فوضى وتدليس في إيجار الشقق الصيفية
تشهد العديد من المدن الساحلية توافدا كبيرا للعائلات الباحثة عن مكان للإقامة المؤقتة في موسم الاصطياف لقضاء عطلتها، غير أن الواقع يكشف عن انتشار ظاهرة كراء المنازل دون عقود أو وثائق قانونية ما يفتح المجال للممارسات المشبوهة واستغلال مادي ومشاكل قانونية قد تنتهي أحيانا في أروقة المحاكم، في ظل ضعف قدرة الفنادق العمومية والخاصة على استيعاب الأعداد الكبيرة من المصطافين إلى جانب الأسعار المرتفعة.
يلجأ الكثير من الجزائريين خاصة القادمين من الولايات الداخلية والجنوب إلى كراء شقق أو غرف لدى مواطنين أو خواص، لكونها تتناسب مع قدراتهم المالية وخصوصياتهم، خاصة إذا كان عدد أفراد العائلة أكثر من شخصين أو ثلاثة، غير أن ذلك قد يفتح المجال لوقوع حوادث خطيرة تطال المواطنين والعائلات في غياب الرقابة والتنظيم، حيث تتحول العملية لسوق سوداء موسمية تتغير فيها الأسعار حسب الموقع والقرب من البحر، كما تصل في بعض الولايات إلى فرض مبالغ خيالية على الزبائن دون مبرر أو ضمان.
مصطافون يفقدون أغراضهم وآخرون يصطدمون بشقق وهمية
من أكثر المشاكل التي تم تسجيلها في بعض الحالات تحول عملية الاستئجار إلى نصب وتدليس، حيث يدفع المستأجر المبلغ مسبقا ليكتشف عند وصوله أن الشقة لا تتطابق مع الموصفات التي تم الاتفاق عليها أو غير موجودة بالمكان المتفق عليه وفي حالات أخرى يتم تأجيرها لعائلة أخرى، كما يتعرض البعض من أصحاب الشقق لمخاطر من قبل الزبائن ممن لا يعرفونهم أو لا يطلبون بطاقة هويتهم أو إبرام عقد كراء ويجعله ذلك عرضة لمشاكل أمنية أو قانونية.
تجاوزات خطيرة..
وفي الموضوع، كشفت زهوة معمري، رئيسة الفدرالية الوطنية للوكالات العقارية، المنضوية تحت لواء الاتحاد العام للتجار والحرفيين في تصريح لـ” الشروق”، عن تجاوزات خطيرة مست العديد من العائلات، لاسيما الوافدة من ولايات الجنوب والمناطق الصحراوية لقضاء عطلتها الصيفية في الولايات الساحلية، جراء غياب تقنين فعلي لنشاط كراء المنازل صيفا.
معمري: قوانين جديدة قيد الدراسة لتنظيم النشاط
وأكدت معمري أن العشرات من العائلات تعرضت لعمليات نصب واحتيال وسرقة، بعضها تم سلبه أغراضه الشخصية باستعمال مفاتيح مستنسخة، فيما لم يجد البعض الآخر المنازل التي تم الاتفاق عليها مسبقا، رغم دفعهم لمبالغ مالية قبل القدوم، مشيرة إلى أن الظاهرة باتت تهدد سلامة العائلات وسمعة الوجهات السياحية.
وأضافت رئيسة الفدرالية، أن مصالحها عقدت عدة اجتماعات رسمية مع وزارة السكن في هذا الشأن، مشيرة إلى أن الملف يوجد حاليا قيد الدراسة لوضع قوانين تنظيمية واضحة تنظم هذا النشاط وتوقف عمليات النصب والسرقة التي تطال الطرفين، سواء كان المستأجر أم المؤجر، ودعت في ذات السياق إلى إشراك وزارة السياحة كشريك أساسي في ضبط القطاع، على اعتبار أن الأمر يتعلق بالسياحة الداخلية، مما سيسمح بجعل كراء المنازل خلال فصل الصيف نشاط محروس ومقنن ومنظم ضمن إطار قانوني شفاف.
عائلات تفضل استئجار الشقق بدلا من الفنادق بسبب الأسعار
وترى معمري أن الكثير من العائلات القادمة من الجنوب أصبحت تفضل استئجار الشقق بدلا من الفنادق بسبب ارتفاع أسعار الإقامة الفندقية، حيث تكلفة ليلة واحدة في فندق تعادل أحيانا سعر كراء شقة كاملة لعدة أيام، بالإضافة إلى رغبتهم في قضاء عطلة في أجواء عائلية أكثر هدوء وخصوصية، غير أن هذه التفضيلات بحسب المتحدثة تتحول في أحيان كثيرة إلى كابوس حقيقي بسبب انتشار بعض الممارسات غير القانونية، وكذا تعرض الطرفين للنصب والاحتيال والسرقة.
عيساوي: تلقينا شكاوى تتعلق بالاحتيال والسرقة
وأشارت مصدرنا إلى أن الكثير من هؤلاء السياح لا يجدون المنزل المتفق عليه أصلا عند وصولهم، لافتة إلى أن البعض من مالكي المنازل يكتشفون تعرض المسكن إلى التخريب فور مغادرته من قبل السياح، فيما يباغت البعض الآخر بلصوص يقتحمون المكان في غيابهم، وتأسفت المحدثة بخصوص مثل هذه الظواهر التي تؤثر سلبا على أمن المصطافين، حتى مصالح الأمن تجد نفسها أحيانا عاجزة عن التدخل، بسبب غياب عقود رسمية أو أدلة ملموسة تثبت الضرر، سواء للزبون أم لصاحب المسكن.
ونوهت معمري إلى أن القوانين الجديدة التي يتم دراستها حاليا بالتنسيق مع الجهات الوصية، من أجل تقنين المهنة وتأطيرها استعدادا لموسم صيف 2026، ستساهم نوعا ما في حماية العائلات والمؤجرين على حد سواء، وضمان سير هذا النشاط الحيوي وفقا لضوابط قانونية تحافظ على مصالح الجميع.
غياب الرقابة زاد من حجم التجاوزات
من جهته، أكد رئيس منظمة “حمايتك” محمد عيساوي، أن الطلب على الشقق المفروشة يشهد ارتفاعا كبيرا مع بداية موسم الاصطياف، ما أدى إلى تفشي ظاهرة كراء الشقق خارج الأطر القانونية، الأمر الذي تسبب في فوضى حقيقية وفتح الباب على مصراعيه لممارسات مشبوهة تمس بحقوقهم.
وأوضح عيساوي أن المنظمة استقبلت عدة شكاوى من مواطنين تعرضوا لعمليات نصب واحتيال في أثناء استئجارهم شقق سياحية، سواء بشكل مباشر أو عبر وسطاء وهميين ينشطون خارج الأطر الرسمية، مستغلين منصات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية لترويج عروض مغرية لكنها وهمية.
وأضاف المتحدث أنه تم تقديم شكاوى أيضا من ملاك الشقق أنفسهم، الذين عبروا عن تذمرهم من بعض السلوكيات غير المسؤولة من طرف المستأجرين، ما يؤكد حسبه أن غياب التأطير القانوني لا يضر المستهلك فقط، بل يسيء لجميع الأطراف.
وفي هذا السياق، دعا رئيس منظمة “حمايتك” إلى ضرورة تأطير نشاط كراء الشقق السياحية خلال العطل، ووضع نصوص قانونية واضحة تنظم العملية، إلى جانب ضرورة إعداد نموذج رسمي لعقد كراء يضمن حقوق الطرفين، المستأجر والمؤجر على حد سواء، كما شدد عيساوي على أهمية تنظيم نشاط الوسطاء العقاريين، خاصة أولئك الذين يمارسون مهامهم عبر الإنترنت، مشيرا إلى أن غياب الرقابة على هذه الفئة زاد من حجم التجاوزات، وساهم في تضليل العديد من المواطنين الباحثين عن الإقامة الصيفية.