-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

في أدلجة مجتمعنا وتعليمه

في أدلجة مجتمعنا وتعليمه

هنالك مرحلة من التفكير مرت بها حياتنا العقلية ولا تزال، لم تتحرر فيها العقول من الثقافات الأخرى، فلا يفكر خلالها المفكرون إلا وهم مأسورون بالحضارة الغربية، ويقارنون حتى ما لا يقارَن، أو يقارنون ويتمحّلون في البحث عن أوجه الشبه؛ لذلك فنحن بحاجة إلى تجاوز هذه المرحلة المعقدة من خلال تفكير أصيل رحب الفضاء، يعمل على مادته بأدواته ومنهجيته الخاصة، من دون إقحام بضائع الآخرين في موضوعاته. التأصيلُ عندنا ليس كالأبستمولوجيا، والشافعي ليس كديكارت، والفارق بين الرجلين جوهري: الصحة والخلود.
يغمز بعض الكتاب بطرف خفي إلى أن التيار الإصلاحي لم يكن له حضورٌ في ثورة التحرير إلا بعد مؤتمر الصومام سنة 1956م، وهذا الشريط المشروخ يصرُّ على تكراره على مسامع الناس من يصدِّق أطروحة التيار العلماني في قراءة الثورة ورواية أحداثها. ولعل أفضل رد عن هذا السخف ما قدّمته جمعية العلماء المسلمين الجزائريين للثورة من حطب ليشتعل أوارها، عبر مدارسها وإعلامها وخطابها الاستنهاضي، قبل أن يفكر مفجرو الثورة في تفجيرها، بثلاث وعشرين سنة. أي منذ تأسيسها على أيدي ابن باديس والإبراهيمي وثلة من العلماء المجاهدين عام 1931م وإلى الفاتح من نوفمبر 1954م؛ وللقارئ الكريم أن يحسب معدل الأعمار لجماعة الستة وجماعة الاثنين والعشرين ليدرك بون المرتبة بين النضالين.
وربما يربد الله تعالى أن يرينا آياته في الأسرة من قلب العالم الجديد الولايات المتحدة الأمريكية، الأسرة كما نظمها في شرائعه المعروفة ومنها قوامة الرجل وحق الطلاق وموازين الإرث وأحكام الحجاب مما يستثير بعض الناس. ولكن هل ستكون لدى هؤلاء الشجاعة الأدبية الكافية لينتقدوا أبناء الحضارة الغربية حينما يعتنقون الإسلام بقناعة، خاصة إذا ما كانوا عمداء على مدن عامرة كنيويورك وشيوخا في مجلس النواب الأمريكي “معبد” الديمقراطية الحديثة؟
أعرف سيدة مُجِلَّة، تحظى بحقوق فئة من شارك في الثورة الجزائرية على فرنسا، ملكة على عائلة أفرادها يعدُّون بالعشرات، زارتني في بيتي مرة، وحدثتني عن عجبها من نساء جيلها كيف ينشرن نعواهن مرفقة بصورهن على الفايسبوك ولم يك قد رآهن أحد من الناس غير أهاليهن طوال ثمانين عاما! وقالت لي إنها أوصت ذويها بألا يفعلوا هذا بها يوم رحيلها. فلتهنأ المسلمات اللواتي يستمتعن بالأنوثة والأمومة في بيت الزوجية، ولا ينغِّصن صفاءهن الممتع بمغامرات نسوية.
ليس الاهتمام بالسلطة ومتاعبها أحسن ما يشتغل به الإنسان. إن للحياة أوجهًا حضارية متنوعة من الأحسن أن يتوزع على أشغالها الناس ويتركوا الحكم لذوي الكفايات الأربع لتتكامل الحياة. وظائف النساء لا تقل عن شؤون الحكم أهمية، وأعمالهن النسوية لا يقوم بها الرجال بأي حال من الأحوال وإلا دخلنا عالم المثلية المنكرة. الدمقرطة والمواطنة ليست أفضل خيار للرعايا في الدولة المسلمة من الشورى والانتماء للأمة بكلمة التوحيد. إنها العدالة الإلهية في أبهى حلة.
وليست خولة بنت الأزور (رضي الله عنها) وحدها من قاتلت دون رسول الله (صلى الله عليهوسلم ) ولن تكون آخر النساء، ولكن هل وُجد في التاريخ من قال إنها نزعت حجابها وهي تقاتل؟ أم أنها لبست لباس الفارس وهو محجبة؟ وما لباس الفارس في الحرب؟ أليس لَأْمَة حوت درعا وسيفا وقوسا وكنانة ورمحا؟ ثم من قال إن المحجبة لا تلبس ما تشاء؟ إنها من أكثر نساء الأرض تفنُّنًا في اللباس ولكن أمام محارمها وزوجها فقط، لا أمام من لا يرى فيها غير سلعة تستثير غرائزه الحيوانية.

في التربية والتعليم
التنظير لمفهوم النص وصاحبه وقارئه في النقد الغربي الحديث يجعل من المراد قوله مادة زئبقية شديدة التملص، كما يجعل الباحث عنه أمام طيف خيال لا يستقر على حال. والواقع أن كثيرا مما أثاره النقاد الغربيون حول هذه القضايا الجدلية ساهم في ضبطه نقادٌ مسلمون قدامى، واستخلصوا من بعده قواعد تعمل كأدوات فاعلة في تحليل الخطاب وضعوها بين أيدي طلاب هذا الفن، ولم يبقوا أسيري التنظير أو يتركوا هذا المجال المعرفي طليقا يتقلّب بين أمواج متلاطمة لا تنفع صائده بشيء. ولقد استجلب هذا النقاش الغربي -الذي لا يزال في بداياته كونه لم يستقر بعد على مفهوم مضبوط ليغدو علما- إلى مؤسساتنا الجامعية وقُدِّم للطلاب على أنه حداثة نقدية، فوجد الطلاب به غموضا وتداخلا شديدا في معانيه، وأنفقوا سنوات الدراسة في هذا تاركين الإرث النقدي الناضج في العربية يتفلت من بين مقاعدهم الدراسية، فماذا كانت النتيجة؟
اللسانياتُ الحديثة، أي دراسة اللغات من المنظور الغربي خاصة مع “فردينان دوسوسير”، أوقع كثيرا من الباحثين في خطأ التعميم، أي تعميم تلك المبادئ على كافة اللغات ومنها العربية، التي لديها منطقها الخاص وقوانينها الفارقة خلافا لباقي لغات العالم، وعلّة ذلك هي الظاهرة القرآنية، التي ثبّتت القرشية حتى آخر الدهر واعتبرت العامّيات لحنا.
التعدد اللغوي إذا كان ابن بيئته فهو ظاهرة صحية، واستجلاب اللغات الأجنبية ليس بريئا كي نتحدث عن التراكمية، إنه تركة استعمارية قبل أن يكون خيارا تربويا حرا، وآية ذلك اللغة العربية المخنوقة خنقا بفعل السياسة وحراسة الاستعمار الفرنسي لركامه “النووي”.
وبناء عليه، فإن التعدد اللغوي ليس بديلا عن اللغة الأساسية، أقصد العربية تحديدا كلغة حياة وتعليم، بل هو مكمِّلٌ لها، ويتميز بالحركية والتنوُّع، أي نتخيَّر من اللغات الأجنبية بحسب الظروف الحضارية في العالم. مثلا الإسبانية تهمنا لأنها تتولى الحديث عن حضارتنا الأندلسية وتفتح لنا باب التعارف على الشعوب اللاتينية، والفرنسية نحتاجها في مجالات معينة وكذلك الإنجليزية والصينية والروسية والهندية وكثير من اللغات الإسلامية. ثم لماذا اختار الأمريكيون الإنجليزية لغة رسمية وتركوا لغات أخر تعدّ بالعشرات لا تزال تجري على ألسنة المجموعات المهاجرة إليها من كل أنحاء العالم؟
أن يتحدث مناضلونا القدامى بالفرنسية فهذا قَدَرهم، لكن فترة الاستعمار ولّت، وليس المناضلون علماء لغة وتربية. وكيفما رُبي الإنسان يصنع، وفي بعض التعليم أخطاء تستعصي على التقويم، أسأل الله تعالى الهداية للناس كافة.
الجزائر المتفلسفة مرتبطة بأسماء معينة ولغة خاصة في إبان عهد استعماري طويل ومؤلم، ولكن ماذا لو زهدنا في سلم الارتقاء الذي علاه “ألبير كامو” -الذي يريد بعض الناس إلحاقه بالجزائر- لينال جائزة نوبل، السُّلّم ومن استلم وما استلم؟ لنستبدله بسلم آخر درج عليه علماء الإسلام كلهم تقريبا هو حفظ كتاب الله تعالى منذ الصغر، ثم التدرج في علوم الإسلام والعربية، ثم الانفتاح على المعارف الإنسانية والكونية من بعد ذلك، ألم تحفل مدارسنا التاريخية بأساطين علمية لا تزال أسماؤها ترن من وقعها الأسماع؟
ومع تفهمي للعقول المتشبعة بالفلسفة وقضاياها وما خلّفته عليها من آثار غير محمودة، فإن تدريس الفلسفة كتدريس الفرنسية كلاهما مشحون أمرهما عندنا حتى الثمالة بالصراع الحضاري بين الغرب ممثلا في فرنسا والشرق ممثلا في الجزائر، ومن المتعذر جدا على العقل الجزائري أن يتفهم الغيرة المستثارة فجأة على هاتين المادتين بعيدا عن ذلك التاريخ الدامي بين أمتين ودينين وحضارتين وهويتين.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!