فوز الـ”نداء” و”النهضة” أكبر المستفيدين..
سواء ثبتت النتائج النهائية للتشريعيات في تونس على التوجه نفسه الذي ذهبت إليه النتائج الأولية، أي فوز نداء تونس، أو مالت باتجاه تفضيل كفة النهضة فإن القراءة الموضوعية لهذا الاستحقاق وتحليل أبعاده وأسبابه لا تختلف كثيرا، لأن العنوان البارز فيه هو ثبات حركة النهضة ونجاحها في فرض نفسها أكبر فصيل سياسي في البلاد رغم كل ما تعرضت له منذ تأسيسها إلى يوم الناس هذا من مطاردات وإقصاء، ذلك لأن الفرق بين الفائزين ليس كبيرا فقد اقتسموا المقاعد مناصفة تقريبا ولم يتركوا إلا عددا قليلا منها وُزعت على بعض الحزيبات..
حكمة الغنوشي.. ودهاء السبسي
قبيل انطلاق هذا الاستحقاق الوطني في تونس كانت غالبية المحللين والمتابعين للشأن التونسي يرشحون حركة النهضة لاكتساح “المقاعد”، نظرا لشعبيتها الكبيرة وقدرتها الخارقة على تجنيد الجماهير، ومرونة سياسييها ووسطية خطابها، لكن لا أحد كان يستبعد أن يكون “نداء تونس” منافسها “الشرس” والمحترم أيضا، نظرا لحنكة زعيمه ودهائه السياسي، ونجاحه في تسيير شؤون تونس في أصعب فترات تاريخها أي عشية سقوط نظام بن علي البائد، واستغلاله للظروف الداخلية والخارجية التي كانت تدعم خطابه السياسي.. فلم تكن التحاليل السياسية والتقارير الإعلامية تخلوا من الحديث عن ظاهرة الاستقطاب الثنائي في الساحة التونسية بين النهضة والـ “نداء”…
إن قراءة موضوعية ومتأنية لحيثيات التشريعيات في تونس ونتائجها ومحاولة تصنيف الأحزاب بين فائز وخاسر، أو الحكم بالفشل أو النجاح على هذا التيار أو ذاك، تضفي بنا إلى استخلاص جملة من الملاحظات والحقائق، لعل أبرزها على الإطلاق أن جميع المشاركين في العرس الديمقراطي التونسي كانوا فائزين، فحتى من لم يفز بمقعد فقد فاز بتجربة سياسية غير مسبوقة في تونس، ونال شرف المشاركة في استحقاق ديمقراطي حر وشفاف كما أجمع على وصفه مختلف المراقبين، وأثنى عليه الكثير من زعماء العالم.
النهضة في مواجهة الجميع..
ثم إن النهضة لم تخسر أمام العلمانيين ولا غيرهم، ولم يعاقبها الشعب التونسي البتة، كما يحلو للكثير التأكيد عليه بهجة اعتقادا منه أن الحركة انهزمت وانكسرت وانهارت وتلك أمانيهم… ثم إن نداء تونس لم يحقق ما حقق بإمكانياته البشرية والمادية والنضالية ورصيده السياسي بقدر ما استفاد من دعم خارجي متعدد الأوجه، ومحيط إيجابي وظروف سياسية داخلية وخارجية مواتية ومؤيدة لتوجهاته وطروحاته..
لقد كانت حركة النهضة في تونس تتحرك في محيط معاد، وسط حقل من الألغام وعرفت كيف تسير دون أن ينفجر في وجهها لغم لقد تمكنت من تفكيك بعضها وتأجيل البعض الآخر، وأبطلت مفعول كل القنابل التي وضعت في طريقها.. لقد كانت في مواجهة الجميع وكم هو صعب عندما يتحول الجميع إلى خصوم دون سبب أو داع في وقت كان المنطق والطرح النهضوي يدعوان إلى التوافق والإجماع، فلم تتجبر الحركة ولم تعجبها كثرتها عقب أول استحقاق فازت به فوزا عريضا، لم يكن حينها نداء تونس شيئا مذكورا..
مشاكل تونس أكبر من أحزابها…
وحركة النهضة لم تكن في الحكم حتى يقال أن الشعب التونسي عاقبها بانتخاب نداء تونس، لقد زهدت في الرئاسة منذ البداية وتنحت عن الحكم طواعية وتنازلت عن الحقائب الوزارية السيادية استجابة لدعوات غير ديمقراطية بل “لا أخلاقية”، ثم سلمت الحكومة برمتها هي التي انتخبها الشعب حفاظا على تونس وحرصا على إنجاح ثورتها.. ورغم ذلك يعمد الكثير ظلما وجورا إلى تقييم الحركة على مسؤولية لم تتحملها، وتحاسب على الفشل في مهام لم تكلف بها..
فالفترة التي أعقبت انتخابات ما بعد ثورة الياسمين كانت فترة انتقالية لوضع أسس ومقومات النسق السياسي الجديد ومؤسساته، إضافة إلى تسيير أمور البلاد تسييرا انتقاليا وليس حل مشاكل المواطن التونسي ومشاكل تونس الاقتصادية والمالية والاجتماعية المتراكمة منذ عشرات السنين في ظرف عام أو عامين… ونداء تونس الذي يعد اليوم أنه يملك برنامجا سياسيا متكاملا ويعد بحل مشاكل تونس والتونسيين، يعلم علم اليقين أنها مشاكل مستعصية أكبر بكثير من أن يحلها حزب لوحده أو جهاز لوحده أو وزارة لوحدها، وعليه لا يبدو أنه سيتكفل بها لوحده ويلتزم بحلها دون ائتلاف وإشراك الآخرين لتكون المسؤولية في المحصلة مشتركة..
الباجي.. والجو المناسب والظرف المواتي
طبعا نداء تونس يتمتع بتأييد أوساط داخلية نافذة سواء في الإعلام الموروث عن النظام البائد، أو الإدارة التي تعشش في دواليب المؤسسات التي تدين بالولاء وحنينها لنظام بن علي البوليسي أو من تشتم فيه ولو رائحة ذاك الزمن، ورجال المال والأعمال الذين يعترفون بأفضال قوانين بن علي وحقبته وتسهيلاتها وصفقاتها، وهذه كلها عوامل كان لها الدور الفعال في النتائج التي حصل عليها حزب الباجي.
وفي الوقت الذي عانت فيه النهضة من محيط دولي مضاد يعج بحملة تهييج شرسة ضد الإسلام والإسلاميين، وتشويه وتسويد لما يسمى بالإسلام السياسي تحت غطاء مكافحة الإرهاب، وما يعرف بالحرب ضد داعش والحركات المتطرفة… ومواقف عربية وغربية عدائية، إضافة إلى أخطاء ذاتية لبعض مسؤوليها في التسيير والتقدير..استفاد نداء السبسي بطريقة مباشرة وغير مباشرة من تأييد عربي، وسخاء خليجي وترحيب واسع… وكان لكل ذلك دوره في محاصرة النهضة والتمكين للنداء..
إنجاز واعد.. ما لم تفسده المكائد …
ولم تكن النتائج النهائية للتشريعيات لتغير من الواقع شيئا ذلك لأن حركة النهضة ما انفكت تدعو إلى إئتلاف وطني وحكومة وفاق وطني، وتعلن أنها لن تحكم لوحدها مهما حققت من انتصارات، اقتناعا منها بأنها ستكون معزولة ومحاصرة من كل مكان، ومثال مصر ليس ببعيد وشبح المآل هناك والتواطؤ الدولي، لا يبدو أنه غادر مخيلة النهضويين في تونس.. فما بال قوم ينتشون بحصولها على المرتبة الثانية، ويهللون لفوز نداء تونس، وكأن الأزمة التي تعاني منها تونس ومشكلتها هي “النهضة”، وليس هذا الإرث الثقيل من المعاناة والمآسي والتخلف والفاقة والحاجة وظنك العيش..
هذه الأجواء المعادية للنهضة، والمواتية للنداء، لا تُنقص من أهمية الانجاز الديمقراطي التونسي في شيء، ولا تشكك في الفوز المستحق الذي حققه نداء الباجي قايد السبسي، ولا تنال من سمعة النهضة بين التونسيين وفي العالم الديمقراطي الحر، بل تزيدها شعبية وانتشارا سياسيا لتعاملها الحضاري مع حيثيات الاستحقاق ونتائجه، فرغم أنها كانت في مواجهة الجميع فلم يكن الفارق بينها وبين نداء تونس الذي كان معه الجميع سوى حوالي عشرة مقاعد…



