإمكانات، عن طريق إخضاع المشاريع الواعدة لتقييم تقني واقتصادي وقانوني، ليس فقط على أساس القيمة العلمية، وإنما أيضاً على أساس قابليتها للتطبيق وقابليتها للتوسع.
تليها مرحلة التجريب الميداني، وهي أهم حلقة، بحسب هادف، وقال: “الابتكار لا يمكن تقييمه فعليا داخل المختبر فقط. ينبغي توفير ما يمكن تسميته “مختبرات حية” (Living Labs) تسمح للطلبة باختبار حلولهم في بيئات حقيقية”.
فإذا كان المشروع يتعلق بمكافحة الحرائق مثلا، يمكن للجهات المختصة بالحماية المدنية والبيئة والغابات والسلطات المحلية أن تشارك في تجربة النموذج وتقديم البيانات والملاحظات التقنية اللازمة لتحسينه…
بعدها تأتي مرحلة التمويل والطلب العمومي، فعندما يثبت الابتكار فعاليته، يجب أن تتوفر آليات لتمويل تطويره، سواء من خلال صناديق الابتكار، أم برامج دعم المؤسسات الناشئة، أم الشراكات مع المؤسسات الاقتصادية.
وهنا يمكن للطلب العمومي أن يتحول من مجرد آلية لاقتناء المنتجات والخدمات إلى أداة لتحفيز الابتكار المحلي، من خلال إتاحة الفرصة للحلول الوطنية المبتكرة، وفق قواعد الشفافية والمنافسة والجودة. وأخيرا تأتي مرحلة التوسع والتحول إلى مؤسسة أو منتج، قادرة على خلق القيمة ومناصب الشغل وربما الوصول إلى الأسواق الخارجية.
ويرى المختص في الرقمنة والاقتصاد، بأنه من أهم التحولات المطلوبة في التفكير العمومي هو “الانتقال من نموذج تكون فيه الإدارة هي التي تبحث دائماً عن الحلول، إلى نموذج تصبح فيه الجامعة والطلبة والشركات الناشئة ومراكز البحث شركاء في إنتاج الحلول”.
وبحسبه، تحفيز الطالب على الابتكار لا يكون فقط من خلال المسابقات والجوائز، رغم أهميتها، وإنما من خلال “تغيير البيئة التي ينظر فيها الطالب إلى مشروعه. فعليه أن الشعور بأن مشروعه يمكن أن يكون أكثر من مجرد شرط للحصول على الشهادة، وإنما بداية لمسار مهني أو مؤسسة أو منتج أو حل لمشكلة حقيقية”.
وذلك عن طريق، تخصيص جوائز وطنية وجامعية للمشاريع التي تقدم حلولاً لمشكلات حقيقية، وربط بعض مواضيع التخرج باحتياجات القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، وفتح برامج تحديات ابتكارية تطرح فيها الوزارات والمؤسسات العمومية مشاكل محددة، وتدعو الطلبة والباحثين إلى تقديم حلول لها.
علاوة عن توفير التمويل الأولي للنماذج الأولية، لأن كثيراً من الأفكار تتوقف عند هذه المرحلة بسبب نقص الموارد، وضرورة إشراك المؤسسات الاقتصادية في تقييم المشاريع منذ مراحلها الأولى، مع تعزيز حماية الملكية الفكرية للطلبة والباحثين وتوضيح حقوقهم عند تحويل الابتكار إلى منتج تجاري.
والأهم من ذلك كله، يقول: “تغيير الثقافة المحيطة بالفشل، فالابتكار بطبيعته يقوم على التجربة والخطأ والتحسين المستمر. لذلك يجب ألا يُنظر إلى النموذج الأولي غير الناجح باعتباره فشلاً، بل باعتباره مرحلة من مراحل التعلم والابتكار”.

رئيس منظمة لقاء شباب الجزائر، عبد المالك بن لعور:
توفير آليات حقيقية لربط الجامعة بالقطاعات التنفيذية

قال عبد المالك بن لعور، إن المشاريع البحثية للطلبة تمثل رافدا مهما لتطوير حلول مبتكرة للحد من حرائق الغابات، خاصة في ظل التطور المتسارع في مجالات الذكاء الاصطناعي، والطائرات بدون طيار، والإستشعار عن بعد، وإنترنت الأشياء. ويمكن لهذه المشاريع أن تسهم في الإنذار المبكر، ورصد بؤر الحرائق، والتنبؤ بالمناطق الأكثر عرضة للاشتعال، إضافة إلى تطوير وسائل أكثر كفاءة لإخماد الحرائق وحماية الغطاء الغابي.
أما تجسيد هذه المشاريع ميدانيا، بحسب محدثنا، فيتطلب “إنشاء آليات حقيقية لربط الجامعة بالقطاعات التنفيذية، من خلال احتضان المشاريع الواعدة داخل حاضنات الأعمال ومراكز الابتكار، وتمويل النماذج الأولية، وإجراء تجارب ميدانية بالشراكة مع مصالح الغابات، والحماية المدنية، ومخابر البحث، مع فتح المجال أمام المؤسسات الاقتصادية للاستثمار في الابتكارات القابلة للتطبيق”.
وأضاف بن لعور، بأن تنظيم مسابقات وطنية وتحديات ابتكارية حول الوقاية من حرائق الغابات، وإدماج الطلبة في مشاريع بحثية مشتركة مع الهيئات المختصة، من شأنه تحويل الأفكار الأكاديمية إلى حلول عملية تخدم الأمن البيئي وتعزز التنمية المستدامة في الجزائر.

مدير مركز تنمية التكنولوجيات المتطورة (CDTA)، الدكتور محمد طرايش:
استجبنا لطلبات مؤسسات الدولة وشركات اقتصادية في ابتكارات تكنولوجيّة

ولأن الجزائر استثمرت منذ سنوات في تنمية التكنولوجيات المتطورة، فأنشأت في 1982 مركز تطوير التكنولوجيات المتقدمة (CDTA)، وهو مؤسسة عمومية وطنية ذات طابع علمي وتكنولوجي، تحت وصاية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.
مهامه إجراء نشاطات البحث العلمي والتطوير التكنولوجي ضمن ميادين التكنولوجيات المتقدمة وهي الإلكترونيات الدقيقة والروبوتيك والذكاء الاصطناعي وهندسة الأنظمة وتكنولوجيات الاتصالات والليزر والبلازما وتكنولوجيات المواد والبصريات والفوتونيات.
“الشروق” التقت مع مدير المركز، محمد طرايش، الذي تحدث عن دور المركز في تثمين ابتكارات الباحثين، بسبب سعيه للاستجابة للحاجات الوطنية الملحة ذات العلاقة المباشرة بهذه التكنولوجيات، من مثل الروبوتيك وتكنولوجيات الرقائق الإلكترونية وإلكترونيات التجهيزات الثقيلة وإلكترونيات المنشآت الصناعية كالمياه الصناعية والغازات الإلكترونية وتكنولوجيات الفراغ… وعلى كافة مستويات الفعل التكنولوجي، مستوى التنفيذ ومستوى التصميم ومستوى البحث. وهو ما يمر حتما، بحسب قوله، عبر إشراك الجامعات الوطنية، “لأنه بكل بساطة المستقبل متوسط وبعيد المدى يرسم عبر طلبة اليوم”.
ويؤكد محدثنا أن مهمة المركز الأساسية هي الاضطلاع بتطوير التكنولوجيات المتقدمة لفائدة الوطن، وتكريس كل ما يلزم من تثمين وتحويل للتكنولوجيا وتصنيع وتسويق عبر شركاتنا الفرعية وتكوين بالشراكة مع الجامعات الوطنية وتعاون دولي كآليات لبلوغ هذا الهدف الأساسي.
وأكد طرايش أن أغلب مشاريع البحث بالمركز، كانت تأتي كاقتراحات من الباحثين المتميزين، وتمول بعدما يقرها المجلس العلمي للمركز، وبعد تقدم تنفيذها يتم البحث لها عن شركاء اقتصاديين لتثمينها.
وأضاف: “أما منذ ثلاث أو أربع سنوات السابقة، وبالنظر إلى تراكم الخبرة وإلزام الدولة الفاعلين الاقتصاديين باللجوء أولا إلى الخبرات والإمكانات الوطنية، فأضحت كل مشاريع البحث والتطوير تطلق استجابة لطلبات من مؤسسات الدولة والشركات الاقتصادية العمومية والخاصة، إضافة إلى مشاريع ترمي إلى سدّ حاجيات وطنية ملحة في مجالات تكنولوجية ذات أولوية”.
وكشف طرايش أن الطلبة المرتبطون بالمركز والذي يشرف باحثوه على تكوينهم المباشر، منضوون ضمن رؤية إنشاء كتل معيارية وطنية مختصة في بعض التكنولوجيات المهمة، ومؤطرون بقرارات وزارية خاصة.
وبالنسبة لاعتماد ابتكارات الطلبة “فهو لم يكرس لحد الآن، إلا بالقدر اليسير نظرا للخبرة الفائقة للمركز والكفاءات الكبيرة التي حازها عبر السنين، وهي اعتبارات في غاية الموضوعية، إذ إن المركز يطور التكنولوجيات بتطوير الأنظمة التكنولوجية وهذه بطبيعتها متعددة الاختصاصات”.
فعلى سبيل المثال، كاشف حرائق الغابات، المطور داخل المركز، قال محدثنا بأنه “يدمج عشرين تكنولوجيا مختلفة تقع ضمن عشرين اختصاصا مختلفا، وهو ما لا سبيل للطالب حديث التخرج أو على أهبة التخرج لـ “أن يحيط به كله مرة واحدة”.

التكنولوجيا لا تستبدل البشر
وفي الجهة المقابلة، ترى فئة أن العنصر البشري لا يمكن أن يُعوّض، باعتباره عاملا حاسما في مكافحة حرائق الغابات، رغم الإمكانات الكبيرة التي توفرها، التي تمكن من اتخاذ قرارات أسرع وأكثر دقة.
وبحسبهم، المواجهة بين البشر والطبيعة ووجها لوجه، لابد أن تبقى قائمة، لأن الآلة تتعطل والخوارزميات قد تُخطئ، في حين يبقى العقل البشري حاضرا فطنا وحذرا، يرشده ويوجهه قلب يدفع بصاحبه إلى المواجهة مسلحا بحب الأرض والوطن.
وحتى بالنسبة لقطاعيْ الحماية المدنية وأعوان الغابات، ورغم الإمكانات الهائلة والقفزة اللوجستية والتكنولوجية التي تشهدها حملة 2026، فإن التجسيد الكامل والميداني يتطلب تجاوز تحديات ملموسة، بحيث تبرز الحاجة الماسّة إلى تكوين مُتخصّص وتدريب تقني مستمر للكوادر البشرية، فالانتقال إلى إدارة الكوارث بالـ” درون” والذكاء الاصطناعي، يتطلب طيّارين مُحترفين ومُحللي بيانات قادرين على مواكبة سرعة الآلة.

المُستشار في تكنولوجيا المعلومات، محمد شريف زايدي:
الذّكاء الاصطناعي بلا حدس بشري ليس “حلّا سحريّا”…


وفي هذا الصّدد، يؤكد المستشار في تكنولوجيا المعلومات، محمد شريف زايدي، لـ “الشروق”، أن التكنولوجيات الحديثة يمكنها تغيير طريقه تعاملنا مع حرائق الغابات، من التدخل بعد وقوع الحريق إلى الاستباق والإنذار المبكّر.
ويعتقد أن التحدّي الذي يواجه المشاريع التي ينجزها الطلبة والباحثون الجزائريون “ليس في إنتاج الابتكار وإنما تحويله إلى حلول ميدانية، تحتاج إلى آلية تسمح بتجربة هذه المشاريع مع مصالح الغابات والحماية المدنية، ثم تقييمها وتطويرها ثم تعميمها”.
ولكن، بحسب مُحدّثنا، فالذّكاء الاصطناعي ليس “حلّا سحريّا بمفرده، لكن يمكن أن يكون من أقوى أدوات الوقاية والمكافحة، في حال تمّ دمجه ضمن منظومة كاملة، الأهم فيها هو سرعة تدخل العنصر البشري، لذلك الأفضل أننا نتحدث على منظومة ذكيه متكاملة لمكافحه حرائق الغابات، بدل الاعتماد على الذكاء الرقمي لوحده”.
والخلاصة، أن الذكاء الاصطناعي ورغم دخوله ساحة مكافحة الحرائق، فإنه لن يعوض البشر كليا، لكنه يعد أداة مساعدة قوية جداً. فبينما يتولى الذكاء الاصطناعي مهام الرصد المبكر والتنبؤ بالانتشار وتوجيه الفرق، يبقى دور العنصر البشري أساسيا، من خلال الإطفاء الميداني والإنقاذ والإخلاء، وتقييم المواقف المعقدة واتخاذ القرارات الصعبة التي تحتاج إلى حدس بشري وخبرة واقعية.
فالمواجهة النهائية مع النيران، يحسمها العنصر البشري الحامل لخراطيم المياه مواجها ألسنة اللهب، ولكن مُعتمدا على تنبيهات وبيانات التكنولوجيا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!