-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

قراءة في كتاب “حقول الإصلاح في الفكر الإسلامي المعاصر”

د. خير الدين سعيدي
  • 112
  • 0
قراءة في كتاب “حقول الإصلاح في الفكر الإسلامي المعاصر”

لا يمكن الحديث عن أستاذ جامعي من دون الحديث عن إنتاج علمي رزين ومستمرّ لهذا الأستاذ، ولعلَّ مِن أبرز مَن اتصف بهذه الصفة في الحياة الجامعية الجزائرية وحتَّى العربية، أستاذ فلسفة القيم في جامعة محمد ليمين دباغين سطيف2 البروفيسور عبد الرزاق بلعقروز.
نتحدَّث في هذا الحيّز عن أحد الكُتب الهامة التي أصدرها الأستاذ بلعقروز مُؤخراً، وهذا لاعتبارات عديدة أهمها المجال الذي يغطيه هذا الكتاب، فهو ليس بالكتاب الأكاديمي الجاف الموجَّه للمتخصص فقط، بل هو عمل أقرب ما يكون إلى السياق الثقافي التأريخي العامّ.
يحمل الكتاب عنوان “حقول الإصلاح في الفكر الإسلامي المعاصر: نماذج اجتهادية وإشكالات منهجية” ويُفهم مِن مضمون هذا الكتاب أنَّ مُصنِّفَه ركَنَ إلى هذا العنوان بناءً على تصورٍ يرى الإصلاح حقولا مُختلفة، إذ يوجد “الإصلاح الفكري” و”الإصلاح المجتمعي” و”الإصلاح السياسي” وإن كان قد درج لدى القارئ ارتباط الإصلاح بالحقل الديني أو السياسي.
صدر الكتاب عن مركز نماء للبحوث والدراسات، يقع في 260 صفحة، ضمَّ مُقدِّمةً وستة فصول إضافة إلى فصل تمهيدي. اشتغل المُصنِّف في المقدمة بوضع مدخل تشريحي لمدلول كلمة “الإصلاح” في سياقاتها المختلفة. ثمَّ درج على تِبيان أهمية هذا الموضوع من السياق الإنساني العامّ إلى الإسلامي الخاص. اشتغل في الفصل التمهيدي على محاولة تفكيك البنية التي اشتغلت ضمنها النماذج المعرفية التي اختارها ضمن هذا الكتاب، ورأى المُصنِّف أنَه تحليل هذه البنية والحديث عن خصوصياتها ومميزاتها أهم بكثير من مجرد رصف جهود هؤلاء المفكرين.
لذا كان التحليل هو السمة البارزة في هذا الفصل في محاولة لرصد مَواطن التوافق وبواطن الاختلاف بين النماذج الإصلاحية المختلفة. وركّز الدكتور بلعقروز في هذا الفصل على عددٍ من السمات المنهجية التي تميز بها هؤلاء المفكرون. لذا نجده يقول: «ما يعنينا هو أن نستخرج منهجيتهم التي كانوا بها يفكرون وينتجون».
وهو ما جعلنا نتجاوز عدَّ الكتاب -في سياقه العامّ- عملية تأريخ لتاريخ الفكر الإصلاحي في العالم الإسلامي خلال الحقبة المعاصرة من زاوية فلسفة الأفكار، إلى محاولة قيِّمة قام بها المصنِّف لتفكيك منهجيات الإصلاح المختلفة المذكورة -سنعود إليها- والسعي لإبداع نموذج إصلاحي شامل ويمكن تطبيقه. ولهذا، فقد تجاوز المؤلف التتبع الكرونولوجي للشخصيات ومساراتها المختلفة، إلى محاولة تحليل بنية المنهجية الفكرية والمشتركات المختلفة بين النماذج المستعرَضة. وقد اختار من الجهود الإصلاحية كلًّا مِن: إسماعيل راجي الفاروقي، وعبد الوهاب المسيري، ومالك بن نبي، ومحمد إقبال، وعبد الحميد أبو سليمان. ولعل إحدى الهفوات القليلة في التركيبة العامة للكتاب خلوُّها من النموذج الإصلاحي الخاص بمسلمي أورسيا وتركمنستان، فلو أضيف للنماذج المتبعة نموذج في صورة علي عزت بيتغوفيتش أو شامل باساييف أو محمد سعيد النورسي لكان الأستاذ بلعقروز قد قدَّم مَسحا كاملا وشاملا لنماذج الإصلاح المختلفة داخل جغرافية العالم الإسلامي، ولعل هذا الأمر يُستدرك في قابل طبعات الكتاب.
هذا النقص لا يُنقص من قيمة الكتاب والجهد الكبير المبذول فيه. اكتنز أكثر من زاوية رؤية في جمع المادة وتحليلها وإعادة تقديمها.

تضمَّن الكتابُ تجارب حياتية وإصلاحية مُختلفة، مِن إيجابياتها أنَّها تغطي جُلَّ العالم الإسلامي، إذ أنَّ المُؤلِف سعى إلى تقديمها كنمط إصلاحي يتجاوز القُطرية، بل سعى أإلى ن يكون إصلاحا إنسانيا، ذلك أنَّ أي كلام عن الإصلاح -حسب المصنِّف- لا يراعي البُعد الإنساني هو إصلاحٌ مقطوع الصلة ومحدودٌ في امتداده.

وقف المصنف في الفصل المُعنون بـ”المعالم المنهجية للجهود الإصلاحية المدروسة” على ستة سمات مركزية رأى المُصنِّف أنَّها ميزَّت تفاعل هذه النماذج الإصلاحية مع الفكر الإنساني عامة والغربي خاصة. وهذه السمات هي:
1. الاشتباك النقدي مع النموذج الغربي أي عدم الخضوع التام للنموذج الغربي في الفكر والإصلاح وعدم الرد الكامل له، ذلك أن معظم التجارب التي خُصت بالدراسة كانت لها تجارب حياتية طويلة في الغرب كما هو الحال مع محمد إقبال في ألمانيا ومالك بن نبي في فرنسا. وهنا ركز المصنِّف على فكرة هامة وهي الفرق بين الانغماس في الغرب والقدرة على قراءته ومناقشته وفق خصوصيات هذه النماذج.
2. التوظيف الذكي لمضامين الإصلاح، وهذا من خلال رصد القدرة العجيبة التي تميزت بها النماذج الإصلاحية التي ركز عليها الكتاب في تشرب التراث وقدرتهم على استيعاب الفكر الغربي.
3. همُّ إنشاء العلوم الجديدة لاحتواء المفاهيم والحاجة المستجدة. وذلك أن لكل مرحلة خصوصياتها وتحدياتها المختلفة، لذا رأى المصنِّف أن النماذج المختلفة حاولت تقديم اقتراحات لإنشاء علوم جديدة كما هو الحال في علم إعادة الصلة بالله الذي اقترحه مالك بن نبي في تجاوز للتصوف وعلم الكلام، وعلم فقه الفلسفة الذي اقترحه طه عبد الرحمن في محاولة لإنتاج مفاهيم ودلالات فلسفية تصلح للمجال التداولي الإسلامي.
4. النمذجة وقانون التحولات. وقد خص المصنِّف هذا القانون بما كانت تعيشه التجارب الحياتية لهؤلاء المفكرين، إذ لم يكن لهم أي مانع في تطوير وتغيير مساراتهم الإصلاحية نحو ما كانوا يرونه أفقًا أرحبَ وأصح في عملية الإصلاح، وساق المصنِّف أمثلة عن ذلك من تجارب عبد الحميد أبو سليمان وإسماعيل راجي الفاروقي.
5. إعمال الرؤية الكونية الإصلاحية. ذلك أن أي انحصار ضمن نموذج قُطري للإصلاح كان ينتهي بهذا النموذج إلى الموت المحقق، لذا أجمعت النماذج المرصودة على ضرورة الانعتاق من أغلال القُطرية إلى ما هو أوسع وأعمّ.
6. الوعي الروحي. ورأى المصنِّف أنَّ التفكير الواعي عند هؤلاء المصلحين هو ما استطاع أن يغيّر الكثير من الذهنيات وصنع الأفكار المميزة لهذه الثلة الإصلاحية في العالم الإسلامي.
يدرج بعد ذلك المصنِّف إلى تخصيص قراءة عميقة لكلِّ نموذجٍ معرفيٍ ضمن النماذج التي اختارهافي كتابه، إذ يجعل لكل نموذج معرفي في الكتاب فصلا عميقا في تشريح البنية الفكرية والنظرة الإصلاحية. ونقف في هذا الشأن على خمسةِ فُصولٍ أخرى متباينة في التعاطي مع كل شخصية فكرية ضمن النماذج المختارة.
لقد تضمَّن الكتابُ تجارب حياتية وإصلاحية مُختلفة، مِن إيجابياتها أنَّها تغطي جُلَّ العالم الإسلامي، إذ أنَّ المُؤلِف سعى إلى تقديمها كنمط إصلاحي يتجاوز القُطرية، بل سعى أإلى ن يكون إصلاحا إنسانيا، ذلك أنَّ أي كلام عن الإصلاح -حسب المصنِّف- لا يراعي البُعد الإنساني هو إصلاحٌ مقطوع الصلة ومحدودٌ في امتداده.
ختم المصنِّفُ كتابه هذا بخاتمة مميزة، لم تكتف بالتذكير بما ورد في فصول الكتاب، بل سعى فيها المصنِّف إلى تقديم جملة من التوصيات المبنية على تشريح التجارب المختلفة، لعلَّ من أهم هذه التوصيات ضرورة مراكمة التجارب الإصلاحية المختلفة لإعادة المجتمع الإسلامي إلى حلبة التاريخ. ذلك أنَّ “الذات المسلمة في أمسِّ الحاجة إلى التجربة والمكابدة، أي الاتصاف بالإيمان في السلوك، والانفتاح على جهود الأخلاقيين فكرا وممارسة، وتطوير علوم جديدة يكون غرضها تنمية الإرادة والوجدان”.
إن الكتاب الذي بين أيدينا كتابٌ حقيق بالقراءة الواعية وعلى مختلف المستويات، ذلك أنَّه يُقدِّم جهودا إصلاحية مُختلفة داخل العالم الإسلامي ويربط بينها بروابط تأسيسية هامة جدا في التأسيس لأي حَراكٍ إصلاحيٍ، ذاتي أو مؤسساتي. لذا فالكتاب يمكن أن يستعين به الباحثون والقرَّاء في تنمية معارفهم وتطويرها، ولابدَّ أن تسعين به وتستأنس بما فيه من أفكار واقتراحات المؤسساتُ الحركية والجمعيات الإصلاحية داخل فضائنا العامّ.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!