-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

لم أرد الكلام ولكن!!

التهامي مجوري
  • 4044
  • 14
لم أرد الكلام ولكن!!

كانت عين الفوارة بمدينة سطيف خلال الأيام القليلة الماضية حديث الناس، بسبب عملية التخريب التي طالت تمثال المرأة العارية المنتصبة في وسطها، والهجوم الشعبي الذي تعرض له الرجل الذي أطلق عليه إسم “صاحب المارطو” (المارطو اسم المطرقة باللغة الفرنسية)، لأنه كان يحمل مطرقة شرع في تحطيم التمثال بها.. فرجم بالحجر والألواح والحديد…إلخ، كما يرجم الشيطان في منى.

لقد تابعت ما أثير كلام ولغط ولغو حول هذا التمثال، وما تعرض له من إيذاء..، ولاحظت أن شرائح المجتمع كلها تحركت للمساهمة في تسجيل الموقف، استحسانا وشجبا وتهديدا وتعبيرا عن التجاهل..، ووظفت فيما أثير جميع الأبعاد الاجتماعية والثقافية والدينية والسياسية، ولكن كل ذلك كان غالبه بحسابات تنبئ بأزمة ثقافية وسياسية حادة واضطراب في الهوية، بحيث لم نلاحظ -إلا القليل- ممن تناول القضية بتحليل موضوعي سواء بالبحث في المبررات الحقيقية لهذا الفعل الفجائي، أو بتفسيره بناء على خلفياته التي يرتكز عليها تبريرا له…، أو باستنكار الفعل باعتباره جريمة وما شابه ذلك…

لقد اعتبر البعض أن هذا الفعل “تخريب التمثال” فعل سياسي تنفيسي للمجتمع الذي ضاقت به الأرض بما رحبت، جراء الانسداد السياسي والاضطراب الاجتماعي والأزمة المالية والاقتصادية؛ بحيث بلغ مستوى من الاحتقان يتطلب التدخل بالتنفيس عليه بفعل ما فهو معرض للانفجار لا قدر الله، وذلك يعني أن هذا “الحدث” مصطنع لإلهاء الناس عن الحقائق التي على الأرض، حتى وإن كان الفعل معزولا، قام به شخص لا علاقة له بأصحاب القرار، لأن تناول الموضوع بهذه الصفة وتضخيمه بهذا الشكل، هو استثمار سياسي في الموضوع للتنفيس على الناس، وإشغالهم عن المهم بالأقل أهمية.

كما اعتبر آخرون أن الذي قام بالتخريب له ملامح المتدين، فهو ملتحي ويرتدي قميصا، وإذن فالباعث على التخريب دافع ديني، فاندلعت المناقشات حول مشروعية تخريب هذا التمثال من عدمه، على اعتبار أن الموقف الشرعي من التماثيل معروف في الفقه الإسلامي، والنتيجة كما هو معلوم عراك بين الموافق والمخالف، ربما ارتقي في بعض الأحيان إلى مستوى اتهام المتجادلين والمتحاورين لبعضهم بالبعض بالتسيب وعدم احترام الدين والتحلل منه، وربما انتقلوا إلى تكفير بعضهم البعض…، وإلى جانب ذلك النقاش، فرصة التغريبيين للنيل من خصومهم الطبيعيين.. المتزمتين الذين لا يعيرون للفن اهتماما!!

وفريق ثالث يرى أن هذا الفعل من ورائه جهات مشبوهة تريد زرع الفتنة والبلبلة في نفوس الناس، لما يعرفون من تعلق الأسرة السطايفية بهذه العين وتمثالها، كعادة وواقع متوارث، لاسيما أن عملية التخريب هذه قد تكررت للمرة الثالثة على التوالي: سنة 1997 و2006 و2017، والتكرار يعني التعمد والإصرار، بينما يرى آخرون أن هذا الفعل عبارة عن رد فعل اجتماعي، عبر به هذا الشخص الذي قام بالتخريب، احتجاجا على الواقع الاجتماعي الذي يتدحرج في التدني يوما بعد، فكان الفعل عبارة عن فعل اجتماعي أكثر منه تخطيطا وبرمجة وما إلى ما هناك من التوقعات المحتملة.

لا شك أن تحاليل المحللين وعرض الإعلاميين غير بعيد عن الاحتمال في بعض جوانبه، أي في علاقة هذا الفعل بكل ما ذكر، لاسيما وأن هذه الاحتمالات كلها لها ما يسندها في الواقع الذي يعيشه الناس؛ لأن بلادنا بالفعل تعاني من الكثير من الأمراض المزمنة، وواقعنا الاجتماعي لا يبشر بالخير، وواقعنا السياسي لا يبعث على التفاؤل…، ولكن المفاجئ في الموضوع هو أن الفاعل في تخريب عين الفوارة دائما مصحوبا بأمور غير طبيعية، حيث أن الفاعل هذه المرة مختل عقليا وقيل هو عسكري سابق، وفي سنة 2006 كان الفاعل شابا مزطولا من الشباب المدمن على تعاطي المخذرات، وفي سنة 1997 كانت البلاد في أزمة أمنية قتل فيها العباد، وفجرت فيها المؤسسات، ولم تخرب التماثيل فحسب..        

ولكن يبدو أن المجتمع عندما تبلغ أزماته حدا معينا من التردي والإنحدار يفقد بوصلته، فيصبح يبحث عن مواضيع للنقاش ليصل إلى مشجب يعلق عليه مصائبه ومآسيه، فيجرم زيدا، ويثني على عمرو، ويسب فلانا ويلعن علانا…، ليرتاح زمنا، كمن يتناول مخدرا ليهرب من الواقع زمنا ينسيه مآسيه، فكان الحديث عن هذا التمثال “التحفة التريخية” وعن الرجل الذي حاول تخريبه، بمثابة الحدث الذي ينتصر به الناس على أمراضهم ومشكلاتهم التي يعانون منها!!

ولكن ما يحز في النفس ولا يسر حرا في هذه البلاد، هو أن يعتبر “تمثال عين الفوارة” جزء من هوية المواطن السطايقي، أو من هوية مدينة سطيف نفسها..، إنها خدعة كبيرة وكذبة أكبر، أن يعتبر تمثال عين الفوارة جزء من شخصية سطيف؛ لسبب واحد وبسيط وهو أن هذا التمثال، الذي هو لامرأة عارية طولها متران، نصبته فرنسا في سنة 1899 في قلب مدينة سطيف وسط ثلاثة معالم دينية: المسجد العتيق، والمعبد اليهودي، والكنيسة النصرانية، نحته الفرنسي فرانسيس دو سانت فيدال، الذي اشتهر بنحت النافورة الضخمة التي نصبت تحت برج إيفل لمعرض باريس العالمي، وبطلب من رئيس البلدية يومها أوبري سنة 1896، فانتهى النحات من صنع التمثال في النصف الأول من سنة 1898، وعرضه في معرض باريس العالمي في نفس العام، قبل أن يبعثه إلى مدينة سطيف.

ووضع هذا التمثال في هذا الموقع بالذات، كأنه تحد للدين بجميع شرائعه السماوية: اليهودية والنصرانية والإسلامية، وليس مجرد تحفة فنية تزين بها المدينة في ذلك الوقت. ثم إن الموقف من هذا المعلم التاريخي الاستعماري، كان ينبغي أن يكون وفق الموقف المبدئي من الاستعمار ومخلفاته السيئة السياسية والإجتماعية والأخلاقية…، فكم من تمثال ترك بعد فرنسا واستبدل بما هو خير منه؟ تم ذلك في الكثير من المدن الجزائرية؛ لأن الثقافة الغربية عموما والثقافة الفرنسية خصوصا، ثقافة التماثيل ونجمة داوود، ويمكن لكل أحد أن يتأكد من ذلك بملاحظة مداخل العمارات التي بنتها فرنسا خلال الفترة الاستعمارية، والأماكن العمومية كالساحات والجنائن العامة وغيرها…، تخليدا لرجالهم ونسائهم وقياداتهم العسكرية والسياسية والثقافية والدينية، وإلى عهد قريب جدا كانت هناك صورة لشجرة بالألوان في مدخل مسجد كتشاوة في الجانب الأيمن لباب المسجد الأيمن، وعلى يسار الداخل للمسجد، ومن يدقق النظر يكتشف بداخل الجرة “إسم القديس بول SP Saint Paul. فلماذا هذا التمثال بالذات تكون له هذه القداسة دون غيره؟ بحيث يلحق بالهوية الوطنية..!!، وإذا كانت هناك مرجحات لهذا التمثال دون غيره، فما هي هذه المرجحات؟ أهي المرأة العارية؟ أم هي العين الباردة في الصيف والدافئة في الشتاء ببركة هذه “المادام” الماثلة للأعين عارية كما خلقها نحاتها؟ ثم أي ذوق في وجود تمثال لامرأة عارية في وسط المدينة..؟ اللهم لا ذوق لهذا المشهد إلا العادة التي اعتادها الناس فاعتبروه لازمة لا محيد عنها..، كما اعتبرتها السلطة معلما ثقافيا تصرف عليه الملايير وتجلب له النحاتين العالميين ليحافظوا عليه من بداوة العرب والمسلمين !!، وبهذه المناسبة أرجو من أهل الإختصاص من الباحثين في الفنون الجميلة، أن يكشفوا لنا عن هذه المرأة من هي؟ وما مكانتها في قومها؟

ومع كل هذا لا أرى أن هذا الموضوع والكلام فيه من الأولويات لاسيما في هذا الظرف بالذات الذي لا يأمن فيه الواحد منا على نفسه ولا على بلاده ولا على مستقبلها، ولكن واقعنا البائس يجرنا أحيانا إلى الكلام في شيء قد لا يكون له معنى.. فاعذروني إذا شعرتم من كلامي أنني أخالف معتقدي

فلله الأمر من قبل ومن بعد

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
14
  • العلم نور

    عندما تقول على تمثال مصنوع من رخام بانه امراة عارية
    فهذا دليل كافي على التخلف و الكبت الجنسي الذي تعاني منه الامة مكبوتة
    فلا داعي لكثرة الكلام فعقولكم صغيرة صغيرة جدا و عقلياتكم وقحة
    انتم من جلب الخراب و الدمار انتم من تسببتم في العقد النفسية عند الاطفال
    انتم من لديه اصنام و عراء فاضح في داخل جماجمكم ذباب و خواء
    رخامة نويتوا عليها عيب

  • عميروش حابو

    العري رالسفور والطقوس البالية ليست حضارة يا هذا راجع معلوماتك قبل أن تتحدث عن شيء فوق إدراكك المعرفي ثم إقرأ المقال الصحفي جيدا لهذا الصحفي الذي جاء بالحجة الدامغة والدليل الذي لا يقبل التأويل والشك

  • عميروش حابو

    هل الحضارة عندك هي العري والتفسخ لماذا لم تأخذوا صرامتهم في تطبيق القوانين عندهم وإقتصادهم وتعليمهم وتقدمهم في شتى مجالات الحياة ثم هل تظن أن كل ما تركه الاستدمار الغرنسي تراثا فبئس هذا التراث وإذا كنت تظن أن العري والسفور حضارة وتقدم فكيف تسمي التستر والاهلاق العالية؟

  • ناصر المهدي

    قالك واحد شرى سيارة جديدة اصتدم بحائط فاغمي عليه و عندما فطن سالوه عن حاله فقال " راني لا باس خبروني مولات الحايك واش صرالها..(.الوسادة الواقية )اعتقد انه اصطدم بامراة و الحديث قياس اتعتقدون ان لهذه العارية قيمة. l 'air bag

  • فوضيل

    طوال سنوات من القراءة في كتب التاريخ والتراث لم اجد واقعة تحطيم او تكسير لاي اثار ( باستثناء ما تفعله داعش) وعدم هدمها طوال السنين دليل على ان المسلمين فهموا الغاية من هدم الرسول لتلك الاصنام (اوثانا) لانها كانت تعبد من دون الله ولان تلك الاثار اليوم لا تعبد من دون الله فلا ضرورة لهدمها.

  • الباحث الفاحص

    وما تقول في الأصنام التي حطمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم الفتح الأكبر؟أليست هي كذلك؟

  • ماجدة

    السلام عليكم انها خدعة كبيرة وكذبة اكبر أيضا اسطورة ماما بينات الراهبة الهولندية التي اصبح ضريحها من بين المعالم الاثرية والسياحية في بني حواء مدينة تنس التي تعود قصتها الى سنة 1802 حيث تحطمت السفينة ونجت ومن معها من الغرق وتعلق بها الاهالي فكانت تداوي المرضى وتعلم البنات الاعمال اليدوية وبعد وفاتها اصبحوا يحجون الى قبرها ويتبركون عنده وينذرون النذر وايضا قرأت في احدى الكتب ان قبر تيمورلانك في سمرقند تعلوه قبة خضراء مكتوب عليها ايات قرانية والناس يحجون اليه كأنه اله يعبد والعياذ بالله

  • الطيب

    الحمد لله أن منا بقية باقية تنكر مجسم لامرأة عارية تخدش حياء المارة في الشارع ...و الحمد لله أن منا مَن يتحدث و يخاف على الثقافة و التاريخ و الفن و لكن يجب أن نفهم و نعلم علم اليقين أيضًا أنّ هناك الاحتلال الثقافي و الاحتلال التاريخي و الاحتلال الفني للشعوب تمامًا مثلما نفهم معنى الاحتلال العسكري جيدًا !
    علينا أن نبرز لأنفسنا و لغيرنا ثقافاتنا و تاريخنا و فنوننا ، لا أن نختلف و نتطاحن على فن فرنسي محتل بثقافة فرنسية محتلة و محتلنا يضحك علينا و على غبائنا !

  • بدون اسم

    وفي كل الاحوال نحن سكان سطيف نعتبره عمل فني لا اكثر ولا اقل

  • نصيرة/بومرداس

    استاذ مع احترامي...لكن اعتقد ان الاعلام هو من روج كثيرا لهذه القضية واعطاها حيزا كبيرا ...عجيب امر الشعب امراة عارية تعالت الاصوات المنددة والمؤيدة... ولماذا لم نسمع الاصوات تتكلم عن قانون المالية و زيادة الاسعار ... ام انها خطة لالهاء الشعب عما هو اهم.

  • فوضيل

    الآثار من القيم التاريخية والإنسانية التي ينبغي عدم مسها بسوء، وهي إرث إنساني يجب الحفاظ عليه، ولا يجوز الاقتراب منه أبدا....تحطيم وتكسير للاثار والتماثيل التاريخية ومعاداة الفن بصفة عامة قضية يؤمن بها الكثير من"هؤلاء"انطلاقا من معتقادتهم الدينية.والفعل الشنيع الذي قام به يعد جريمة كبرى في حق العالم و لكن ما شدني بشدة هو اعتراض الكثير من المسلمين على فعلته في حين نرى جزائريون اخرون يصفونه بالبطل المغوار..فعلا نحتاج الى اعادة صياغة ديننا من جديد..حتى نأخذ موقفا واضحا من التحضر و الحضارة.

  • حسن بن عبد القادر

    ان من كذب بسورة التين و اتهم أهلها زورا وبهتانا بالسحر و الدجل و الشعوذة ليس لنا كمؤمنين موحدين لله وحده عز و جل جلاله لا شريك له في الملك و بنبينا محمد عليه أفضل الصلاة و التسليم أن نضرب لهم موعدا لا نخلفه نحن و الملحدين و كل ممثلي الديانات و النحل هو موعد يوم الزينة و أن يحشر الناس ضحى كما فعل موسى مع فرعون....هناك سيعلم السحرة صدق دعوة نمبينا محمد لتوحيد الله و أن الاسلام هو طريق النور الرباني المستقيم الذي بهدي للتي هي أقوم لعل الكافرين يرجعون عن غيهم.....هذا هو سبيل المجادلة بالتي هي أحسن

  • عابر سبيل

    موقف الشعب معروف لانه مسلم ومحافظ وبالتالي فرفض تنصيب هذا التمثال الاباحي هو موقفه الطبيعي

  • بدون اسم

    السلام عليكم
    شكرا استاذ
    .. مصائب قوم
    .. هاد التمثال راه في قرن وزمارة ،
    أعلاه في هاد الظرف بالذات جاء التخريب !
    - قالوا السيد مجنون حسب ما قرأنا في الجرائد ،
    .. أنظن كاين البعض من الناس لا يستطعون العيش في الهدوء ،
    أو والفو التخلاط لاقيين راحتهم ؟؟؟؟!!
    لي - فينا يكفينا
    الله يهدينا
    أعتذر عن هذا التعبير
    وشكرا