“قابيل” و”إخوة يوسف”.. بيننا
لا أدري في أي خانة يمكن إدراج الجريمتين المهولتين، اللتين وقعتا في الجزائر في العشرة الأواخر من شهر الرحمة، رمضان؟
فعندما يجتمع أخوان توأم، ويتفقان مع الإصرار والترصّد، على تصفية أستاذ جامعي، فأكيد أننا تجاوزنا مرحلة قتل قابيل لهابيل، إلى مرحلة تعاونهما معا، لأجل قتل الآخرين، وعندما يبيد شخص عائلة شقيقه، ثم يختفي عن الأنظار، ويعود بعد فترة، ليقضي على شقيقه، حتى يجعل من عائلته نِسيا منسيا، فنحن نكون قد جاوزنا مؤامرة إخوة يوسف الذين فكّروا في طرح أخيهم أرضا، وانتصر الخير، عندما صاح أحدهم: لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين، إلى قتل الأخ مع سبق الإصرار والترصد، ورفض فكرة الجبّ نهائيا.
لقد تجاوز هول الجريمة عندنا، كل الحدود، ومع ذلك، مازال البعض يرى الأمر عاديا، ويقدّم بعض النماذج الدموية التي تشهدها بلدان أخرى، في الوقت الذي يرى آخرون، بأن أمورا أهمّ من الجريمة، هي التي تتطلب المعالجة، ومرّت السنوات وتطوّرت الجريمة، وأخذت أشكالا بشعة، ولا شيء من بقية المشاكل التي أعطيت له الأولوية- حسب زعم الهاربين من الحقيقة- عولج.
سنكون ارتضينا حالة العبث الأخلاقي، الذي بلغناه، لو مرّت مثل هذه الجرائم من دون أن تهزنا وتردّنا إلى رشدنا، فنحن نعلم بأن الذي قتل نفسا فكأنما قتل الناس جميعا، فما بالك بأن يشاركه في قتل الناس جميعا، توأمه، وسنكون على حافة الخبل، لو اعتبرنا إبادة رجل لعائلة شقيقه بأبنائها ونسائها، مجرّد غيمة سوداء في جو هادئ، والقاتل شعر بالندم، ليس لأنه قتل زوجة أخيه وابنيه، وإنما لأن ناره أخطأت شقيقه، فعاد نادما.. ولكن لقتل أخيه!
أي جنون هذا الذي بلغه المجتمع الجزائري، في السنوات الأخيرة؟ وأي انحراف هذا الذي جعلنا نستمع إلى مثل هذه الهزات ونصرّ على أن ندفن رأسنا في الرمال؟
لقد بدأنا شهر الصيام بجرائم غريبة، كان بطل إحداها وزير سابق للأوقاف، أفرغ رصاصاته في جسد زوجته التي عاشت معه قرابة نصف قرن، وها نحن ننهيه بجرائم بشعة وغريبة، لو صُوّرت سينمائيا لاعتبرها المشاهدون مبالغة ومن نسج الخيال، وتبقى الجريمة الأبشع، هذا الصمت المطبق، الذي يبديه الذين زعموا دائما أن وظيفتهم إرشاد ومساعدة الجاتمع على التغلب على المشاكل التي أفقدت البعض منه، آدميته.
مشكلتنا مع هذه الجرائم البشعة أننا لم نصارح أنفسنا بها، ورفضنا إدخالها العيادة من أجل تشخيصها والبحث عن علاج لها، فإذا كان قابيل، بعد أن قتل هابيل، شعر بالندم فصاح: “يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين”، فإن قابيل عندنا آخى هابيل، وتعاوانا على الإثم والعدوان. وإذا كان إخوة يوسف ندموا وقالوا لأبيهم: “استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين”، فإن الأخ عندنا، عاد، ليبيد ما بقى من شجرة أخيه؟