لماذا ليس لدينا خطة للتقدم؟
ففي كتابه”اكتشاف قارة” قال الكاتب المصري الراحل يوسف إدريس “لا يوجد تقدم بدون خطة”، وهذا ما نجد له مصداقية في الدولة الحديثة في الجزء المتطور من العالم، التي تتميز بأنها تقوم على التخطيط المحكم على المدى القصير، والمتوسط والبعيد، وذلك في جميع مجالات البناء الثقافي، والاجتماعي، والاقتصادي، والمعماري، والعلمي والتعليمي وهلم جرا، في مثل هذا النوع من الدول لا يوجد مكان للارتجال أو للتلقائية الساذجة، ومن المعروف أيضا أن تحقيق أهداف التقدم بكل أشكاله ومضامينه مرهون بإسناد مثل هذه المهمة للكفاءات الوطنية المستوعبة للفكر النظري والعلمي في أرقى مستوياته وبتقديم الإمكانيات لها لكي تنجز التحديث في ظل مناخ يشجع على الإبداع.
مما لاشك فيه هو أن بلداننا تزخر بالثروات المادية، وبالطاقات الفكرية والعلمية، ولكن المشكل الجوهري الذي يحول دون استغلال هذه الثروات، وهذه الكفاءات يعود أصلا إلى مجموعة من العوامل وفي مقدمتها عدم وضوح مشروع بناء الدولة الوطنية على أسس العلم والثقافة والجماليات المتطورة، وإلى تعطيل النخب القادرة على الإقلاع التحديثي، وإلى تفريغها من وازع الإبداع بسبب التهميش الذي تتعرض له باستمرار، إن مهمة التحديث مشروطة بالطاقات الذاتية وباستيعاب التجارب الإبداعية المختلفة التي خاضتها الدول المتقدمة، والمتطورة في الغرب، وفي آسيا، وأمريكا اللاتينية للتعرف على خصائصها، والآليات المستخدمة لتحقيق الانجازات النوعية التي جعلتها تقفز بعيدا عن التخلف، إلى جانب هذا فإنه من الأساسي القيام بدراسة هذه التجارب من جميع جوانبها الثقافية، والفكرية، والنفسية، والسياسية، والاجتماعية، والتقنية.
وفي هذا الإطار فإن ثمة نماذج في بلدان العالم الثالث سابقا التي تمكنت من الدخول إلى فضاء التقدم في فترة زمنية محددة منها تجربة اليابان، وتجربة الصين، وكذا تجارب الدول التي تدعى بالنمور الاقتصادية التي ينبغي اعتبارها كعينات للتأمل، والفحص والتحليل العلمي.
من البديهي القول بأن مثل هذه التجارب الناجحة في عالمنا لم تنجز بجرة قلم بل فإنها قد فجرتها الشروط الثقافية والنفسية والمادية والبشرية المتميزة، ولذلك فإن نتائجها لا يمكن أن تقلد تقليدا حرفيا بدون توفير شروط موازية لها خصوصيتها وفرادتها، وبهذا الخصوص فإن الذي ينبغي عمله أولا هو استيعاب الروح الفكرية، والأخلاقية، والعلمية، والسياسية والاجتماعية التي فجرت الطاقات الإبداعية في فضاء التجارب المتطورة. فالصين الشعبية، على سبيل المثال، قد نفذت سياسات خلق الشخصية القاعدية في المجتمع الصيني يرتكز أساسها على“ثقافة الاعتماد على النفس” لتنفيذ مخططاتها الوطنية المدروسة في مجالات الصناعة، والتكوين المهني الحداثي، والزراعة، والتنظيم الاجتماعي، والتعليم، والثقافة والتكنولوجيا.
ومن أبرز العناصر التي جعلت الصين تتحوّل إلى دولة قوية نجد عنصر“الفلسفة الجماعية” السائدة في الحياة الوطنية عملا وسلوكا، حيث يعتبر هذا العنصر بمثابة الناظم النفسي والاجتماعي والثقافي لدى الأفراد المرتبطين ارتباطا عضويا، وبهذا الخصوص تبرز الدراسات الغربية الاستراتيجية المكرسة لفهم بنية المجتمع الصيني أن التخطيط في الصين ينطلق من الوازع “الجماعي” لنزع الكولونيالية عن طريق الاستقلال الثقافي واستقلال الهوية الصينية.
ففي مقارنة أجراها الكاتب الروائي الايطالي الشهير ألبرتو مورافيا بين الصين وبين أوروبا فقد لاحظ “أنّ الأدب هو الذي سيكشف عن الفرق بينهما وبشكل رئيسي بين ثقافتنا وبين الثقافة الصينية“، ثم يضيف مبرزا الخصوصية المتفردة للصين قائلا:”لا ينبغي أن ننسى بأن الصين قد تطورت بمعزل تقريبا عن أي تبادل أو بدون أي علاقات مع أوروبا” إن هذا الاعتماد على النفس الايجابي هو الطاقة الحيوية التي لعبت دورا حيويا في خروج الصين من فلك العالم الثالث المتخلف، ويوضح ألبرتو مورافيا أن التساوي والتشابه بين الجماهير في الصين هو أخلاقي، وأن الثقافة وفقا للمفهوم الصيني تعني السلوك والأخلاق إلى جانب كونها معارف أدبية وفنية وعلمية.
أما نموذج اليابان الحداثي المتطور فكانت ركيزته تتمثل في تنفيذ مخطط الحداثة التكنولوجية، والاقتصادية عن طريق استيعاب التقدم التكنولوجي الغربي ومؤسساته السياسية والفكرية والعلمية على نحو متزامن مع التمسك بخصوصية تاريخها وبهويتها الثقافية والروحية، على ضوء ما تقدم، فإن تكوين الإنتلجنسيا المفكرة والمخططة في بلداننا بما في ذلك الجزائر ينبغي أن ينطلق من ركائز الخصوصيات الثقافية، والروحية، والأخلاقية والفكرية والجمالية التي تتميز بها عناصر الإبداع في الهوية الوطنية، ومن خصوصية المشروع الوطني الذي ينبغي أن يؤسس بوضوح دون إهمال للعمليات المنهجية في مجال تفعيل الشروط التي كانت وراء التجارب الناجحة في العالم.
أما الكيفيات والأساليب التي تضمن تحقيق التحول النوعي فتتمثل في نشر التعليم ومضامينه المتقدمة على المستوى الوطني، وتحقيق مجتمع المعرفة والقضاء على كل أشكال الأمية الحرفية، والجمالية، والأخلاقية، والتقنية، والاقتصادية والزراعية، والفلاحية، والمهنية، والأدبية والفلسفية، والقانونية والسياسية، لاشك أن مخطط نشر المعرفة مرهون طبعا بتثقيف المواطنات والمواطنين وتعليمهم “كيف” يخططون علميا لحياتهم الأسرية، والوظيفية، والاقتصادية، والثقافية وهلم جرا.
لاشك أن تعميم تدريس مادة“التخطيط” ضرورة أولية لإخراج مجتمعاتنا من الارتجال، والتلقائية الساذجة، ومن الفوضى على جميع المستويات، وهذا يعني على المستوى العملي إنشاء فرق للتفكير، وللتخطيط الاجتماعي والسكني، والاقتصادي، والمهني، والعلمي والجمالي على مستوى البلديات، والدوائر والولايات عبر الوطن كله، وربط كل هذا بمراكز البحث، والمعاهد، والجامعات، ومؤسسات التكوين المهني، وجمعيات المجتمع المدني شرط أن تكون هذه جميعا مدعومة بتأسيس فرق التفكير والتخطيط على مستوى الأحزاب السياسية، والوزارات كل حسب الاختصاص، ووفقا للغايات المسطرة في المشروع الوطني.
وفي هذا السياق يلاحظ أن هنالك عدة عقبات تقف دون تكوين مجتمعات التفكير والتخطيط في بلداننا، وفي مقدمتها نجد غياب مشروعين اثنين يؤثران في بعضهما البعض، وهما غياب مجتمع المعرفة والعلم والتخطيط العلمي والجمالي بدءا من الأسرة إلى الشارع فالمدرسة، وانتهاء بفضاء المؤسسات المسيرة للإدارة، وللسياسة، وللاقتصاد، وللمهن المتنوعة.
* إن مهمة التحديث مشروطة بالطاقات الذاتية وباستيعاب التجارب الإبداعية المختلفة التي خاضتها الدول المتقدمة، والمتطورة في الغرب، وفي آسيا، وأمريكا اللاتينية للتعرف على خصائصها، والآليات المستخدمة لتحقيق الانجازات النوعية التي جعلتها تقفز بعيدا عن التخلف.
* ثمة نماذج في بلدان العالم الثالث سابقا التي تمكنت من الدخول الى فضاء التقدم في فترة زمنية محددة منها تجربة اليابان، وتجربة الصين، وكذا تجارب الدول التي تُدعى بـ“النمور الاقتصادية” التي ينبغي اعتبارها كعينات للتأمل، والفحص والتحليل العلمي.