كيف لكم الدفاع عن خرجة بن غبريط الغريبة؟
راحت بعض الأقلام الشاذة، وهي لحسن الحظ قليلة جدا لا تعكر البحر، التي يعرف أصحابها “بخالف تعرف” في ردة فعل مغرضة تقف مدافعة عن رأي بن غبريط في إدخال الدارجة في التعليم من غير إعارة أدنى اهتمام لهذا الانحراف بالتربية والانحدار بها إلى الحضيض وإلى الأسوأ مما هي عليه ومن دون تحكيم للعقل وللنظر في العواقب السيئة التي تترتب عن هذا الإجراء، قلت راحت ترد على من استنكر خرجة بن غبريط رعمون ودعوتها المفضوحة إلى التعليم بالعامية، بأسلوب مغلف بالانتهازية والنفاق وتقذفهم من غير حياء ومن غير احترام للآخر، بالجهل وقلة المعرفة وتصفهم بشتى التهم (البعثية، الإيديولوجية، الإسلاموية… الخ)، وتعطيهم دروسا في مفهوم العامية، تحلل وتعلل محاولة حشر مجموعة من أقوال لفطاحل اللغة العربية أمثال الإبراهيمي وغيره من أجل إقناع الرأي العام بأن للدارجة مزايا وإيجابيات لا ينبغي التغاضي عنها، مشيدين بخبراء ندوة 25 و26 المزعومين.
وفهم أصحاب هذه الكتابات وحاولوا أن يفهموا مخاطبيهم على أن الذين نددوا بتحركات بن غبريط في هذا السياق هم ضد العامية أو لا يعرفونها. وهم بذلك يراوغون في إبداء الرأي ويظهرون أنفسهم على أنهم من يملك الحقيقة العلمية عن الموضوع (موضوع الدارجة) وأنهم يتحلون بالموضوعية وعدم الانحياز، غير أن تعابيرهم المشبعة بالأيديولوجية فضحت مشاعرهم ومواقفهم التي راحت تبرر الباطل وتدافع عنه.
ليس الأمر كما ترون أيها المدافعون عن العامية، فالعامية نعرفها، ونستعملها في مجالاتها التي تليق بها، ولا نحمل لها أية عداوة كما تتوهمون، فهي رافد من روافد العربية، ومن غير تغليط للرأي العام، ومن غير تفلسف وبعيدا عن التنظيرات الأكاديمية، فهي مستوى من مستويات العربية، ولكنه مستوى لا يرقى إلى مستوى الكلام الفصيح الجميل المحافظ على سنن العربية من نحو وصرف وتراكيب ونماذج للعربية الراقية التي تعمل المدرسة على نقلها وترسيخها لدى الطفل لكي تتكون لديه الملكة كما يقول ابن خلدون، وتصبح العربية أداة طيعة له يشق بها طريقه في ميدان تحصيل العلم والمعرفة، وبقدر ما يتحكم الطفل في هذه الأداة بقدر ما يكون مستواه الثقافي راقيا ومستواه العلمي رفيعا. وهذا لا يحتاج إلى دليل فخبراء اللغة يعرفون ذلك ولا أدري إن كان خبراء ندوة 25 و26 يجهلونها.
أما أن نقحم اللهجة العامية على لغة التعليم الرسمية التي هي العربية بحجة تدعيمها فهذا ما لا يستقيم مع أي منطق بيداغوجي أو تعليمي، بل على العكس من ذلك فهو يشوش على ذهن التلميذ ويعرقله في التعلم وفي اكتساب اللغة التي تعد هدفا من أهداف البرنامج، وأغلب الآراء تجمع على أن أية لغة مهما كانت، فرنسية أو انجليزية أو اسبانية أو غيرها لا تعلم بواسطة لهجاتها وإنما تعلم اللغة باللغة نفسها، ويراعى في ذلك التدرج، من المعلوم إلى المجهول، ومن السهل إلى الصعب، ومن البسيط إلى المركب… الخ.
إنه إذا كانت الدارجة موجودة في كل اللغات بشهادة علماء اللغة ومؤرخيها، وإذا كانت كل المجتمعات لها لهجاتها الدارجة، ولم نجد أية أمة تدرس لغاتها الرسمية بلهجاتها، فهل نحن أكثر منهم تطورا بيداغوجيا وعلميا وتربربويا؟
صراحة، لم نستوعب الهدف من اقتراح استعمال الدارجة في تعليمنا، ولم نقتنع بما قدم من حجج، غير أن هذه الحجج لا تذكرنا إلا بأطروحات الاستعمار الذي استعمل كل الوسائل للتضييق على العربية في الجزائر.
لقد سبق أن أشرنا إلى أن الدارجة هي رافد من روافد العربية ومستوى من مستوياتها، ولكن هذا المستوى لا يرقى إلى مستوى الفصيح الذي تعمل المدرسة على تلقينه للتلاميذ للارتقاء بمستواهم اللغوي والفكري والاجتماعي.
وحتى يتضح الحال مما نقول، نضرب مثالا، فنقول: إن الجملة العربية الفصيحة التالية: (جاءت فرنسا فلطخت أرضنا ولوثت فكرنا) تصبح هذه الجملة من الدارجة إذا شكلناها شكلا تاما بالحركات والسكنات غير المناسبة وحذفنا بعض الحروف واستبدال مخارج بمخارج أخرى إلى غير ذلك فتصبح الجملة دارجة كقولنا (جات فرنسا ولطخت أرضنا أوسخت أفكارنا).
إن الفرق واضح بين الجملتين من حيث جمال الشكل وقوة المضمون وطاقة التعبير التي تتميز بها الجملة الفصيحة عن الجملة الدارجة، ولا يحتاج إلى شرح كبير، لكن هذه الدارجة التي كانت صافية في وقت ما، وقت الأمير عبد القادر وبوعمامة وصالح باي لم تبق على ما كانت عليه من النقاوة والصفاء، وإنما أثقلتها المرحلة الاستعمارية برطانتها ولوثتها وأصبحت خليطا لا هي عربية ولا هي فرنسية ولا أمازيغية، فهي عبارة عن كريول (خليط).
هذا الكريول (لغة المستعمرات الخليطة) مثل ما نسمعه الآن في بعض القنوات السمعية البصرية، ومثل ما تريد بعض الجهات لهذا الخليط أن ينتشر والذي خطط له الاستعمار وثبته في بعض الدول والبلدان التي كانت خاضعة له.
لم يكن بلدنا العزيز في منآى وفي مأمن من هذا الوباء الخطير الذي يسمى الكريول، فقد عمل الاستعمار على التمكين له، محاولا إحلاله محل الدارجة النقية التي لا تعارض العربية ولا تجافيها وإنما تؤازرها وتسندها.
… يتبع
*مفتش متقاعد