“فتاو على المقاس” تربك الجزائريين في رمضان
برز إلى السطح مجدّدا موضوع “فوضى الفتوى في الجزائر”، وذلك بمناسبة إقبال الجزائريين على الشهر الفضيل وما يطرح فيه من العديد من المسائل الفقهية التي كثيرا ما صنعت الحدث “سلبا” بخلق اضطراب لدى المواطن البسيط الذي يجد نفسه بين فتاوى ذات اتجاهات مختلفة بل ومتناقضة أحيانا في مسألة فقهية واحدة.
وتؤكّد المتابعة الميدانية لهذا الاضطراب بأنّه ناتج عن غياب مرجعية دينية وطنية ذات مصداقية، حيث تشفي غليل من يرجع إليها مع فوضى الإفتاء على القنوات الفضائية ومختلف وسائل الاتصال والإعلام والمواقع الإلكترونية، ودخول التيّار السلفي على الخط كتيّار متحرّر من مذهب أهل البلد مستورد للفتوى من مرجعياته الفكرية التي يغلب عليها التزام المذهب الحنبلي كما أشار إلى ذلك مؤخّرا وزير الشؤون الدينية والأوقاف محمّد عيسى.
ولم يكد شهر القيام والصيام يطلّ على الجزائريين بكرمه وجوده وبركات أيامه ولياليه حتّى جاءت معه العديد من المواضيع التي تحتاج إلى وضع قاعدة عامّة للمجتمع تتولّاها العديد من الهيئات وتكون المساجد منبرا لتسويقها، لكن هذه الأخيرة يظهر أنّها لم تعد السبيل الصحيحة لضبط الفتوى، حيث أصبح العامّي من الجزائريين يسمع إمام مسجد يفتي له بأنّ من أكل في نهار رمضان ساهيا فقد أطعمه الله وسقاه ولا قضاء عليه ليفاجأ بعد يومين بإمام مسجد آخر إن لم نقل الإمام الثاني لنفس المسجد يفتي بوجوب القضاء.. ما يخلق اضطرابا عند المتلقّي غير المكلّف شرعا بالبحث عن التفاصيل ولا معرفة الأدلّة.
وفي هذا الصدد، أكّد رئيس المجلس الوطني المستقل للأئمة الشيخ جمال غول بأنّ “إشكالية الفوضى في الفتوى في الجزائر لها آثار سلبية على الجزائريين” محمّلا أسبابها إلى “عدم وجود مرجعية وطنية ذات مصداقية يرجع إليها النّاس في أمور دينهم ودنياهم“، مشدّدا على أنّه “لا يمكن نفي وجود الاختلاف لكن لا بدّ من تقنين الفتوى وفق القاعدة الفقهية المعروفة: “الحاكم يرفع الخلاف“، بحيث تكون هناك مرجعية تذوب دونها باقي الاختلافات“. وهنا تطرّق إلى ما قامت به وزارة الشؤون الدّينية أخيرا من “المجلس العلمي الوطني للفتوى” مدرجا ذلك كخطوة في الاتجاه الصحيح من “أجل توحيد الأمّة وجمع الكلمة“.
وقال غول إنّه في المسائل المتعلّقة برمضان وغير ذلك لا بدّ من التفريق بين “المرجعية الوطنية” التي تعني المسائل التي تقبّلها المجتمع الجزائري ولو خالفت المذهب المالكي ضاربا المثل بزكاة الفطر وبين “المرجعية المالكية” التي تعني إلزام النّاس بكل أقوال المالكية “وهو ما لم نقل به” يكمل غول، وبخصوص بعض المسائل الفقهية التي تبقى محل اختلاف في رمضان قال بأنّ الأصل أن يلتزم جميع الأئمّة بالمرجعية الوطنية في الفتوى ومن ذلك حسبه “صلاة التراويح إحدى عشرة ركعة لا ثلاث عشرة ركعة والفتوى بوجوب القضاء والكفّارة لمن أفطر متعمّدا بأكل أو شرب أو استمناء كما هو في الجماع مع القراءة في التراويح برواية ورش“.
أمّا عن إمساكية رمضان التي تحدّدها الوزارة بالإمساك عشر دقائق قبل الفجر فأكّد أنّها ليست بفتوى ولكنّها على سبيل الاحتياط، فلا يصح إطلاق لفظ بدعة عليها لأنّها غير ملزمة، ورجّح غول القول بأنّ من أكل أو شرب ناسيا في رمضان فلا قضاء عليه معلّلا إفتاءه في المسألة بعدم وجود فتوى وطنية في هذه المسألة ما يجعل الأمر فيها راجعا إلى الأئمّة وخياراتهم.