لماذا يذهب الرئيس عباس للانتخابات منفردا دون إجماع وطني؟
لا تنفك الأصوات المخلصة من كل الأطياف السياسية وأصحاب الرأي والتأثير من مخاطبة رئيس السلطة الفلسطينية السيد محمود عباس بأن يولي اهتماماً لإعادة المياه إلى مجاريها مع الكل الوطني وخاصة في ظل ما تشهده القضية الفلسطينية من محاولات حثيثة للتصفية والتغييب. بعد ألف يوم من الإبادة والتطهير العرقي وعشرات اللقاءات والاجتماعات كان من المفترض أن تفضي هذه الجهود لمقاربات جديدة، تعلي مصلحة الوطن على سائر المصالح الضيقة والحزبية بل والشخصية، أمام مشاريع اقتلاع الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة على حد سواء.
وكما أن الرجل لم ينجح في تجميع شتات حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح، وكرس القطيعة مع أقطابها الوازنين رغم حضورهم المحلي والإقليمي أمثال كل من السيد محمد دحلان والدكتور ناصر القدوة، وسط تغييب متعمد لأبرز قادة الحركة التاريخين على حساب رفع شخصيات هامشية لا تمتلك ذات الرصيد ونفس القبول لا وطنياً ولا دولياً.
إن ما عجز عنه السيد محمود عباس أكبر من أن يُختصر في علاقة غير سوية بين الشعب الفلسطيني ومؤسسات السلطة الفلسطينية أو مع الفصائل والأحزاب والشخصيات الوطنية، حيث تنظر معظم حكومات العالم لهذه المؤسسات بنظرة سلبية في ظل تغييب طويل للتغيير وسط تفشي الفساد والمحسوبية، إضافة لتمسك رئيس السلطة بمنصبه منذ عقدين ومقاومته أي دعوات للتجديد، وهو أمر وثقته الكثير من التقارير الدولية وتناولته تصريحات عدة لأبرز المسؤولين، الذين باتوا يرهنون عودة الدعم المالي من حكوماتهم للسلطة الفلسطينية بوجود مسار يفضي لإصلاحات جوهرية في النظام السياسي الفلسطيني.
وعلى عكس ما يأمل ويرجو المواطن الفلسطيني الذي صبر على ألوان الوجع والمعاناة في الوطن أو في الشتات، باتت الانتخابات بشكلها الحالي وسيلة مكشوفة لإعادة هندسة المشهد السياسي، ففي ظل غياب الحد الأدنى من التوافق الوطني، يُخشى من تحول الانتخابات لأداة ضبط للمشهد السياسي ليس إلا وفق رؤية رئيس السلطة الفلسطينية التي سعى لفرضها على الكل الوطني بالقوة. كان الأجدر بهذه المعركة أن تخاض بروح وحدوية وطنية واسعة. تفضي للتغيير المنشود وتعيد الاعتبار للمؤسسات التي فقدت شرعيتها بعد أعوام من عدم التجديد والتطوير.
وكمتابعين لا يمكن النظر للانتخابات على أهميتها وأهمية الدعوة لإجرائها في كل جغرافيا الوطن، إلا كإجراء منقوص وسط تغييب متعمد لنصف الشعب الفلسطيني الذين يتواجدون مرغمين في دول العالم. الانتخابات ليست حل سحري يمكن أن يُعيد دور المؤسسات ويُصلح تراكمات سنوات الانقسام والتفرد. دون وجود توافق وطني حقيقي؛ بل إن الانتخابات في ظل هذه المعطيات تُضعف فعالية السلطة الفلسطينية نفسها، وتجعلها مهزوزة أمام نظر العالم وتفقدها الشرعية الوطنية الداخلية، فالفصائل التي يسعى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لتهميشها وتخطيها تمثل تيار فلسطين عريض لا يستهان به، وقد نجحت في مناسبات عدة وحتى وقت قريب في التغلب على قوائم السلطة وحركة فتح في قلب الضفة الغربية التي تشهد الملاحقة الأمنية المزدوجة منذ عقدين، ولهذه الفصائل إسهامات وطنية ولها حضور إقليمي ودولي. ويسهل على العالم أن يدرك ذلك ويضعه في الاعتبار. دون وحدة وطنية تجمع كل الجهود وتنطلق بصدق وإخلاص، إضافة لمراعاة اللحظة التاريخية الهامة التي نحياها، ستكون الانتخابات مجرد قفزة في الهواء لن تفضي لإضفاء الشرعية السياسية المرجوة، بل ستكون تكريس متعمد لبقاء الانقسام السياسي وربما الجغرافي في ظل تعمد تجاوز الكل الوطني من قبل رئيس السلطة السيد محمود عباس.
أرى أن الفصائل الفلسطينية لا يجب أن تكتفي بالمشاهدة وإدانة الخطوات المنفردة لرئيس السلطة، بل يجب عليها اتخاذ مواقف واضحة تفضي لإلزام السيد عباس بالرجوع عن قراره المنفرد، ولا تكون جزء من تمرير واقع يعزز الانقسام ويكرس الفصل بين أبناء الشعب الفلسطيني، سواء في الوطن أو خارجه.
كما يتوجب على قيادات حركة فتح المؤثرة أن يكون لها دور وطني فعال وإيجابي في الضغط على رئيس السلطة الفلسطينية، إعلاء لمصلحة الوطن وحفاظاً على النسيج الاجتماعي وإتاحة لوجود فرصة حقيقية للتنافس الحر على إدارة الشأن العام، لنؤسس سوياً لعمل مشترك وقرار موحد ومؤسسة تمثل الجميع، فهذا أبسط الحقوق المحفوظة للشعب الفلسطيني.