-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

قراءة في “عثمانيات جزائرية” للدكتور ناصر الدين سعيدوني

بقلم: د. خير الدين سعيدي
  • 554
  • 0
قراءة في “عثمانيات جزائرية” للدكتور ناصر الدين سعيدوني

لا يكاد يوجد اختلافٌ بين الباحثين في حقل الدراسات العثمانية في الجزائر أن جل أبحاث الأستاذ الدكتور ناصر الدين سعيدوني وكتاباته في الموضوع هي مرجع أساسي للبحث في هذه الحقبة، وتجليات هذه الأهمية تكمن في خصوصية المنهج والمسار والمصادر التي يعتمدها الأستاذ سعيدوني في كتاباته وأبحاثه، وقد تجاوزت كتب الأستاذ وترجماته وتحقيقاته ما يزيد عن ستين بحثا أو كتابا في مجالات مختلفة تخص الدراسات التاريخية والفكرية.

لم يركن الأستاذ للخمول أو الكسل بعد تقاعده وقد بلغ ما ينيف عن الثمانين عاما، بل لا يزال يقدِّم لنا عصارة أبحاثه وأفكاره في دراسات جديدة ورصينة تخص الحقبة العثمانية، وقد ارتأينا في هذا المقام أن نُقدِّم لأحدثها، وهو كتابٌ عنونه الأستاذ بـ”عثمانيات جزائرية”.

يقع الكتاب الجديد في 246 صفحة، وصدر عن دار البصائر للنشر والتوزيع، ضمن منشورات مؤسسة سعيدوني للدراسات التاريخية والعمرانية والتي تتخذ من كندا مقرا رئيسيا لها، وتعكف على عدد من المشاريع التي تخص الجزائر وأعلامها. وقد اختير جامعُ كتشاوة ليكون في واجهة غلاف الكتاب وإن كان يبدو أنَّ هذا الاختيار لم يكن موفَّقا؛ إذ كان لا بد أن تكون الواجهة مرتبطة بموضوع المادة المعرفية المضمَّنة في الكتاب، وهي مادة تتعلق بتاريخ الجزائر من خلال الأرشيف، لذا نعتقد أنه لو جرى اعتماد واجهة تعبّر عن الأرشيف العثماني في الجزائر لكان أكثر دلالة، وهذا لا ينقص من قيمة الإخراج الفني للمؤسسة الموجود داخل الكتاب، وحرصها المستمر على إخراج أعمال كبار المؤرخين الجزائريين وإتاحتها وعلى رأسهم الأستاذ سعيدوني.

نقف في بداية الكتاب على تصدير قدَّم به الأستاذ “معاوية سعيدوني” ابن صاحب الكتاب لهذا المصنَّف، ذكر  فيه خصوصية الكتاب والمنهج الذي اعتمده فيه مصنَّفَه. ثُمَّ نقف بعد ذلك على توطئة مِن الأستاذ سعيدوني لكتابه، وأوضح المؤلف أنَّ النصوص التي سيطّلع عليها القارئ في متن هذا الكتاب: أُلقِي بعضها في مُحاضرات ومؤتمرات مُتخصِّصة، ونشر بعضها الآخر ضمن أوعية مُختلفة. عمل الأستاذ سعيدوني على تنقيحها وتطويرها وجمعها ضمن هذا الكتاب؛ لأن مواضيعها مهمة ومازالت تثير الكثير  مِن النقاش بين الباحثين والمثقفين. كما نصَّ المُصنِّف على أنَّ هذا العمل غرضه الأساسي «رفع الغبن والحيف الذي أصاب تاريخ الجزائر» خلال الحقبة العثمانية، ولا يزال إلى الآن يشوِّش الذاكرة التاريخية للشعب الجزائري.  ولا يتوقف الأستاذ عند هذا السبب، بل يجعل سببَ إخراجه لهذا العمل هو «نقص الدراسات الأكاديمية وطغيان الأطروحات المستهلَكة والأفكار المكرَّرة، والأحكام الجائرة، التي حيَّدت التاريخ وحولته مِن عامل بناء إلى مسائل خلافية، في غياب نهضة علمية وتيقُّظ فكري» مِن شأنه وضع أُسُس النقاشات العلمية الهادفة.

إنَّ المُطَّلع على المقالات والنصوص التي ضمَّنها البرفيسور سعيدوني في مُصنَّفه “عثمانيات جزائرية” يفهم منذ الوهلة الأولى أنَّ هذا الكتاب هو عُصارة تجربة حياتية أكثر من مجرد دراسة بحثية. حاول فيه الأستاذ سعيدوني رسم منهجه وتبين مصادره الأولية في أبحاثه المختلفة أثناء سعيه للوصول إلى الحقيقة التاريخية المتعلقة بتاريخ الجزائر خلال الحقبة العثمانية، ولهذا الأمر نجد الأستاذ أطلق على مصنَّفه عنوان: “عثمانيات” فجميع الأبحاث داخل هذا الكتاب هي أبحاثٌ تخص الجزائر خلال العهد العثماني.

جعل الأستاذ سعيدوني أوَّل أبحاث هذا الكتاب حول تجربته الخاصة في الأرشيفات العثمانية، إذ أورد في هذا البحث الذي شغل نحو خمسة عشر صفحة من الكتاب أهم الأرشيفات التي اعتمدها في أعماله العلمية وخلال تجربته البحثية الممتدة على مسار أكثر من خمسين عاما. وقسم الأرشيفات التي اعتمدها بشكل متكرر بحسب أماكن تواجدها إلى ثلاثة أقسام أساسية: القسم الجزائري في الأرشيف والمكتبة الوطنية، والقسم التركي في أرشيفات رئاسة الجمهورية التركية في إسطنبول. والقسم الفرنسي والذي ينقسم بدوره إلى خمسة أقسام فرعية بحسب مضامنيه وأماكن توزُّعه.

وركَّز الأستاذ سعيدوني في البحث الثاني على “الرصيد الأرشيفي الموجود على مستوى الأرشيف الوطني”، واستعرض أهم علبه وسجلاته وتصنيفاته وكيفية التعامل معها. واستهجن أثناء ذلك الوجود الشكلي للكثير مِن الوثائق ضمن رسائل الدكتوراه أو الأبحاث التي اطلع عليها، إذ أضحت في الكثير مِن المرات مجرَّد محطات استعراضٍ ضمن المقدمات والملاحق من دون توظيفها فعليا، وأرجع ذلك لصعوبة التعامل مع الوثائق وغياب المنهج التطبيقي لدى العديد مِن الباحثين.

نصَّ المُصنِّف على أنَّ هذا العمل غرضه الأساسي «رفع الغبن والحيف الذي أصاب تاريخ الجزائر» خلال الحقبة العثمانية، ولايزال إلى الآن يشوِّش الذاكرة التاريخية للشعب الجزائري.  ولا يتوقف الأستاذ عند هذا السبب، بل يجعل سببَ إخراجه لهذا العمل هو «نقص الدراسات الأكاديمية وطغيان الأطروحات المستهلَكة والأفكار المكرَّرة، والأحكام الجائرة، التي حيَّدت التاريخ وحولته مِن عامل بناء إلى مسائل خلافية، في غياب نهضة علمية وتيقُّظ فكري» مِن شأنه وضع أُسُس النقاشات العلمية الهادفة.

في البحث الثالث تحدَّث الأستاذ عن واقع الدراسات العثمانية في الجزائر من خلال عرضها وتقيمها خاصة تلك التي أنجزت قبل 1962، وقسَّمها مِن الناحية العملية إلى قسمين أساسيين: كتابات فرنسية والثانية جزائرية، وعدَّهما الأرضية التي انطلق منها البحث في تاريخ الجزائر العثمانية، وحاول مساءلة هذه الكتابات من خلال مسطرة المادة التاريخية المعتمدة لدى الكتابتين، ليصل بعد ذلك إلى المواقف والتصورات التي كونتها كل جهة من الجهتين، وقسم الأخيرة بدورها إلى ثلاثة أقسام بحسب نظرتها للوجود العثماني في الجزائر، وشغل هذا البحث حيزا هامّا بلغ ثلاثين صفحة.

وقد أعاد الأستاذ سعيدوني بشكل ذكي ودقيق عرض ما توصل إليه في البحث السابق ضمن البحث الرابع من هذا الكتاب، والذي أتى بعنوان: “إشكالية تقاطع الرؤية الإيديولوجية والمقاربة المنهجية في تاريخ الجزائر في العهد العثماني” وركّز ضمن هذا البحث على المعيقات التي تحول دون الوعي بأهمية الدراسات العثمانية في تاريخ الجزائر.

أما البحث الخامس في الكتاب فكان حول إشكالية مهمة جدا في تاريخ الجزائر خلال العهد العثماني تتعلَّق بإشكالية السيادة الجزائرية خلال هذه الحقبة، وأرجع الأستاذ الاضطراب الكبير  في الأحكام المتعلقة بهذه الإشكالية إلى عدم تخصص الكثير ممَّن تحدَّث عن هذا الأمر  في الدراسات العثمانية أو تلصُّصه عليها. ما جعل الأحكام غالبا مرتبطة بالإيديولوجية أو بمواقف سياسية. وفي هذا المبحث فصَّل الأستاذ أشكال السيادة التي يرى أنها تُثبت استقلالية الجزائر خلال تلك الحقبة.

كما أتى البحث السادس من هذا الكتاب ليكمل النقاط التي أثارها الأستاذ سعيدوني في البحث الخامس، ويوسّعها، وإن كنا نعتقد أن ما أورده الأستاذ هام جدا إلاَّ أنَّ موضع العلاقة بين الإيالة والباب العالي لا يزال يحتاج إلى دراسات متعمقة أكثر تضع العلاقة ضمن سياقها التاريخي لا ضمن مفهوم الوطنيات التي أوجدتها معاهدة ويستفاليا وما تلاها.

ثم أتى البحث الجديد أيضا ليرصد طبيعة العلاقات الثنائية بين الباب العالي والجزائر من خلال محاولات الأستاذ سعيدوني توضيح محاور التحالف الذي كان قائما بين الجزائر والباب العالي. وختم الأستاذ البحوث الواردة باللغة العربية في هذا الكتاب ببحث حول نهاية الدولة الجزائرية في العهد العثماني من ناحية رصد الظروف الدولية وطبيعة الهزيمة التي مُنيت بها الدولة الجزائرية خلال تلك الحقبة.

وختم الأستاذ سعيدوني أبحاث هذا الكتاب بمداخلة مقتضبة باللغة الفرنسية عن طبيعة الوجود العثماني في الجزائر ، ليورد بعدها عددا من الوثائق المترجمة أو المحققة من مختلف الأرشيفات التي اشتغل عليها الأستاذ، وهي وثائق هامة لكل مختص في تاريخ الجزائر العثماني.

لقد بذل الأستاذ سعيدوني جهدا مميزا لإخراج هذا العمل وإتاحته للباحثين، لذا فالبحث هو عصارة تجربة حياتية وبحثية كبيرة من المهم على الباحثين والأساتذة في هذا التخصص الاطلاع عليه والإفادة مما ورده فيه، سواء بالتعليق أو الرد أو الاستئناف من حيث توقف الأستاذ سعيدوني. كما يمكن للكثير من الأفكار الواردة في الكتاب أن تكون نقطة انطلاق للعديد من البحوث أو الندوات أو الملتقيات لضبط العديد من المفاهيم التي تخص تاريخ الجزائر خلال العهد العثماني.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!