في لبنان جريمة عنصرية دائمة
تصنع سطوة الطائفية وحساباتها في لبنان واقعا شاذا مستمرا، وكان احد تجليات افرازات القيم الطائفية، ان اصبح الوجود الفلسطيني خطرا على التركيب الطائفي اللبناني، الذي اصابه الهوس من كل خطوة لتحسين احوال اللاجئين، دافعين بكل الاجراءات لترحيلهم من لبنان.. إن الجريمة عنصرية تطال نصف مليون فلسطيني منذ عشرات السنين.. فالفلسطينيون في لبنان محرومون من كل الحقوق التي تكفلها لهم الشرائع السماوية والقوانين الوضعية، من مسكن وعمل وحياة آمنة..
ففي لبنان يحرم الفلسطينيون اللاجئون من مئة مهنة عمل، تبدأ من الطبيب وتنتهي بماسح الاحذية.. ويحرم الفلسطيني من ادخال اي كمية من الاسمنت او الحديد الى المخيم، ويمنع منعا باتا من توسيع المخيم، ويمنع على الفلسطيني ان يشتري بيتا او ارضا، يحدث هذا في بلد معظم اهله مهاجرون في افريقيا واستراليا وامريكا اللاتينية، ينالون كل حقوق المهاجرين من ممارسة التجارة والتملك، بل والعمل السياسي والامني، ويصلون الى اعلى المراكز الاجتماعية والسياسية والامنية في البلاد التي هاجروا اليها.. ورغم هذه الثقافة في مسألة الهجرة، إلا انهم يحرمون الفلسطينيين من كل حقوقهم الآدمية.. والحجة دوما هي الخوف من التوطين.. وهذا المنطق مدحوض ببواقع ان الفلسطينيين لا يرضون عن فلسطين بديلا، فها هم عشرات الالاف منهم في اوروبا وامريكا اللاتينية، وبعد ان تحصلوا على الجنسيات المحلية، يعقدون المؤتمرات تلو المؤتمرات، يطالبون بحق العودة.. ولم يكن تحصلهم على الجنسيات الاجنبية إلا وسيلة لتخفيف تعب الحياة، ولعله من الواضح للجميع ان نقطة الإيضاح المركزية في حل القضية الفلسطينية هي حق العودة.. ثم لماذا يتحسس اللبنانيون من التوطين في حين أن البلد المجاور سوريا قد منح الفلسطينيين كل اسباب الحياة العادية مثلهم مثل السوريين، ولم يحدث ذلك اي خلل على مستوى التوطين او غيره.؟
المشكلة الحقيقية أنه ليس فقط الانعزاليون من الكتائب والدولة وغيرهما من اصحاب الديانة المسيحية الذين يقاومون اي تسهيل لحياة الفلسطينيين، بل ان الامر يمتد للاسف الى قوى تحسب على المقاومة، كما هو الحال في حركة امل وحزب الله اللبناني، حيث يصب موقفهما في خانة التضييق على الفلسطينيين..
مع كل شتاء تتجدد النكبة بانهيار بيوت في المخيم، وبتسرب المياه الى داخل الغرف، وتصبح حركة المشي جلابة لمعاناة شديدة.. هذا بالإضافة الى قسوة المعيشة اليومية.
والآن تتضاعف المشكلة بهجرة ما يقارب مئة الف فلسطيني من مخيمات سوريا الى مخيمات لبنان، لتتضاعف المأساة بنكبة جديدة يعيشها الفلسطينيون في سوريا.
كل حديث الفلسطينيين الرسميين الآن يتم باتجاه مخيمات الفلسطينيين في سوريا، وكأن بيد أحد أن يوقف المذبحة في سوريا.. ففي سوريا الآن الجميع سواسية أمام الرصاص والقنابل، ولا يمكن تحديد مصدر النيران واسبابها المباشرة والخفية، المهم ان الفلسطينيين في سوريا وعددهم يقترب من النصف مليون، يجري عليهم ما يجري على اخوانهم السوريين، وللحديث حول موضوعهم ينبغي الحديث عن الوضع السوري كله، لأن وضعهم لن يشهد استقرارا الا باستقرار الوضع السوري كله.. الأمر الوحيد الذي ينبغي ان يتمسك به الفلسطينيون في سوريا ان يتجنبوا الوقوف بالقرب من اي من الفريقين السوريين المتقاتلين.
بدلا من ذلك، ينبغي ان يتوجه الرسميون الفلسطينيون وقادة الفصائل الى مساعدات سريعة لمخيمات لبنان، وتوفير الاموال اللازمة لوكالة الغوث للاجئين الفلسطينيين، وهي صاحبة الصلة بمخيمات لبنان، كي تقوم بترميم البيوت وإصلاحها، وتوفير خدمات طبية لمئات آلاف الفلسطينيين.