فرنسا تبكي على أطلالها
مازالت فرنسا، برغم “دائها وأعدائها”، تتعامل مع القارة الإفريقية، من جنوبها إلى شمالها، على أنها جزء منها، أو تحت وصايتها وحمايتها، لا تريد أن ترى لها، إلا ما ترى.
تقرير إعلامي فرنسي رسمي، بكى على الحائط الإفريقي، بدل الدمعة بحارا ومحيطات، عندما أحصى ما لا يقل عن تريليون من الدولارات استثمرتها الصين في القارة السمراء، التي تريدها فرنسا أن تبقى سوداء، تأخذ منها الثروات وتتركها غارقة، تتخبط، لا تدري لنفسها مصير غير القشة الفرنسية.
وكان التقرير الذي نشرته مواقع كبيرة ومهمة في فرنسا، بقدر ما أعطى أرقاما، عن التواجد الاقتصادي الصيني المتجذر، في مختلف البلدان الإفريقية خاصة الكبرى منها مثل الجزائر ومصر وجنوب إفريقيا ونيجيريا وإثيوبيا، بقدر ما اعتبر ذلك ابتلاعا للقارة الإفريقية واختطافها من فم “المبتلعين” السابقين، وبالرغم من أن التقرير كان اقتصاديا، وهو يتطلب الأرقام والتحليل الاقتصادي فقط، ولا شيء غيرذلك، إلا أنه عجن بالعواطف والحسرة، حتى يخيّل إليك بأنك أمام قصيدة رثاء أو إلياذة نحيب، على أطلال قارة ابتلاها الله فعلا في العصر الحديث بجائحة تسمى “فرنسا”.
ما الذي يضرّ فرنسا، أو غيرها من بلاد الغرب، أن تقيم دولة في أقصى الدنيا تسعى للنمو، علاقة، مع بلد لم يتورط في استعمار لأوطان ولا في المذبحة الحالية في فلسطين، وما الذي يدفع فرنسا إلى تقديم النصيحة لبلدان إفريقية لم تر منها غير الجشع في أسوأ درجاته، ولعل ما يقذفه حكامها وبعض قادة أحزابها، نحو ليبيا وفي بلدان الساحل وحتى نحو الجزائر من أحقاد وسوء نية، خير دليل على أن فرنسا، تمزّق نفسها حاليا، حسرة على ما ضاع منها في إفريقيا، وهي مستعدة لأن تمارس في هذه القارة سياسة الأرض المحروقة أو “أنا وبعدي الطوفان” مع بلدانها، إن لم تكن قد مارستها فعلا.
هناك من يعتبر ما قام به إمانويل ماكرون تجاه الصحراء الغربية بالفعل المفاجئ، الذي لم يخطر على بال أحد، لكن في الواقع هو أمر منطقي، من بلد تيقن في قرارة نفسه، بأنه فقد البوصلة في عرض بحار إفريقيا، فصار يتقرب نحو ما تبقى له من بلدان، ومنهم المملكة المغربية التي لا ترى نفسها إلا بفرنسا، ففضّل الحفاظ على عصفور في يده وتحت قدمه، بدلا من مطاردة طيور حققت حريتها، ولا تريد العودة إلى القفص الفرنسي الذي سجنها وكتم أنفاسها بما فيه الكفاية.
تعلم فرنسا بأن الذي خرج من قبضتها، لن يعود إليها، حتى ولو دخل في حرب استقلال جديدة معها، وتعلم بأن ثورات النهوض والنمو قد انطلقت، في عالم مليء بالخيارات من الأصدقاء، الذين يمارسون التعاون بأسمى معانيه، وليس كما كان يحدث مع فرنسا، التي تمدّ يدا، وتستعمل الأخرى في الطعن والخنق والاستعباد ونهب الثروات.