-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

لماذا نكره وظائفنا وأعمالنا؟! (2)

سلطان بركاني
  • 97
  • 0
لماذا نكره وظائفنا وأعمالنا؟! (2)

من الأسباب التي جعلتنا نكره أعمالنا إضافة إلى ما ذُكر في الحلقة السابقة أنّنا نخلط الحرام بالحلال؛ فالتاجر يغش في تجارته فيعرض الجيّد ويزن من الرّديء ويصف سلعته بما ليس فيها. والموظّف يسرق من ساعات العمل ويتهرّب من أداء واجبه ويغيب لأتفه الأسباب. وصاحب الحرفة لا يتقن عمله ولا يؤدّيه كاملا في وقته ولا يضمن فيه وفي النهاية يطلب أجرته كاملة مقابل عمل منقوص وغير مضمون… ولقمة الحرام التي يستسيغها هؤلاء لها أثر عظيم وخطير في فقدان الإخلاص وفي كره العمل وفي غياب البركة من المال المكتسب.

زرع وحصاد!

من الأسباب –غير المباشرة والمهملة- التي جعلتنا نكره أعمالنا؛ المعاصي التي نقترفها بالليل والنهار؛ فالمعاصي تُوهن البدن وتبغّض الحلال إلى قلب العبد وتبعده عنه، وتحبّب إليه الحرام وتقرّبه منه: يقول النبي –صلـى الله عليه وسلم–: “إياكم والمعاصي، واعلموا أن العبد يُحرم الرزق بالذنب يصيبه وقد كان هُيئ له”… فالعبد الذي يبيت ليلته ينظر إلى الحرام في الهاتف، مثلا، يصبح كئيب النفس مُثقل البدن كارها لمن وما حوله، يجد لنفسه المبررات حتى لا يُتمّ عمله ويعبس في وجوه النّاس ويتبرّم من خدمتهم وأداء حقوقهم.

بريق الثراء السريع!

من الأسباب التي جعلتنا نكره أعمالنا؛ الأعمال المحرّمة السريعة التي ظهرت في زماننا، التي يكسب أصحابها أموالا كثيرة في أوقات قصيرة؛ مثلُ المتاجرة بالمخدّرات، أو السطو على المال العام وأملاك الدولة، أو أخذ الربا والرشوة…. فمن يحترفون هذه الأعمال المحرّمة يكسبون أموالا كثيرة في أوقات قصيرة، وكثير من شبابنا يغبطونهم على ما هم فيه، وما دروا أنّهم حرموا البركة وسلّطت عليهم الهموم والغموم وابتلوا في أنفسهم وأهليهم بابتلاءات لا تنفعهم معها الأموال، فما يأتي في النهار يأكله الليل. وحتى من استفادوا من الحرام فيما يظهر للنّاس فهم في خاصّة أنفسهم ودواخلهم يعانون ما الله به عليم.

المقارنات غير الموفّقة!

من الأسباب التي جعلتنا نكره أعمالنا؛ النظر إلى ما في أيدي الآخرين، ومقارنة الأرزاق بعضِها ببعض؛ فكلٌّ منّا يقارن رزقه برزق من هم فوقه، ولا يقارنه بمن هم دونه، لذلك يكره عمله ويلعنه، بل ربّما تجد شابا لم يتمّ دراسته يرجو أن يكون رزقه مثل رزق الطبيب الذي درس 15 سنة في الجامعة… ولو أنّنا فهمنا سنّة الله في تقسيم الأرزاق، وفهمنا أنّ الرزق الواسع ابتلاء وامتحان، مثله مثل الرزق القليل، لطابت نفوسنا. يقول الله تعالى: ((أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُون))، ويقول النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-: “انظروا إلى من هو أسفلَ منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقَكم، فإنه أجدَرُ أن لا تزدَروا نعمةَ اللهِ عليكم”.

على شبابنا خاصّة أن يفهموا أنّ الرزق الواسع له طريقان؛ الطريق الأوّل: العمل الدؤوب والتعب والصبر، والطريق الثاني: أكل الحرام والغشّ والسرقة… الأوّل عاقبته الخير والبركة مهما كان طويلا ومهما كان فيه من الصعوبات، والثاني عاقبته البلاء والسقوط… أمّا القعود والجلوس على قارعات الطّرق وفي المقاهي وأمام الهواتف فلا يأتي إلا بالهموم والغموم ولا يقود إلا إلى المهلكات، ولا يغرس في القلوب إلا الحسد.

عندما يصبح الإتقان عملة نادرة!

من الأسباب التي جعلتنا نكره أعمالنا، أنّنا لا نتقنها ولا نؤدّيها كما يجب، فنحن نعمل باعتقاد-يشبه اليقين- أنّ ما ننتجه لن تكون له قيمة كبيرة، وبالتالي نرى أنّه لا فائدة من هذا العمل… الموظّف لا يتقن عمله، وكلّما غاب المسؤول زاد تهاونه وتكاسله، وصاحب الحرفة لا يتقن عمله ولا ينصح للزبون ولا يكون أمينا على حاجته، والتاجر لا يصدق في تجارته….

ربّنا –جلّ وعلا- حذنا من أنّه يرى أعمالنا ويحصيها فقال -جلّ من قائل-: ((وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُون))، ونبيّه –عليه الصّلاة والسّلام- أخبرنا أنّ الله يحبّ إذا عمل أحدنا عملا أن يتقنه، ومع ذلك ننسى نظر الله إلينا ولا نهتمّ إلا بنظر المسؤولين، فنجوّد أعمالنا ونزيّنها عندما نسمع بزيارة لمسؤول من المسؤولين، ونهملها إذا غاب المسؤولون.

الحقوق الضائعة!

من الأسباب التي جعلتنا نكره أعمالنا؛ أنّنا ابتلينا بمن يأكل حقوقنا، من بعض المسؤولين الذين لا يتقون الله، وبعض أصحاب الأموال الذين لا يرجون لله وقارا… هناك أعمال مرهقة ومتعبة لا يُعطى أصحابها إلا الفتات ولو كانوا من أصحاب الشهادات، وهناك أعمال مريحة يُعطى أصحابها الأجور العالية ولو كانوا من المتسرّبين مدرسيا… هناك مقاولون وأصحاب حرف لا يعطون العمّال الذين يحملون لهم الأثقال وينجزون لهم أصعب وأشقّ الأعمال، لا يعطونهم حقوقهم في الأجرة المحترمة، ولا في التأمين ، ولا في الراحة… الواحد من أصحاب الأموال هؤلاء ربّما يسخّر عاملا مسكينا يحمل عليه الأثقال ويكلّفه بأصعب الأعمال، وكلّما سأل العامل عن أجرته كم هي؟ قال له “السيّد”: اعمل ولا تخف على أجرتك! ثمّ إذا حان وقت سداد الأجرة بدأ صاحب العمل يتعلّل ويتهرّب… أمّا إذا تحدّث العامل المسكين عن ضعف أجرته أو تحدّث عن عدد ساعات العمل أو عن حقه في العطلة الأسبوعية، وفي التأمين، ربّما يستشيط “السيّد” في وجهه وينهره ويهدّده بالطّرد! وربّما يعِده ويمنّيه ثمّ يخلف! وما درى هؤلاء أنّهم مبعوثون ليوم عظيم، يوم يقوم النّاس لربّ العالمين، وأنّ أيدي الضعفاء هؤلاء ستتعلّق برقابهم يوم القيامة حتى يأخذوا حقوقهم حسنات مستوفيات وليس دنانير معدودات.

العالم الغربيّ يحتفل كلّ عام بيوم العمّال في الفاتح من شهر ماي، إحياءً لتكلّل مساعي العمّال في المطالبة بحقوقهم أوائل القرن التاسع العشر الميلاديّ، بحقوق ما كانوا يرونها قبل ذلك؛ فالعامل في الغرب قبل القرن التاسع عشر كان يعمل بين 10 و16 ساعة يوميا، ولا يحصل إلا على أجر زهيد، وكانت المرأة تعمل مع الرجل في الأشغال الشاقة وربما تأخذ نصف أجرة الرجل في نفس العمل، ولم يحصل هؤلاء العمال على حقوقهم إلا في القرن التاسع عشر الميلاديّ… ونحن المسلمين، أمرنا ديننا قبل ذلك بـ12 قرنا أن نعطي الأجير حقّه قبل أن يجفّ عرقه، فقال –صلّى الله عليه وسلّم- في القرن السابع الميلاديّ: “أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه”، وأمرنا قبل ذلك ألا نستخدم أجيرا ولا نطلب منه أن يبدأ عمله حتى نحدد له أجرته، قال –صـلى الله عليه وسلم-: “من استأجر أجيرا فليسم له إجارته”، وحذّرنا أشدّ التحذير من إرهاق العمّال فوق طاقتهم، فقال –عليه السّلام-: “إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم”… وحذّر أشدّ التحذير من أكل حقّ العامل والمماطلة في أدائه، قال –صلّى الله عليه وسلّم-: “ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره”.

مسؤولون يبخسون العمّال حقوقهم!

يدخل في السّبب الأخير؛ كلّ مسؤول يرصد للعمال الذين يعملون أعمالا شاقة مرهقة أجورا قليلة مجحفة لا تفي بالحدّ الأدنى من العيش، مثل عمّال النّظافة والحراس والموظّفين متعدّدي المهام… ويل لمن لم يعطهم حقوقهم، وويل لمن يكلّفهم بما هو زائد على أعمالهم، وويل لمن يحرمهم حقّهم في الرّاحة والعطل.

ويدخل في هذا الباب -كذلك- أولئك المسؤولون -صغارا وكبارا- الذين يخصّون بالمناصب والوظائف أقاربهم ومعارفهم ومن يعطونهم الرشاوى ولو كانوا لا يملكون أيّ مؤهلات وأيّ كفاءات، ويحرمون -في المقابل- أصحاب الشهادات والكفاءات. يمنحون المناصب لمن تبحث عن المال لتشتري لباس الموضة وتنفق على الماكياج، ويحرمون من يطرق الأبواب ليبني أسرة أو يعيل زوجة وأطفالا صغارا؛ من يفعلون هذا يحشرون يوم القيامة مع من يسعون في الأرض فسادا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!