غزّة… يوم آخر من اليأس
الصباح في غزّة يشبه المساء، لا شمس ولا فجر، بل مجرّد ضوءٍ باهت يتكسّر على بقايا الإسمنت، على النوافذ المكسورة، على العيون المرهقة. لم يعد الصبح بدايةً لشيء، بل استمراراً لعبء ثقيل.
الناس ينهضون ليس حباً في الحياة، بل لأنّ الموت لم يأتِ بعد. يفتحون أعينهم على رائحة الدخان، على أنين جيران تحت الأنقاض، على خبرٍ جديد بعدد الجثث. في غزّة، الصباح خبر عاجل: “قُتل خمسون، أصيب مئة، هُدم حيّ كامل.”
يخرجون إلى الطرقات، يحملون ما تبقّى من العمر في كيس بلاستيكي. أمّ تمسك بيد ابنها وهي تعلم أنّ يدَه قد تفلت منها في لحظة، لا لأنّه سيهرب، بل لأنّ قذيفة ستنتزعه منها. رجلٌ مسنّ يجلس على رصيف، لا يحمل شيئاً، فقط يحدّق في السماء كأنّه يطلب تفسيراً: إلى متى؟
عند الظهيرة، ينفجر الهواء من جديد. لم يعد الناس يفزعون، لم يعد أحد يصرخ، لم يعد أحد يركض. القصف صار صوتاً مألوفاً مثل هدير البحر، مثل صياح الديك، إلا أنّه لا يُبشّر بيوم جديد، بل بخراب جديد.
البيوت تنهار على أصحابها، والطرقات تتحوّل إلى مقابر مفتوحة. رائحة اللحم المحترق تختلط برائحة الخبز الجافّ في أكياس الإغاثة. طفل يفتّش بين الركام عن لعبته، يجدها مشوّهة، يبتسم نصف ابتسامة، ثم يُدرك أنّ أخاه لم يخرج من تحت الحجارة.
في المستشفى، الملل يذبح الأرواح أكثر من النزيف. الأطباء يكرّرون الحركات نفسها كل يوم: بتر، خياطة، ضغط على النزيف. المرضى يكرّرون الوجوه نفسها: جرح مفتوح، طرف مفقود، عين معصوبة. والكل يردّد العبارة نفسها: “لا دواء… لا سرير… لا أمل.”
مع حلول المساء، البحر يغلق صدره. الجميع انتظروا السفن القادمة من بعيد، سفن محمّلة بالحياة: حليب، دواء، خبز. لكن البحر، مثل السماء، مثل العالم، قرّر أن يكون عدواً هو الآخر. أُوقفت السفن، اعتُقل ركّابها، صودرت أحلامهم. وما زالت غزّة جائعة، عطشى، مهملة.
في الشوارع، تُوزَّع بضع أرغفة على عشرات العائلات. الأطفال يلتهمون الخبز اليابس بأصابع مرتجفة، الأمهات يقسمن اللقمة إلى نصفين، ثم إلى أرباع. الجوع لم يعد استثناءً، صار عادة. والناس لم يعودوا يتذمّرون، صاروا يضحكون بسخرية: “اليوم جوع، غداً جوع… وما الجديد؟”
وحين يحلّ الليل، يخيم صمت مُرهق. الأطفال ينامون بسرعة لأنّ النوم أوفر من الطعام. الرجال يسندون ظهورهم إلى جدران نصف مهدّمة، يحدّقون في العدم. النساء يبكين في الظلام، دموعهن تنزل بلا صوت، بلا صراخ. لم يعد هناك طاقة للبكاء بصوتٍ عالٍ.
غزّة تنام… أو بالأحرى، تسقط في غيبوبة أخرى. تسقط وفي قلبها يقين واحد: أنّ الغد ليس مختلفاً عن اليوم. أنّ الصبح ليس بداية، بل نسخة أخرى من النهاية.
غزّة تعبت. تعبت من الموت، من الانتظار، من الجوع، من الوعود. تعبت حتى من الأمل، وصارت تقول لنفسها: “كفى، لقد سئمت… حتى الأمل لم يعد جميلاً. حتى الانتظار صار ترفاً. حتى الصبر صار عذاباً.”
هكذا يمرّ اليوم… يوم عادي آخر. يوم ثقيل باليأس، مشبع بالدموع، مثقل بالملل والخذلان. يوم يشبه الأمس… ويشبه غداً لم يأتِ بعد