لماذا لا نستورد “أطباءنا”؟
فتحُ مكاتب صحّية، في قلب وهران والجزائر العاصمة، لأجل نقل المرضى الجزائريين إلى مستشفيات مجمّع “أجيباديم” التركي، هو دليل آخر على رفع الجزائر الراية البيضاء في قطاع حسّاس، لم تكن بلادنا بعيدة فيه عن المستوى العالمي بهذه المسافة الشاسعة، ونخشى أن ننتهي إلى نقل المصابين بتسوّس في أسنانهم وختان الأطفال إلى الخارج، بعد أن بلغنا حدّ التشريق نحو تونس في اختصاصات كان الطلبة التونسيون، ينهلون منها من معاهد الطب الجزائرية.
وإذا كانت وزارة الصحة هي القطاع الوحيد الذي نجا من مقص التقشف في ميزانية قانون المالية 2017، فإن الأداء، وربما الأفكار لم تكن في مستوى هذه الميزانية، التي لا تزال تصبّ في غير مكانها، وحتى القطاع الخاص، اكتفى بجمع المال من العمليات القيصرية وجراحة الزائدة الدودية، وترك الجراحة الدقيقة والأمراض المستعصية للأتراك والتونسيين، الذين نجدهم أحيانا يستعينون بالخبرات الجزائرية التي هاجرت إلى أوربا، ونجحت في تطبيب الآخرين.
منذ أكثر من عقد، والجزائر تبحث عن نجوم الكرة، الذين يتألقون في بلاد الغرب من أصول جزائرية، ونجحت في خطف الكثير منهم، من الذين مكّنوا الجزائر من لعب كأس العالم في مناسبتين متتاليتين، ولم نسمع عن أي جهد لأجل استرجاع العشرات من الأطباء المختصين، لأجل مداواة مرضانا، بالرغم من أن الإحصاءات الفرنسية أكدت وجود ما لا يقل عن خمسة آلاف طبيب جزائري يصنعون ربيع المستشفيات الفرنسية، وغالبيتهم من الذين تتلمذوا الطب في المعاهد الجزائرية، ولكنهم غادروا البلاد وتركوا “المرض” وحيدا، يعيث فسادا في الأبدان وفي الأرواح، وفي المنظومة الجامعية والصحية الجزائرية، بدليل أن الجزائريين صاروا يستوردون ابتساماتهم وراحتهم من مستشفيات الأردن وتونس وتركيا، ولا نقول من المستشفيات الأوروبية العريقة، وأمة جزائرية قائمة بذاتها، من الأطباء تعيش في بلاد أوربا، لا أحد تذكر بعض عناصرها، كما فعلنا مع محرز وبراهيمي وغلام، وحتى مع مبولحي وكادامورو.
لقد تحدث وزير الصحة، عبد المالك بوضياف، عن بعث مشروع لإنجاز مستشفيات كبيرة في مدن الجزائر، لا تختلف عن المستشفيات متعددة الجنسيات الموجودة في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وتركيا، ولكن المشروع سقط في الماء، بحجة التقشف الذي أتى حتى على الإنجازات التي تدر على البلاد العملة الصعبة، أولا بتوقيف تصدير المرضى إلى الخارج واستيراد الابتسامة، وثانيا بمحاولة وضع الجزائر بموقعها الجغرافي كنقطة صحية كبيرة في المنطقة، وسيكون من التبذير تكوين هذا ا”الشعب” من الأطباء في مختلف الكليات، واستيراد هذا الكمّ من الأجهزة الطبية المتطورة، ولسعة بعوضة تحوّل مرضانا إلى خارج الوطن، تماما كما يحدث في عالم كرة القدم عندنا، حيث تقام بطولات مثيرة وعنيفة في مختلف الأقسام تصرف عليها الدولة آلاف الملايير سنويا، وتبني لها الملاعب والصالات، ولا تستطيع هذه البطولات مجتمعة تقديم لاعب كرة واحد، يستحق تقمص ألوان المنتخب الجزائري، حيث يُجمع كل الجزائريين على ضعف المنظومة الكروية الجزائرية مثل منظومتنا الصحية.