الأديب والشاعر محمد ناصر في ذاكرة أبو القاسم سعد الله
ودعنا منذ أقل من ثلاثة أسابيع أحد أساطين الأدب والشعر وتاريخ الصحافة الجزائرية الدكتور الأديب محمد ناصر عليه رحمة الله، وبذلك تفقد الجزائر والجامعة الجزائرية والساحة الفكرية والعلمية والأدبية أحد الأسماء اللامعة التي كتبت اسمها بأحرف من ذهب في سجل الخلود المعرفي الجزائري، كيف لا وهو الذي ترك للخزانة البحثية عشرات المؤلفات والمقالات والبحوث والدراسات في شتى المجالات خاصة منها في التأريخ للحركة الأدبية والنشاط الصحفي الجزائري وكذا ترجمة للعديد من الشخصيات الوطنية الهامة في مسار النهضة الجزائرية..
وبرحيل الدكتور محمد ناصر بدأنا نحس بفقد جيل كامل من علماء الجزائر الذين كان لهم اسهام بارز في ميدان البحث العلمي طوال ما يقارب النصف قرن من الزمن وهاهم يترجلون الآن الواحد تلو الآخر وعزاءنا الوحيد في رحيلهم هو ارثهم المعرفي والفكري ووصاياهم الخالدة من أجل مواصلة المسيرة والحفاظ على مقومات هذه الأمة وسلامة تراب هذا الوطن.
لقد كان لي لقاء سريع وعابر مع الدكتور محمد ناصر ببلدة القرارة في احد التظاهرات الثقافية بمعهد الحياة العامر، فهو ذلك الرجل الوقور الهادئ الذي يشعرك اثناء الحديث معه والاقتراب منه يهيبة رجال العلم الذين نقرأ عن سيرهم في كتب السير والتراجم.
وقبل ذلك كنت قد قرأت العديد من مؤلفات محمد ناصر خاصة فيما يخص تأريخه للحركة الصحفية الجزائرية، وكذا ترجمته لبعض الشخصيات الوطنية على غرار الشيخ ابي اليقظان وعمر راسم وابي إسحاق اطفيش وغيرها من الشخصيات.
ولعل أول ما أطلعت عليه بخصوص علاقة الدكتور محمد ناصر بشيخ المؤرخين أبو القاسم سعد الله رحمة الله عليهما، هو تلك القصيدة التي ألقاها الدكتور محمد ناصر بمناسبة تكريم المؤرخ أبو القاسم سعد الله بوسام العالم الجزائري من طرف معهد المناهج بالجزائر العاصمة وهي القصيدة التي استحسنها وأثنى عنها سعد الله بعد ذلك في مذكراته “مسار قلم”.
وعند سماعي بخبر وفاة الدكتور محمد ناصر يوم 20 أوت 2025 استعدت ذلك المقطع المصور لقصيدته في مدح شيخ المؤرخين وجاءت فكرة هذه المساهمة من خلال ما دونه شيخ المؤرخين حول الأديب محمد ناصر حفظه الله في مذكراته مسار قلم في 10 أجزاء كاملة، على أمل أن نصل الى ما كتبه الدكتور محمد ناصر حول شيخ المؤرخين من خلال الرسائل المتبادلة بينهما في المستقبل ان شاء الله.
يرجع أول ذكر للدكتور محمد ناصر في مذكرات شيخ المؤرخين أبو القاسم سعد الله ضمن الجزء الثالث وبالضبط ليوم 5 جانفي 1973 ويذكر فيها أبو القاسم سعد الله أنه حضر ندوة بعنوان “الأمسية الشعرية” والتي اشرف على تنظيمها طلاب الآداب وحضرها عدد من الأساتذة واشترك فيها حوالي تسعة شعراء منهم ثلاثة مساعدون من الأساتذة، وكما يذكر أبو القاسم سعد الله “كان الشعراء شبابا يبشرون بخير في الحركة الشعرية الجزائرية”، وذكر منهم عبد العالي رزاقي ومصطفى صواقوآيت حمو، ومحمد ناصر.
اما في الجزء الرابع فتحدث الدكتور أبو القاسم سعد الله عن الأديب محمد ناصر من خلال لقاء جمعه بمشرفه عن أطروحة الدكتوراه وهو الدكتور شكري فيصل، ويقول أنه التقى به في دمشق يوم 28 جانفي 1977 ولقد حمله الدكتور شكري فيصل رسالة لطالبه محمد ناصر ولكن المهم في هذه الومضة السريعة هو ما ذكره شيخ المؤرخين في هامش الصفحة عند ذكره للطالب محمد ناصر قال معرفا به في الهامش ما يلي ” هو الأديب البارع والباحث الخبير، محمد ناصر كان مسجلا للدكتوراه على الدكتور شكري فيصل”.
اما في الجزء الخامس من مذكراته فيتحدث شيخ المؤرخين عن زيارته لبلدة العطف بولاية غرداية رفقة كل من الاخوين عبد الرزاق قسوم ومحمد الهادي الحسني وكان ذلك في منتصف شهر ماي من سنة 1990، وكان ذلك بمناسبة ندوة تأبينية للشيخ المصلح والمربي الحاج أيوب إبراهيم القرادي الذي وافاه الأجل في المدينة المنورة كما يذكر سعد الله، كما يذكر أنه أقام في بيت “خير الناس” وهو اسم لعائلة أو عشيرة هناك، ويقول كان رفيقنا خلال مدة الإقامة الدكتور محمد ناصر الذي عرفهم على عدد من العائلات العريقة بالمنطقة.
وفي الجزء السادس وفيه قسم هام من فترة تواجد شيخ المؤرخين بالولايات المتحدة الامريكية فيذكر انه بتاريخ 16 أكتوبر 1993 وصلته رسالة من الدكتور محمد ناصر الذي يدرس في سلطنة عمان ويقول سعد الله ” يخبرني عن أحواله وأحوال البوسنة كما يتصورونها ومع الرسالة فتوى من الشيخ محمد الغزالي لأمراء وحكام المسلمين ورسالة من رئيس وزراء بريطانيا الى وزير خارجيته يخبره فيها انه لابد من منع قيام دولة إسلامية في أوروبا.
كما يذكر سعد الله في مناسبة أخرى بوصول رسالة من طرف الدكتور محمد ناصر من سلطنة عمان وهي بتاريخ 23 جوان 1994 ولكن لم يقدم شيخ المؤرخين أي تفاصيل بخصوص هذه الرسالة.
وفي فترة تواجده بالأردن فيدون سعد الله بتاريخ الخميس 27 فيفري 1997 أنه استلم كتاب عن ابي اليقظان لمؤلفه محمد ناصر وهو كتاب كان قد طلبه من صديقه الشيخ احمد بن السائح وذلك من اجل اكمال ترجمة للشيخ ابي اليقظان كان أبو القاسم سعد الله يعدها.
وفي الجزء السابع وفي رحلة قادت شيخ المؤرخين نحو سلطنة عمان في شهر ديسمبر 2001 يذكر انه تواصل عن طريق الهاتف مع الدكتور محمد ناصر وتواعدا من أجل اللقاء في مسجد السلطان قابوس بعد صلاة التراويح ولكن لم يسعفهم الحظ للقاء بسبب الزحام الشديد في المسجد وهنا يذكر شيخ المؤرخين بعد الانطباعات التي استقاها كما يقول من بعض المقربين حول الدكتور محمد ناصر فيقول ” انه تغير كثيرا عما كان عليه واصبح منزويا وساخطا على جامعة الجزائر لانها لم تعترف له بالترقية، والله أعلم. ان كل ما أعرفه عنه انه كان نعم الأستاذ والاديب والباحث الدقيق، وكان على صلة طيبة بي وقد اهداني سابقا معظم كتبه وهو الآن في عمان لمدة فصل واحد اذ يستعينون به ويستشيرونه كما أخبرني الدكتور زين العابدين ولا يأتي الا لمدة فصل في السنة بعد أن أقام بينهم سنوات، وهو يسكن الجزائر بين مزاب والعاصمة، وهو من أبرز باحثي أهل ميزاب في وقتنا” كما يضيف الدكتور سعد الله في الهامش توضيحا آخر ” يبدوا ان اصابته بالعجز الكلوي وضرورة تصفية الدم عدة مرات في الأسبوع قد أثرت على معنوياته، ولكن ارادته الحديدية ابقته يشتغل فكريا دون توقف وقد أنتج عدة أعمال وهو في هذه الحالة”.
بعد وفاة شيخ المؤرخين أبو القاسم سعد الله عليه رحمة الله ظلت الأجزاء الثلاثة من مذكراته قيد المتابعة من طرف المكلف بالنشر الى غاية سنة 2024 حيث صدرت الأجزاء الثلاثة المتممة لمسار قلم التي تروي مسيرة شيخ المؤرخين أبو القاسم سعد الله عليه رحمة الله.
في الجزء الثامن وبتاريخ يوم 6 جوان 2004 يذكر سعد الله انه قام بزيارة الأستاذ محمد ناصر برفقة الدكتور عبد الرزاق قسوم، وذلك بمنزله بالجزائر العاصمة، ويقول سعد الله ان الدكتور ناصر يعاني من الكلى وهو يقوم بالتصفية ثلاثة مرات في الأسبوع وهو بخير في ظاهره ولكن المعاناة لابد منها، ولقد وجده خلال هذه الزيارة يعد قصيدة بمناسبة تكريم الشيخ عدون من طرف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، واهدى شيخ المؤرخين للدكتور ناصر كتاب “اعيان من المشارقة والمغاربة”، واهداه محمد ناصر مجموعة من “القصص الحقق” الذي يعده للأطفال وهو عمل جيد يخدم به الإسلام والتربية الإسلامية نفع الله به كما يعلق سعد الله عن المجموعة. ويقول سعد الله ان هذه الزيارة الأولى له لمحمد ناصر منذ لقاءه بالعاصمة العمانية سنة 2001.
وبعد سنتين من هذه الزيارة يذكر سعد الله انه في يوم الاثنين 10 افريل 2006، يقول أنه قام بزيارة كلا من الدكتور محمد ناصر والشيخ عبد الرحمن شيبان وكان يرافقه في هذه الزيارة الشيخ محمد الهادي الحسني.
وفي السنة الموالية 2007 كانت هذه السنة خاصة بالنسبة لشيخ المؤرخين نظرا لتكريمه بوسام العالم الجزائري من طرف معهد المناهج بالجزائر العاصمة، ويذكر في مذكراته بتاريخ يوم الخميس 3 ماي 2007 أنه تم تكريمه يوم الأربعاء 2 ماي 2007 بهذا الوسام ويقول ان الحفل كان يضم عدة فقرات من بينها قصيدة لمحمد ناصر التي كانت جميلة ومؤثرة رغم معاناته مع مرض السكري كما كتب شيخ المؤرخين.
وبعد سنة واحدة من هذا التكريم، تم تكريم الدكتور محمد ناصر من طرف نفس المعهد وذكر سعد الله في مذكراته بيوم الأربعاء 2 جويلية 2008 انه كتب كلمة بهذه المناسبة ونشرت بجريدة الخبر.
وفي سنة 2009 وفي نفس المناسبة وأثناء تكريم الشيخين عبد الرزاق قسوم ومحمد الهادي الحسني حضر الشيخ سعد الله لحفل التكريم ويذكر انه جلس بين الشيخين محمد ناصر والشيخ ناصر بوحجام.