-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

كَفَانا من الإنتاج العلمي الغثّ المتراكم !

كَفَانا من الإنتاج العلمي الغثّ المتراكم !
ح. م
تعبيرية.

في عالم أكاديميٍّ يركض لاهثًا خلف الأرقام، تتضخّم فيه المؤشرات كما تتضخم قوائم المراجع، تبرز فكرة أقرب إلى التمرّد الفكري: ماذا لو لم يُسمح للباحث بنشر أكثر من عمل واحد في السنة؟ يبدو الرأي صادما للوهلة الأولى، بل يكاد يكون انتحارا لأكثر من باحث ومؤسسة. لكنّ الأمر يتعلق بفكرة لم تولد من فراغ. فكلّنا نرى السباق المحموم نحو النشر، والأعداد المتزايدة للبحوث العلمية، مع وجود نظام نقدي منهك، ومجلات تحوّلت إلى ورشات ورق وملفات إلكترونية لا تتوقف. الكمّ يعلو على الكيف. وصارت المعرفة والعلم والبحوث فيه مادةً تُستهلك ولا تُهضم.

بحث واحد سنويا يكفي!

ذلك ما عبّر عنه وناقشه الأستاذ ميلان كوفاسيفيتش من جامعة ماستريش الهولندية في أسبوعية “أنباء الجامعات العالمية” اللندنية” داعيا أمام هذا المشهد المخيف، إلى أن نجرب العكس: ننشر قليلا ونفكر أكثر! أهو اقتراح حالم، أم بصيرة جاءت قبل أوانها؟ وتساءل كوفاسيفيتش، كما تساءل غيره من الذين يؤرقهم الوضع: هل يمكن لبحث واحد سنويا أن يعيد التوازن إلى ميزان البحث العلمي؟

يتفق الجميع على أن عديد القواعد في الأوساط الأكاديمية قد انهارت، غير أنه لم يُبذل الكثير لتغيير الوضع. ومع استمرار نمو عدد البحوث المنشورة عبر العالم، وعندنا أيضا، فإن الضغط على النشر العلمي يتزايد: لا يمكن لهيئات تحرير المجلات المحكّمة العثور على عدد كافٍ من المقيّمين (“الأقران”، كما يطلق عليهم في المجلات العالمية). وفي الوقت نفسه، وصلت ثقافة “النشر أو الهلاك” إلى حدود سخيفة: ينشر بعض الباحثين دراسة كل يومين، بينما يستمر آخرون في الظهور كمؤلفين في البحوث حتى بعد وفاتهم. وصار التلاعب بالاستشهادات بين الباحثين وبمؤشرات البحث في متناول الجميع ولا يتردد الكثير منهم بممارسة هذا العبث.

وبهذا الصدد يشير كوفاسيفيتش إلى أن هناك من تأمل في هذه الأزمة الناجمة عن القواعد المعمول بها في الأوساط الأكاديمية، وتوصل إلى حل مثير للجدل، منهم النرويجي أندرس أورتنبلاد والإستونية ريينا كوريس في الصيف الماضي حيث اقتراحا أن يقتصر الناتج البحثي على منشور واحد في السنة (مقالة أو فصل أو كتاب). ولم يكن هؤلاء أول من طرح مثل هذه الفكرة: ففي عام 2019، ناقشت الأستاذة أوتا فريث من لندن فكرة تقييد الباحثين ببحث منشور واحدة سنويًا. كما طرح أورتنبلاد وكوريس بعض الاقتراحات الإضافية، مثل إلزام الجمهور غير الأكاديمي بالتفاعل، وتقييم التدريس بنفس درجة تقدير البحث. ومع ذلك، يكمن جوهر اقتراحهما في الاعتقاد بوجوب فرض تقليل عدد البحوث المنشورة. يمكننا غض النظر عن الجوانب الفنية والتركيز على الأسئلة الجوهرية. هل يمكن أن يؤدي وضع حد أقصى للنشر إلى تحويل الحوافز من الكم إلى الجودة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي يعيقه؟

بين الكيف والكم

لا شكّ أن فرض حدّ أقصى للنشر يُعد خطوة قاسية، لكننا نستطيع أن نجادل ونقول: ما الحل إن لم نتخذ مثل هذه الخطوة؟ وكما هو الحال في أي شكل من أشكال الانتاج، فإن الإنتاج المفرط للأبحاث الذي نشهده اليوم يُحدث آثارًا سلبية، بل يُوصف بأنه نوع من التلوث. فبسبب الضغط المتزايد على النشر، ينتهي المطاف بكثير مما ينتج عن هذه “المصانع” الأكاديمية كنفايات فكرية: أكوام من الأوراق البحثية تُجمع فقط لتلبية “حصص الإنتاج”.

عندما يكون الحافز الوحيد هو الاستمرار في الإنتاج مهما كلف الأمر، فليس من المستغرب أن تعجّ منظومة المعرفة بأبحاث خاوية، “ويُكافأ أصحاب الإنتاج الأكبر سواءٌ أكانوا يزرعون زهورا نادرة بصبر أم يملؤون الرفوف بتقليدٍ بلاستيكي”.

إن العمل بنشر بحثٍ واحدٍ فقط سنويًا سيكون وسيلةً مباشرةً للسيطرة على الإنتاج المفرط للأبحاث والقضاء على التلوث الناجم عنه. وتكمن فعالية هذه الفكرة في بساطتها ومعالجتها لعدة مشاكل في آنٍ واحد. فهي تَعِد بإعادة تركيز البحث الأكاديمي على الجودة عوض الكم، مما يسمح له بإنتاج ثمارٍ أكثر نفعا وأقل تلويثا للعلم.

فبدلًا من إنتاج الأبحاث بكمياتٍ كبيرة واللهث وراء مقاييس الترقيات والتصنيفات السارية، سيتمكن الباحثون من التركيز على حل المعضلات الحقيقية التي تطرح أمام العلماء. ويمكن استثمار المزيد من الوقت في الدقة المنهجية والقراءة المُعمّقة والكتابة الواضحة. ويستطيع الأساتذة تكريس اهتمامٍ أكبر للتدريس وتوجيه الطلبة.

وحينئذ لن تضطر هيئات التحرير في المجلات العلمية والمقيّمون إلى التنازل عن التدقيق الدقيق. قد تُقيّم لجان التوظيف محتوى بحث المرشح بدلاً من مجرد إحصاء عدد مرات النشر وأماكنه. كما أن تخفيف الضغط على النشر من شأنه أن يزيد في راحة الأكاديميين ويَحُول دون إرهاقهم بما لا يفيد. ومن المرجّح أن تشهد أعمال الاحتيال الأكاديمي سقوطا حرا… سيما ما يُعرف بـ “مصانع البحوث”، وكذا احتيال الناشرين الاستغلاليين و”عصابات الاستشهادات”.

ومع ذلك…

قد تبدو فكرة فرض حدّ على نشر بحث واحد سنويًا مُقنعة، إلا أنها قد تكون سابقة لأوانها حسب كوفاسيفيتش. لأن تطبيقها سيُشكّل تهديدًا مباشرًا لنموذج عمل الناشرين الأكاديميين الرئيسيين الذين سيستخدمون نفوذهم المالي وعلاقاتهم المؤسسية لعرقلتها. وعلاوة على ذلك، فإن الانخفاض الحاد في إنتاج البحوث من شأنه أن يُقوّض هيكل المقاييس والتصنيفات الذي تعتمد عليه الجامعات لتحديد مكانتها وتمويلها.

من جهة أخرى، في ظل بيئة أكاديمية تنافسية دوليًا، يجب تطبيق هذا الإصلاح عالميًا. وإلا، ستواجه الدول والمؤسسات التي تتبنى حد النشر خطر التراجع في التصنيفات العالمية، وسيبدو الباحثون في النظام المقيد أقل “إنتاجية” وفقًا للمعايير التقليدية. لذا، فبينما يُعدّ هذا الإجراء ممكنًا من الناحية التقنية، فإنه يبقى بعيد المنال سياسيًا ومؤسساتيًا.

وبالنظر إلى مجريات البحث العلمي على مستوى العالم، يتضح أن مبدأ “النشر أو الهلاك” يمثل خللا نظاميا أعمق، وهو خلل يصعب إصلاحه بعلاج واحد، مهما كانت فعاليته. لا شكّ أن النظام الأكاديمي الحالي غير مستعد لحل جذري مثل الحد من النشر، ولكن أصبح من المستحيل، مع تفاقم هذه الأزمة، تجاهل الموضوع.

ما يمكن تأكيده أن الهيكل الدولي الذي تقوم عليه الجامعة والبحث فيها معرّض بأكمله لخطر الانهيار ما لم نسارع إلى إصلاحه. وبهذا الصدد، يقول ميلان كوفاسيفيتش: ربما يكون اقتراح أورتنبلاد وكوريس استفزازًا أكثر منه وصفة طبية، ولكنه يمثل قبل هذا وذاك تحذيرا ودعوة إلى العقل تستحق أن تؤخذ على محمل الجدّ. إن الطريق طويل، لكن النزاهة العلمية تدعونا إلى شقّ هذا الطريق. لعلّ السؤال الأجدر بنا ليس “كم نشرت”؟ بل “أي نافذة فتحتها في العلم؟ فالقيمة لا تُعدّ بكمّ المقالات، بل بما يبقى منها بعد القراءة، كما أن العِبرة ليست في الحصاد بل في نوعية الثمار.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!