في جنازة الدكتور سعد الله
في حدود الساعة الرابعة والنصف من مساء يوم السبت 14 الرابع عشر ديسمبر ألفين وثلاثة عشر 2013، قررت التنقل إلى قمار لحضور جنازة الدكتور أبو القاسم سعد الله. وعليه توجهت بعد صلاة المغرب مباشرة إلى محطة المسافرين بالخروبة (الجزائر العاصمة).
اقتطعت تذكرة بـألف ومائة وأربعين دينارا 1140 د. ج. وتزودت ببعض الأكل والشرب. وركبت حافلة الشركة الصحراوية لنقل المسافرين في اتجاه الوادي في حدود الساعة السابعة مساء، وجلست في المقعد رقم خمسة وأربعين 45، وقبل الانطلاق بقليل ودون سابق اتفاق، صعد الحافلة أيضا أخوا الدكتور سعد الله وهما إسماعيل وإبراهيم وأهاليهما، واستبشرت خيرا برحلة ليلية إلى مكان لم يسبق أن زرته من قبل.
امتلأت الحافلة وانطلقنا في حدود الساعة السابعة والنصف. دخلنا الطريق السريع في اتجاه الشرق الجزائري، وفي مستوى مدينة البويرة، انحرفت الحافلة إلى الجنوب في وجهة نحو سور الغزلان، سيدي عيسى، بوسعادة، برج الشعيبة، أولاد جلال، المغير، قمار.
دامت الرحلة أزيد من 8 ثماني ساعات تخللها توقف أقل من نصف ساعة بمدينة “عين الحجل” للراحة والأكل والوضوء وقضاء الحاجات … وفي أثناء الرحلة كنا بين صحوة ونوم، وبين راحة وإزعاج تارة من سموم الصقيع الذي ينفذ بين الحين والآخر عبر النوافذ، وأخرى لخطورة السرعة الفائقة التي كان يسير بها سائق الحافلة أحيانا.
وصلنا إلى مدينة قمار في حدود الساعة الرابعة صباحا، وعند النزول وجدنا سيارتين من نوع هيونداي أكسانت كان الإخوة سعد الله قد طلباها بالهاتف أثناء الرحلة، مما خفف علينا العناء، وكان الجو حيث نزلنا شديد البرودة.
بعد دقائق قليلة وصلنا إلى بيت إسماعيل سعد الله. أخذنا قسطا من الراحة والنوم، ثم نهضنا لآداء صلاة الصبح. وبعد تناول فطور الصباح، استقصينا عن الموكب الجنائزي المتكون من سيارة الإسعاف رفقة سيارتين أخريين، وقد وصل متأخرا لأن انطلاقته كانت متأخرة (بعد الساعة الثانية صباحا)، وقد نُقل جثمان الدكتور إلى بيته الذي خصص للنساء، وأما بيت إسماعيل فخصص للرجال.
في دردشة قصيرة مع إسماعيل أثناء تناول فطور الصباح طرح إشكال الدفن بالصندوق أم بدونه، فقلت إن وضع الجثة في القبر تخضع لضوابط شرعية مما يقتضي إخراجه من الصندوق لا سيما وأن الجو البارد مناسب، وكان الأمر كذلك.
ومع تحركنا خارج البيت، اقتَرح عليّ إسماعيل القيام بزيارات ميدانية إلى الأماكن التي كان الدكتور سعد الله يرتادها ويتردد عليها أو يفضلها، قلت ذلك ما نبغي. وكانت الجولة بمعية زكرياء سعد الله وسائق سيارة الآكسانت علي سعد الله.
انطلقنا في البداية نحو “البدوع” مسقط رأس الدكتور في الجانب الغربي من المدينة، بعد المطار، وهو مكان غارق في الرمال بين كثبان مرتفعة، يبعد عن مدينة قمار نحو أربعة كيلومترات 4 كلم. توجهنا عبر طريق معبد في البداية، ثم طريق ملتو تغمره الرمال في أماكن كثيرة.
ها هي السيارة تتوقف في البدوع وهو مكان مهجور به أرض منخفضة تقدر مساحتها ببضعة هكتارات تعرف بـ(الهود) حيث مجمع من النخيل المتساقط في أغلبه، وتساقط جريده لأنه “شاخ” ولم يبق أكثره سوى أعجاز نخل خاوية، واضح أنها آثار واحة قديمة وصغيرة لآل سعد الله، صارت مهجورة. وكان الهود كله ظلا ظليلا متلاصقا. وقد كان للدكتور نخلة تحمل اسمه بين النخيل.
هنا بالهود ولد قبل أن يكون البناء، ثم بنى أهله جزءا في صغره، وبنوا جزءا شارك هو في جلب الحجارة والجبس إليه وعاون على تشييده.
وهنا أيضا قضى أيام الطفولة وملاعب الصبا ومجالس قراءة القرآن حول الوالد. ومن هنا كان يتنقل إلى قمار ماشيا إليها راجلا وأحيانا حفيانا إلى مسجد لحفظ القرآن وتعلم علوم العربية.
إن البناء المشار إليه والقريب جدا من هذه الواحة، صار اليوم أطلالا وبقايا ديار مهجورة، تركت منذ الخمسينات. كان البناء أصلا حوشا، تساقطت جدرانه الواحد على الآخر، ولم تبق فيه إلا بعض الغرف قائمة منزوعة الأبواب، وملأت الرمال وسطه، إنها بيوت شبيهة بالكهوف غير أنها صنعت بالأيدي على أرض رملية خالصة، تتشكل من عدة أقسام من المباني، كل قسم يحتوي على عدة غرف ضيقة المساحة، لا يزيد اتساعها أحيانا عن المترين، وهي ذات ارتفاع منخفض، تضطر من يدخلها إلى أن ينحني، ومع ذلك فإن وظائف الغرف لا تزال واضحة، كالمطبخ مثلا وغيره … وتعلو كل غرفة قبة. وقد بنيت بمواد محلية من جبس وحجارة (وردة الرمال) معالجة بالنار، الأمر الذي جعل موادها متلاحمة شديدة الصلابة.
وغير بعيد عن الأطلال، كثبان رملية كان منحدر أقربها، المكان المفضل لجلوس الدكتور أبو القاسم حتى في زياراته الأخيرة إلى قمار، ذلك أنه بالرغم من بنائه بيتا خاصا به في المدينة كما أسلفنا، إلا أن “البدوع” كان المكان المفضل لديه. إنه مهبط الجدود وموطن الآباء، فبمجرد وصوله إلى البيت عند كل زيارة يأتي فيها من العاصمة بغرض مسح التعب الفكري، يحط رحاله ويخرج موليا وجهته في اتجاه “البدوع”، ويجلس في المنحدر الرملي المفضل كما أسلفنا.
ولعل آخر صيف قضاه كاملا في وادي سوف عامة وقمار على الخصوص هو صيف ألف وتسعمائة وتسعة وثمانين 1989، وكتب على إثر ذلك مقالة بعنوان: “صيف في سوف”، نشرت في جريدة الشعب، ثم ضمنها كتابه “في الجدل الثقافي”، ( صص: 35- 51).
لم أكن أتصور هذا المكان الذي كان الدكتور يسافر إليه في بداية كل سنة جامعية في شهر سبتمبر “طلبا للراحة المطلقة من عناء المدن وشقاء الزحام والتكدس. ينزل إلى قمار، ويسارع إلى الاندماج في حياة الناس التي هي حياته القديمة، حياة بسيطة لا تكلف فيها. يتحرر من الزمن، ينزع ساعته ويخبئها فلا يعرف الوقت إلا كما يعرفه أهل قمار وهو خيال الظل وشروق الشمس وغروبها، ومواقيت الصلاة. والأيام متشابهة كذلك لا يميزها إلا يوم السوق العام الذي هو يوم الصلاة الجامعة”.
إن العيش خارج الزمن لفترة يمسح التعب لأنه يجعل المرء على الهامش سواء بالنسبة للوطن أو بالنسبة للعالم، فيرتاح من العناء الفكري، شريطة أن لا تتجاوز المدة حدا معينا وإلا انقلبت إلى ضدها، إلى تأنيب ضمير لأنك بمجرد ما تتخلص من العناء الفكري، تهفو نفسك وترفرف في سماء الوطن والعالم، لتعود مجددا إلى معركة الحياة وهكذا…
وفي أعلى المنحدر الرملي خزان ماء، وإلى الأسفل منه بئر يستخرج منها الماء من على عمق حوالي عشرين مترا 20 م، تضخ مياهه في الخزان بواسطة محرك. والماء كلسي، طعمه يميل إلى الملوحة.
كانت أرض البدوع إلى وقت قريب، أثناء زيارة الدكتور في صيف عام ألف وتسعمائة وتسعة وثمانين 1989، التي أشرنا إليها سابقا، عبارة عن رمال تعصف بها أحيانا الرياح الهوجاء، غير أن تربتها التي وصفها الدكتور بأنها “كانت تربة جرداء قاحلة” على امتداد البصر، فقد تغيرت وتغير وجهها. ذلك أنها صارت خضراء ذات جنات.
لقد تصرف الناس بمبدأ الاعتماد على النفس، وأخذوا يمدون خيوط الكهرباء من تلقاء أنفسهم، ولو كانت باهضة التكاليف. وأصبح من الممكن جدا منذ مطلع التسعينات، أن تستصلح الأرض الرملية بواسطة الجرافات، وتقدر تكلفة الاستصلاح بـأربعة آلاف د. ج. في الساعة الواحدة. والواحات المستصلحة اليوم، فعلا خضراء دائرية الشكل.
تتشكل نماذج واحات النخيل المستصلحة من حوالي مائة وخمسين 150 نخلة، تنتج الواحة الحديثة العهد بعد 5 سنوات، وأثناء ذلك تستهلك الماء بكثرة، وتحتاج إلى أسمدة من نوع فضلات الإبل.
وقد أبدى شباب العائلة قرب مسقط رأس الدكتور (البدوع)، اهتماما باستصلاح الرمال، كغيرهم في مناطق أخرى كثيرة، وتحويلها إلى أرض خضراء مدرة للخضر والأشجار المثمرة، ففي وسط من الرمال أوقفني مرافقي زكريا أمام حقل من البطاطا ذات النوع الجيد النظيف. تسقى على نطاق واسع بواسطة نافورة أو مرش دوار عملاق يمتد إلى عشرات الأمتار، يتنقل بواسطة محرك صغير وعلبة سرعة شاحنة وعجلات، يدور المرش دورة كاملة كل 9 ساعات، وهكذا فإن دورانه يشبه رقاص الساعة حيث لا تستطيع رؤيته وهو يتحرك. ونظام الرش ككل مبتكر من حدادي المنطقة، وتقدر تكلفته حوالي مائة وستين ألف دينار جزائري.
وهناك حقل آخر من الجزر، وقد أذاقني زكريا حبة كانت حلوة ولذيذة، أحلى من جزر الساحل، فضلا عن كونه صحيا لأنه يخلو من الأسمدة الكيماوية.
ومن الخضر المزروعة أيضا الطماطم والبصل وكذلك اللفت. وقيل أن السكر من نوع شبيه بالشمندر السكري جرب أيضا وأثبت نجاحه في المنطقة. هذا ناهيك عن شجر الزيتون ولو كان المزروع رديئا لأنه ينتج حبات صغيرة.
ويحيط الحقل سياج من أشجار البستان يقيه من الرياح الشرقية حتى لا تكسر الخضر ولا تحرقها سموم الرياح الحارة.
كانت هذه أول مرة أرى فيها هذه المحاصيل من الخضر الطازجة ذات النوعية الجيدة في أرض تربتها رملية خالصة.
ابتعدنا قليلا عن حقول الخضر مشيا على الأقدام نحو كثبان الرمال الناعمة المتحركة، ذات الشفرات السيفية التي صنعتها العواصف الرملية الهوجاء، فسبحان الذي أبدع كل شيء. لقد كانت في شكل تلال أو هضبات، وعلى غير العادة في المشي على الرمال الناعمة، لم تكن أرجلنا تغوص فيها لأن الندى أو الصقيع الذي تساقط طيلة الليل جعلها مبتلة صلبة شبيهة بالطريق المعبد خلال ساعات الصباح الأولى. كانت النباتات نادرة، إذ تصادف هنا أو هناك بعض نبات الحلفاء في شكل شتلات صغيرة، كما تعثر بين الحين والآخر على صخور بلورية ذات أشكال مسننة جميلة شبيهة بالمرجان، تعرف بوردة الرمال.
وقد ذكر لي مرافقي في هذه الجولة زكريا سعد الله أن أحسن فصل من فصول قمار هو فصل الشتاء، وأن أسوء الفصول فصل الصيف المقلق جدا بسبب حرارته الشديدة التي تتجاوز الأربعين درجة، بالإضافة إلى الهوام التي من أشهرها العقارب.
وقبيل منتصف النهار سمعنا خشخشة المكبر الصوتي للمسجد الكبير بقمار، وكنت أظنه آذان الظهر، ولكن الوقت لم يحن بعد، فاشرأبت أعناقنا نحوه، وإذا بصوت المؤذن من المسجد المركزي ينادي في الناس: “الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، إنا لله وإنا إليه راجعون، توفي سعد الله بلقاسم بن أحمد والدفن على الساعة الرابعة، وأجركم على الله”. وهذه هي العادة في قمار حتى يأتي الناس من قريب ومن بعيد لتشييع الفقيد وتقديم التعازي لأهله.
وفي حوالي الساعة الرابعة تحرك الجمع من أمام بيت إسماعيل في اتجاه بيت الدكتور حيث وجود الجنازة من على مسافة تقدر بنحو 300 متر. ومع وصولنا إلى المكان أخرج الجثمان مرفوعا على الأكتاف، واتجه المشيعون شرقا عبر الأزقة المفروشة بالرمال نحو الطريق الوطني، فالشارع المحاذي للمقبرة في اتجاه المصلى. كان الجمع غفيرا والشوارع تغص بالمشيعين، والصحفيون يركضون ويتنقلون من مكان إلى آخر وعلى أكتافهم الكاميرات بحثا عن مكان مناسب لالتقاط الصور المعبرة والمثيرة، وقد صعد بعضهم حتى على الأ سوار والأشجار، وكان الأمن مكثفا لوجود أفراد من السلطات الإدارية، علمت أن منهم: الوالي ورئيس الدائرة ورئيس البلدية فضلا عن مدير الشؤون الدينية، والشيخ العباسي من وزارة المجاهدين والدكتور عبد الرزاق قسوم وكذلك السلطات العسكرية من مسؤولي القطاع العسكري والدرك، وغيرهم.
وبعد الصلاة اتجه المشيعون بالجثمان نحو مثواه الأخير، فووري الدكتور أبو القاسم سعد الله رحمه الله التراب، ثم أُبِّن من طرف الدكتور عبد الرزاق قسوم، وكذلك مدير الشؤون الدينية والدكتور محلو عادل الذي لم يكن مبرمجا حسب ما قيل.
وتسهيلا على المشيعين لتعزية عائلة الفقيد، وقف الإبن أحمد وأعمامه أمام باب المقبرة وكذلك السيد عبد الله عثامنية صديق الدكتور سعد الله، وانفض الجمع شيئا فشيئا.
عدنا بعدها إلى بيت إسماعيل حيث انطلقنا، وأكدت لإسماعيل بأنني سأغادر الليلة نظرا لارتباطات عائلية وأخرى جامعية، فكلف هشام سعد الله والأستاذ زكريا دمدوم بالتنقل إلى محطة الحافلات، واقتطعا لي تذكرة سفر في الساعة العاشرة ليلا.
بقيت هناك بعد العشاء أتبادل أطراف الحديث مع ثلة من أقارب الدكتور ومنهم ابنه أحمد وخاصة مع الأستاذ زكريا دمدوم وزكريا سعد الله، وكانت عنايتهما بي عناية خاصة، فجزاهم الله عني كل خير.
وفي حدود الساعة العاشرة ليلا خرجت مودعا رفقة زكريا في سيارة الأكسانت، فالتحقنا بالمحطة على الطريق الرئيسي وما هي إلا مدة قصيرة حتى وصلت الحافلة. ركبتها في حدود الساعة العاشرة وعشرين 20 دقيقة، ووصلت إلى محطة الخروبة بالعاصمة، حوالي الساعة 6 صباحا.