قمة عربية على صفيح ساخن
يصاب المرء أحيانا بشيء قريب من الهذيان وهو يتساءل: هل من المعقول ـ ونحن أبناء أمة واحدة، تنتمي إلى دين واحد وحضارة عظيمة واحدة ـ أن هؤلاء العرب، فعلا، جميعهم غاب عنهم الإدراك بأنهم مستهدفون تماما!!؟ فالآن بلدانهم تتمزق، وقنابل الأمريكان تفتت أجساد ابنائهم، ومسجدهم الأقصى قاب قوسين من الانهيار، ونفطهم يسرقه الغربيون، وأرضهم يستبيحها الصهاينة العنصريون! يا إلهي في هذا الظرف تحديدا، يتم التحضير للقاء قمة عربية في العراق الجريح.. قمة بعد ربيع عربي عاصف، قتل رؤساء وأطاح بآخرين وطرد بعضهم..
واليوم، تحزم الوفود حقائبها للسفر إلى بغداد، بعد أن كادت فكرة عقد قمة في بغداد تموت.. ويشعر الحكام الجدد بأنهم استطاعوا أن يثبتوا المؤتمر في بغداد، وكم كانوا محتاجين إلى هذا الاعتراف بشرعية ما اقترفوا.. إلا أن التمثيل الرسمي العربي سيكون منخفض المستوى، ما يعني الحكم بموت مسبق لكل ما يمكن أن يصدر عن القمة.
بماذا سيفتتحون مؤتمرهم؟ بأي القضايا المفصلية؟ هناك جملة تحديات تتحرك كالسرطان في جسم الأمة، من الانشقاقات المتتالية في السودان وليبيا وسورية، وتدخل الأجانب في شؤون البلد العربي المسلم، في الصومال ولبنان وفلسطين.. الأمة تواجه تحديات خطيرة، فالعراق مهدد بنتائج هذا العدوان الجنوني، بما ترك من مواد مشعة تضر بالحرث والنسل، كما أنه مهدد بالعطش، بعد أن تحولت أنهاره إلى أحواض مائية مستقرة.. كما أن أزمة المياه تكاد تخنق كثيرا من الدول العربية النهري منها وغير النهري.. أما الثروات فها هي تتسرب لمعالجة الاقتصاد الأمريكي المنهار، وها هي رحلات رؤساء الشركات الأمريكية الضخمة يجوبون منطقتنا ببوارجهم ومدمراتهم، يتحكمون بكميات ضخنا للبترول، وبأسعاره وبأسواقنا، وبفرضون علينا شراء معدات من عندهم، تحرك عجلة اقتصادهم الكاسد، ما يخفف من التوترات الاجتماعية لديهم، بتخفيضهم لنسبة البطالة والعجز في المدفوعات.
الآن لم يعد الأمريكان يقبلون بما كنا نعاملهم به.. إنهم الآن يتحركون للسيطرة بأيديهم على كل مفاصل الحياة في بلداننا، وما يجري في العراق وأفغانستان وفلسطين والصومال والسودان وليبيا، تريد أمريكا تعميمه على بلاد العرب، الذين يتلهى حكامهم بعيدا عن الفعل الإيجابي الحضاري، الذي ينقذ أطفالنا من مستقبل العبودية والانحطاط.
الآن.. الأمريكان يحتلون كثيرا من عواصمنا، من خلال سفرائهم المتنفذين، أو قواعدهم العسكرية، كما قال كيسنجر.. ويحتلون بعض بلداننا بالحديد والنار، ويضعون على أجندتهم لتدمير عواصمنا الواحدة تلو الأخرى، وإلقائنا في الصحراء.. وهم لن يتركوا لنا شيئا إن استطاعوا.. فأي مؤتمر قمة هذا..؟ إن الشفقة تملأ قلوبنا على حكام العرب، ونحن نتحسس خوفهم من حبال المشانق الأمريكية أو السم الإسرائيلي أو الإعدام على طريقة القذافي.. ولكن أليس من الأجدر الموت بكرامة والدفاع عن أقدس القضايا، خير من تجرع كؤوس المهانة.