-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

قصة الهوان العربي في الذكرى الـ50 لسقوط القدس وفتنة الخليج الجديدة!!

التهامي مجوري
  • 4483
  • 0
قصة الهوان العربي في الذكرى الـ50 لسقوط القدس وفتنة الخليج الجديدة!!

خمسون سنة مرت على نكسة العرب، التي كانت في الخامس من جوان 1967، سقطت بموجبها مدينة القدس، وسقط معها النظام السياسي العربي بجميع مشاريعه الفكرية والتنموية، فشرع الخطاب العربي من يومها في التقهقر، بجميع تياراته القومية والوطنية والإسلامية، واستمر في التقهقر إلى المستوى الذي نشاهد اليوم، بحيث عجز عن بناء دولة تحافظ على الحد الأدنى من الكرامة والاستقلالية، بمن في ذلك الفلسطينيون الذين فشلوا في تحقيق “تقسيم فسلطين” على أساس حدود 67، وهو ما كانوا يرفضونه قبل ذلك، كما عجزت فيه الأنظمة العربية أيضا عن حفظ أمنها القومي؛ بل بعضها الآن مهدد بالاحتلال والتقسيم كما احتلت وقسمت فلسطين، في سنتي 1948 و1967، بسبب هذا الهوان العربي.

ومن عجائب الأقدار أن يكون قرار قطع العلاقات مع قطر من قبل السعودية والإمارات في صبيحة الإثنين الخامس من شهر جوان 2017، وهو صورة من صور الهوان العربي الذي أشرنا إليه، والذي بدت معالمه منذ ذلك التاريخ المشؤوم 1967. وبين هذين الحدين -التاريخين- 1967/2017 وقعت أحداث جسام في الجسم العربي كلها تعبر عن مستوى هذا النظام الثقافي السياسي العربي، الذي أهلك الحرث والنسل وطنيا، وأفسد العقول والقلوب إقليميا، وجعل من هذه الشعوب المغلوبة على أمرها سلعا تباع وتشترى كما سنذكر من نماذج بعد قليل في العلاقات الدولية.

ففي سنة 1967 كان كل العالم العربي مجمع على محورية القضية الفلسطينية، حيث كان الكلام لا يليق فيما دون فلسطين التاريخية، يوم كان الرئيس المصري جمال عبد الناصر يعلن عن إلقاء اليهود في البحر، وكان الرئيس الجزائري هواري بومدين، مع فلسطين ظالمة أو مظلومة، وكان الملك فيصل السعودي يهدد بالعودة إلى ما كان عليه جدوده، من الخيمة والبعير وحليب النوق…، مبديا استغناءه على العالم بكل ما له من حضارة وتقدم وتكنولوجيا، وهذا التوجه كان من بقايا الحركة الثورية التحررية والأنفة العربية التي لم يبق منها شيء الآن، ولذلك كانت هزيمة 1967 عبارة عن سقوط منظومة قيم ونظم حكم، وانهيار لثقافة كانت سائدة يومئذ، وهي أن فلسطين دولة عربية محتلة من قبل الي،هود بدعم من الاستعمار التقليدي الذي هو الغرب…، ومن ثم كان انفراط العقد الوطني القومي التحرري، الذي كان محل إجماع بين كل القوى الوطنية، وبقيادات وطنية مستميتة في حفظ بيضة الأرض والعرض…، فانبرت الأقلام تحلل وتناقش وتدرس تلك الهزيمة التي وقع فيها العرب، فتوصلوا إلى فشل الاتجاه القومي الاشتراكي السائد في الأنظمة الأبرز يومها، كالنظام المصري والعراقي والسوري والجزائري…، بينما الحقيقة ليست مجرد سقوط اتجاه كان حاكما، وإنما هي تعبير عن سقوط ثقافة لمنظومة قيم وصيغ حكم سائدة، فيها من يحكم بإسم الإسلام وفيها الماركسي وفيها القومي الاشتراكي وفيها الليبرالي…إلخ. 

وبعد تلك الهزيمة النكراء، توالت الاهتزازات والهزائم تباعا، فعلى المستوى الوطني المحلي لهذه الدول كانت سلسلة الانقلابات في سوريا والعراق، والحرب الأهلية اللبنانية سنة 1975، وفتنة الإخوان والنظام في سوريا بعد ذلك، وما خلفت من جرائم في مدينة حماة، وانقسام اليمن إلى شمال وجنوب قبل ذلك، واحتلال الحرم من قبل جماعة جهيمان في العربية السعودي، وما انبثق عنها من آثار جانبية في المجتمع السعودي، وأحداث الجزائر الدامية…، وعلى مستوى العلاقات الدولية، كانت فتحتها بعد النكسة، زيارة الرئيس المصري أنور السادات للقدس سنة 1978، وبداية التطبيع الرسمي مع العدو الصهيوني، وانقسام النظام العربي إلى “مطبع ومطبل”، والحرب العراقية الإيرانية التي كانت باعتداء إيراني وتمويل خليجي أساسا، وتعبئة المجاهدين العرب إلى أفغانستان، التي كانت منطلقاتها من المملكة العربية السعودية، وإجلاء الفلسطينيين من بيروت إلى تونس، وغزو النظام العراقي للكويت…، لتتوج كل هذه الأعراض  بسقوط النظام العربي رسميا، وذالك بتخليه عن القضية الفلسطينية نهائيا ووضعها –بزعمهم- بين أيد أهلها، ليتفاوضوا مع العدو انطلاقا من اتفاقيات أوسلو في سنة 1992، السنة التي نعدها أشد إيلاما من نكسة 1967، وهي الذكرى الخمسمائة لسقوط الأندلس 1492/1992.

وإذا كانت هزيمة 1967 قد أسالت بعض الحبر لمعرفة سببها الحقيقي، فإن جميع هذه الهزيمة التي مرت بها الأمة خلال 1967/1992، لم تستنج منها نخبها شيئا إلا محاكمة الأطراف لبعضها البعض، كان يقال مثلا التيار الفلاني هوة السبب في القضية الفلانية، أو النظام العلاني هو السبب، أو أن الأمر داخلي لا يحق لأحد التدخل فيه، أو أن السبب هو التآمر الغربي علينا…، وإلى ما هنالك من المبررات والأعذار، في حين أن هذه الأحداث كلها تعبر عن تململ وعدم استقرار لنظام الحكم وثقافة المجتمع السائدة والوافدة، وبسبب العجز الداخلي وقوة التكالب الخارجي، ولذلك لم يستقر المجتمع العربي، ولم ير تقدما في نظامه السياسي، ولا في مستواه الثقافي والإجتماعي، بحيث بلغ مستوى من الانسداد لم يراه في تاريخه، ولا رآه حتى غزو التتار لبلاد الشام، الذي يعد من اخطر مراحل تاريخ العرب والمسلمين، بحيث أضحى بواقعه ومكوناته على استعداد لاستقبال أي مشروع ومن أي جهة كانت، لا سيما بعد الغزو الأمريكي للعراق وسقوط نظام صدام حسين بمباركة المعارضة العراقية نفسها…، فبلغ المجتمع العربي مستوى من الهوان أنه يرفض التغيير، ولا يكلف نفسه البحث في مبرراته، وإنما يجهد نفسه في البحث عن مبررات للرفض ليتمتع بالبقاء على حاله..، فهو يغط في النوم ولا يرحب بمن يزعجه ويفسد عليه نومه.

فالحراك العربي الذي فاجأ العالم في نهاية 2010 وبداية 2011، لم يشعر به المجتمع العربي -هذا القسم النائم من العالم- كمرحلة تاريخية وفرصة للتغيير، وإنما شعر به كمؤامرة على الأمة تهدف إلى تقسيم وتمزيق العالم العربي لحماية العدو الصهيوني، وكأن العالم العربي موحد وقوي ويتمتع باستقلال عن القوى المؤثرة في العالم، ومتكتل ويخشاه اليهود !!

تزمن قرار مقاطعة قطر من قبل ثلاث دول من مجلس التعاون الخليجي، بذكرى سقوط القدس في نكسة 1967، في تقديري لا يعبر عن إدانة قطر او غيرها من خصومها، بقدر ما يعبر عن استمرار واطراد التخاذل العربي، بإسقاط آخر تكتل عربي وهو تكتل “مجلس التعاون الخليجي”، المنبثق عن وحدة ثقافية سياسية اجتماعية جغرافية بين دوله، والوصول إلى تمزيق هذه الوحدة ينبئ بنهاية آخر نموذج –على ما بين أطرافه من خلاف ونزاع- وحدوي للنظام العربي بجميع مكوناته الأيديولوجية، لا سيما وأن نظام دول الخليج واحد ويمثل جل مكونات العالم العربي والإسلامي، وكأنه القاسم المشترك بين أنظمة العرب والمسلمين.

على أن الحجج المطروحة والمبررة لذلك القرار –قرار المقاطعة- لا يعبر عن الحقيقة، فما تقوم به قطر من دعم للقضية الفلسطينية وبعض فصائلها، وما تقوم به جمعياتها الخيرية وشخصياتها العلمية، كل ذلك  تقوم به جميع الدول الخليجية باستثناء الإمارات بعد الشيخ زايد..، وقائمة الإرهابيين التي تتهم قطر بإيوائها ودعمها، دول الخليج الأخرى تؤوي وتدعم مثلها، فضلا على أن لا علاقة لها بالإرهاب..، ثم إن هذه القرارات والتهم لا بد من أن تصدر عن جهة قضائية وليس بناء على قرار سياسي.

لا شك أننا هنا لسنا في موقع المحاكمة لهذا النظام أو ذلك، وإنما ننظر إلى هذه القضية كقضية جزئية في مسار كلي للمجتمع العربي خلال 50 سنة وإلى مستوى نظمه السياسية التي استعصت على التغيير؛ بل إن هذه النظم قد عملت على سحق شعوبها سحقا، ونسيت أن التاريخ له منطقه الذي لا يقبل التحكم والتوجيه من أي كان. قد نقبل بعض مقررات هذا التاريخ  أو نرفض بعضه الآخر، ولكن لا يعني قبولنا أو رفضنا له شيئا، إن لم يكن مدعوما بمنطقه هو ذاته وقوانينه التي لا تتبدل ولا تتغير لأنها قوانين الله في الوجود.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • مصباح

    لا أشاطرك الرأي.
    - إنشاء " مجلس التعاون الخليجي " كان هدفه طمس ما تبقى من الهوية العربية بإنشاء " منظومة اقتصادية قويّة " بتصور امبريالي تبيح لدويلات تحكمها أسر أعرابية من التربع على خيرات الأمة الإسلامية و توضيف الأموال الطائلة في خدمة الإقتصاد الغربي.
    - ما تسميه حراك عربي ما هو الاّ محاولة أخرى لطمس معالم الهوية العربية بإنشاء دويلات أخرى متقاتلة و متناثرة و لك مثال على ذلك في "حكومات ليبيا" حاليا و ما يجري من محاولات لتقسيم العراق و سوريا.
    - معاناة الشعب اليمني خير دليل على ما ذكرت لك سابقا.

  • البكاء على الاطلال

    كان يا ماكان في قديم العصر و الزمان........

  • Osof

    في (1948) غُرِسَ ' الربيب المدلل ' فكان الصراع يسمى : النزاع الإسلامي-اليهودي.
    فأرتحل الكثير من المجاهدين نحو المقدس تحت إسم " جيش الإنقاد "... النتيجة = النكبة؟
    بقى الصراع حيّاً إلى(1967) فتحول تحت تأثير البعثيين و العربان إلى نزاع : العربي - الإسرائيلي و لأن "القومية" لا تنفع فجاءت النتيجة = النكســة ؟
    في (1973) اشتد ساعد اليساريين بأرض " محمد " (ص) فحاولوا استرجاع الأراضي المسلوبة و لكنهم فشلوا بسبب"الخيانة و الوشاية من داخل البيت , النتيجة = الهزيمة؟
    اليوم: الصراع فلسطيني-إسرائيلي !؟

  • البوندا و الكهربا

    لقد مضت عقود على التخلف الانحطاط السبات و التفاخر بالبنيان الهاري نتيجة التفاعل بين انظمة مستبدة متلاعبة انتجت فردا مستبد متلاعب ... و تفاعل نظام اقتصادي ريعي سباتي خمولي انتج شخص بليد اتكالي متكاسل لا يؤمن بالعمل التغيير التنافس ... و تفاعل نظام اجتماعي اسري ثقافي ابوي انتج الشعوذة و المشعوذين الكسالى الثرثارين اخصائيو التنقال و العفن ... لذا وجب وضع مصل قوي خليط شباب فكر عمل نقد نشاط لتحريك دورة الحياة فقد طال خمولها .

  • reda

    صنفٌ من النخب العربية يملك قناعاً لكلّ موقفٍ محتمل، ينظّر يوماً للواقعية، ويوماً آخر للحقد الطائفي، ويوماً ثالثاً للديمقراطية وحقوق الشعوب. ولكنّ هؤلاء، على ما يبدو، يحتاجون الى شرحٍ عن الفارق بين «الاصطفاف» و«التبعية». حين تهاجم، مثلاً، الحكم السعودي أو الاماراتي لأنّه تابعٌ لأميركا، ويتآمر ضدّ فلسطين، ويصدّر الخراب والرجعيّة، فهذا موقفٌ واصطفاف. ولكن أن تصمت على كلّ هذا فيما التآمر على فلسطين يجري، وسوريا والعراق واليمن تدمّر، والشعوب تشرّد، ثم تكتشف شرّ السّعوديّة حين تفتح الحرب مع قطر

  • بدون اسم

    السلام عليكم
    شكرا أستاذ
    صح رمضانكم وكل عام وأنتم بخير،
    ... لو كان جيـــنا نعطوا قيـــــمة وأهميــــة كبيرة لمادة التاريخ،
    -القراءة والمطالعة ومتابعة الأحداث باستمرار-
    مع أخذ العبرة والدرس
    لما وصلنــــا الى ما نحن عليه الآن ؟؟
    - نكسة ورا نكسة ، مسلسلات من المهازل ؟؟؟؟؟
    صح فطوركم
    وشكرا

  • فوضيل

    ان التراجع المتواصل للتيار القومي واليساري وتسارع وتيرة انتشار التنضيمات الاسلامية وما يجري من احداث وحروب وتخلف اقتصادي واجتماعي وفتن وصراعات دينية ومذهبية في الخليج العربي يتعلق اساسا بقيم الشعوب واخلاقياتها وتقدمها الفكري والاجتماعي ،لقد تم استخدام الارهاب التكفيري في السنوات الاخيرة بالتعاون مع مشيخات الخليج والاعلام التحريضي المتامر لتدمير وتمزيق المنطقة العربية على كافة الاصعدة، ان ظهور التنضيمات الاخوانية والسلفية والجهادية تقضي على اي احتمالات للتغيير نحو الافضل.