قراءة في مذكرات قائد أركان جزائري(5)
من الضروري أن يلاحظ القارئ بأن العناوين تكتب عادة لاستثارته ودفعه إلى قراءة المقال كاملا، وقد لا تكون منسجمة تماما مع إرادة الكاتب، وأنا شخصيا لا أنسجم مع هذا المنطلق بسهولة، لكنه واقع إعلامي يجب أن نعترف بوجوده، ونتفهم خلفياته. ولقد قرأت يوما لمن أراد أن يمجد المرحوم مولود قاسم، الذي كان موسوعة علمية جديرة بالتقدير والاحترام، فقال، تحت عنوان يوحي بنبرة استعلائية استعملها مولود، عندما قال ساخطا للرئيس بومدين بأنه يفضل منصب بواب في سويسرا على منصب وزير في الجزائر، ولقد كنت من شهود الواقعة التي كانت عبارة عن نكتة رواها مولود، وهو كان بالغ الاحترام للرئيس، الذي ضحك طويلا.
- ومن السهل أن يروي فلان من الناس أنباء بطولات لا شاهد عليها، لكن من الصعب أن نرى إهانة في قول الرئيس بومدين لمفدي زكريا، عندما أبلغه بأنه سيلقي قصيدة عن الجزائر ذات العشرين ربيعا، بأن الجزائر تزوّجت من زمان، وأن لها رجلها، حتى وإن كانت الرسالة الحقيقية الموجهة للشاعر، وهو أسلوب كان يستعمله الرئيس مع كبار المثقفين، أن الجزائر ليس في حاجة للرئيس الحبيب بورقيبة أو للملك الحسن الثاني ليكون رجلها، وقد أخذ النظام يومها على الشاعر تمجيده لمن يقابل الجزائر بالخصومة، ولكنه دُعي، من بين من تمت دعوتهم، لحضور استقبال يقيمه الرئيس على شرف الأدباء العرب، وهو تقدير واضح.
وهناك تعليقات على مذكرات العقيد زبيري نسيت الجانب الأهم في شهادته، عندما قال إن بومدين طلع نجمه بسرعة بعد أن نجح في قيادة الأركان الغربية عام 1958 بينما أخفق غيره مما أهله ليكون القائد الأوحد لهيئة الأركان العامة، ورغم افتقاده للشرعية الثورية باعتباره ليس من المفجرين الأوائل للثورة (ص 22).
وأنا شخصيا كنت أفضل أن يكون رئيس الدولة بعد استرجاع الاستقلال بطل الأوراس مصطفى بن بوالعيد، لكن يد المنون كانت أسرع من الجميع، وحدث أن معظم المفجرين الأساسيين للثورة كانوا بين شهيد وسجين، حيث استشهد بن بولعيد والعربي بن مهيدي ومراد ديدوش وسجن بن بله وخيضر وبوضياف وبيطاط، ولم يبق على الساحة إلا كريم بلقاسم وبن طوبال وسعد دحلب والأمين دباغين، وبالطبع، عباس فرحات وبن خدة، ولكن للسياسة منطقها ولموازين القوى أحكامها.
ولا جدال في أن الشرعية التاريخية هي عمق حقيقي لكل عمل وطني جدير بالتقدير، وهو ما قام به نظام بومدين، عندما استرجع رفات الأمير عبد القادر، الذي كان ضيفا على ضريح محيي الدين بن العربي في دمشق، لكن ربط العمق التاريخي بأفراد ليس دائما مرادفا للتمسك بالشرعية التاريخية، إلا بالنسبة لمن يتعاملون مع قضايا الشرعية بما قد يبدو أحيانا تصفية لحسابات قديمة، وهكذا نجد من يستغل تعبيرات مجاهد كبير قال شهادته علنا، وبدون ادعاء أو تعالٍ، وهي، كما قلت، شهادة يجب أن تؤكدها أو تنفيها شهادات أخرى.
ومن غير المنطقي أن ننسى أن الثورات هي أمواج متلاحقة من الأحداث والأفراد، وقد يصعد أحيانا على القمة من تناقض مع الثورة في بدايتها كما حدث مع نابليون بونابرت، وقد يُرمى على ضفاف الأحداث من كانوا أباء حقيقيين لها، وهو ما حدث مع مصالي الحاج، وقد يرتفع من كانوا مجرد شباب طموح على حساب شخصيات تاريخية لأن تطور الأحداث أو هازم اللذات أو تناقض الاختيارات فرض ذلك، كما حدث مع دوغول الذي أصبح رمزا لفرنسا على حساب بطل فردان، الماريشال بيتان.
ولا بد أن نعترف بأن النظام الجزائري، مهما كان ما ينسب له من مساوئ، فتح الباب أمام الملايين لارتياد مجالات المعرفة وحقق قفزة اجتماعية نوعية لا يمكن أن تنسب وحدها لمداخيل النفط، ومن الجحود أن نعتبر بأن الذين أمسكوا بمقاليد الحكم في الجزائر بعد استقلالها كان أكثر همهم البحث عن السيطرة والتحكم من خلال الدسيسة والتآمر الخفي وتزوير الحقائق، إلى آخر قائمة طويلة لا تذكر فضلا واحدا لرجال يعترف لهم العالم كله بما أنجزوه.
يتبع