الجزائر تفرض منطق السيادة من ألمانيا وتتجاوز التشويش الفرنسي المغربي
تكتسي زيارة الدولة المرتقبة التي سيجريها رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، إلى العاصمة الألمانية برلين، أبعادا إستراتيجية بالغة الأهمية؛ كونها تأتي في توقيتٍ تشهد فيه العلاقات الثنائية طفرة اقتصادية غير مسبوقة، وتعيد رسم موازين القوى في شمال إفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط. هذه الزيارة، التي أعلنت عنها الرئاسة الألمانية رسميا مدرجةً إياها ضمن بروتوكولات “زيارات الدولة من الدرجة الأولى” إذ سيُستقبل الرئيس تبون بمراسم عسكرية كاملة في “فيلا بورسيك” ببرلين تليها محادثات موسعة مع نظيره الألماني فرانك فالتير شتاينماير، تعكس تحولا جذريا في النظرة الألمانية نحو الجزائر؛ ليس فقط كشريك موثوق لتأمين بدائل الطاقة التقليدية، بل كركيزة أساسية في مشروع التحول الطاقوي الأوروبي المستقبلي.
تُعدّ “زيارة الدولة” أعلى وأرفع أشكال الزيارات بين الدول، وعندما تُوصف بأنها “من الدرجة الأولى” في النقاشات السياسية والإعلامية، فالمقصود بذلك هو نيلها قمّة الامتيازات البروتوكولية التي لا تُمنح إلا لعدد محدود جدا من القادة سنويا.
وتكمن التفرقة بين الزيارات في طبيعة الترتيبات وحجم الوفود والمراسم، ويمكن تلخيص الفروق الجوهرية بين “زيارة الدولة” والأنواع الأخرى التي تليها في الأهمية على النحو التالي:
- زيارة الدولة: هي زيارة مخصصة حصرا لرؤساء الدول (وليس رؤساء الحكومات)، وتجري بدعوة رسمية من رئيس الدولة المضيِّفة. تتميز بأعلى درجات البذخ البروتوكولي: تشمل مراسم استقبال عسكرية كاملة، وعزف النشيدين الوطنيين، واستعراض حرس الشرف، وإطلاق المدافع (21 طلقة عادةً)، وإقامة مأدبة عشاء رسمية فاخرة يحضرها كبار رجال الدولة، وتستمر عادةً عدة أيام وتتضمن شقا ثقافيا أو جولات في مدن أخرى.
- الزيارة الرسمية: تلي زيارة الدولة مباشرةً، وغالبا ما تخص رؤساء الحكومات (مثل المستشار الألماني أو رئيس الوزراء البريطاني) أو رؤساء الدول في زيارات عمل مكثفة. تتضمن مراسم عسكرية ومحادثات سياسية هامة ومأدبة غداء أو عشاء، لكنها تكون أقل بهرجة وأقصر مدة من زيارة الدولة، وتخلو من بعض التفاصيل البروتوكولية كالإقامة في القصور الرئاسية الفاخرة المخصصة للضيوف.
- زيارة العمل: هي زيارة ذات طابع عملي بحت ومحددة بأجندة ملفات معينة (اقتصادية، عسكرية، أو أمنية). تغيب عنها تماما المظاهر الاحتفالية، والمراسم العسكرية، والولائم الرسمية، ويركز فيها القائدان على المباحثات المباشرة والمؤتمرات الصِّحافية فورا، ويمكن أن تجري بناءً على طلب من الرئيس الزائر وليس بدعوة مسبقة.
- الزيارة الخاصة أو غير الرسمية: تشمل زيارات القادة لأغراض شخصية كالعلاج أو العطلات، أو حضور مناسبات خاصة، وتقتصر المراسم فيها على استقبال رمزي في المطار من دون أي طابع رسمي.
وفي هذا السياق، يبدي الإعلام الاقتصادي والسياسي الألماني اهتماما ملحوظا بالحدث، مسلطا الضوء على “الندية والبراغماتية الشديدة” التي باتت تطبع الدبلوماسية الجزائرية؛ لاسيما بعد وصول أول شحنة تاريخية من الغاز الطبيعي المسال الجزائري إلى ميناء “ويلهامسهافن” مطلع هذا الشهر، تطبيقا للاتفاقيات المبرمة عام 2024. تُعدّ الشحنة التاريخية من الغاز الطبيعي المسال التي سلمتها شركة “سوناطراك” الجزائرية إلى محطة “ويلهامسهافن” الألمانية خطوةً مفصلية في مسار العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وتحولا استراتيجيا في خريطة أمن الطاقة الأوروبية. هذا الحدث، الذي جاء تجسيدا لاتفاقية تجارية وُقّعت في فبراير 2024، يتجاوز كونه مجرد صفقة تجارية عابرة ليحمل أبعادا جيو- سياسية عميقة؛ إذ يمثل ما يُعرف في العلوم السياسية بـ”الإشارة المكلفة” التي تؤكد من خلالها الجزائر التزامها الفعلي والموثوق مع شركائها الدوليين. وفي وقتٍ تبحث فيه ألمانيا -أكبر اقتصاد في أوروبا- عن مصادر طاقة مستقرة وقريبة جغرافيًّا لتعويض غياب الغاز الروسي، تأتي هذه الشحنة لتمهِّد الطريق لزيارة الدولة التي يجريها الرئيس تبون إلى برلين، ولتضع حجر الأساس لشراكة طاقوية مستقبلية واعدة لا تقتصر على الغاز التقليدي فحسب، بل تمتد لتشمل مشاريع الهيدروجين الأخضر العملاقة.
وتركز التحليلات الألمانية على أن الاستقبال الرفيع الذي تحظى به الجزائر في برلين يتزامن مع ميزة جيو- سياسية صامتة تمتلكها البلاد، ويُمثل “ممر الهيدروجين الجنوبي” (SoutH2 Corridor) أحد أضخم وأعقد مشاريع البنية التحتية الطاقوية في العصر الحديث، وشريانا جيو-استراتيجيا صاعدا صُمِّم خصيصا لإعادة رسم خارطة الجغرافيا السياسية للطاقة النظيفة بين شمال إفريقيا وقلب القارة الأوروبية. يمتد هذا الممر العملاق على طول 3300 كيلومتر، انطلاقا من حقول الإنتاج في الصحراء الجزائرية، مرورا بالأراضي التونسية، وعابرا البحر الأبيض المتوسط وصولا إلى إيطاليا والنمسا، لينتهي في المقاطعات الصناعية الكبرى بجنوب ألمانيا (بافاريا وشوتغارت). ويتميز هذا المشروع، الذي حظي بدعم سياسي خماسي رفيع عبر “إعلان روما للنيات السياسية” في يناير 2025 وباعتماد المفوضية الأوروبية له كـ”مشروع ذي مصلحة مشتركة” (PCI)، باعتماده الذكي على إعادة تدوير وتهيئة شبكات أنابيب الغاز الطبيعي الحالية بنسبة تتجاوز 65%، مما يقلص التكلفة الاستثمارية والمُدد الزمنية للإنشاء والتشغيل الفعلي المتوقع مطلع عقد 2030.
وتكمن الأهمية القصوى لهذا الممر في كونه ليس مجرد وسيلة نقل هندسية، بل هو أداة لتمكين الجزائر من قيادة التحالف الصناعي الإقليمي عبر شركتها الوطنية “سوناطراك” بالتعاون مع كبريات شركات نقل الغاز الأوروبية مثل “Snam” الإيطالية و”VNG” الألمانية و”Verbund” النمساوية و”bayernets”. ومن خلال قدرته الاستيعابية المستهدِفة لنقل 4 ملايين طن سنويا من الهيدروجين الأخضر، سيتكفل هذا المحور وحده بتغطية 40% من إجمالي واردات الهيدروجين التي سيعتمد عليها الاتحاد الأوروبي لتشغيل صناعاته الثقيلة كقاعدة بديلة ومستدامة.
ويتأسس هذا الزخم الاستثنائي للممر الجنوبي على الميزة التنافسية الفائقة للبيئة الجزائرية؛ إذ تتيح مساحات الصحراء الشاسعة ومعدلات الإشعاع الشمسي والرياح القياسية إنتاج الكيلوغرام الواحد من الهيدروجين الأخضر بكلفة استطاع الخبراء حصرها بين 1.5 إلى 2 دولار فقط، مقارنة بكلفة إنتاج محلي داخل أوروبا تتراوح بين 5 إلى 6 دولارات، وهو ما يحوِّل الممرَّ من مجرد مشروع تجاري إلى حاجة حيوية وجودية لإنقاذ الماكينة الصناعية لأكبر اقتصاد في أوروبا (ألمانيا)، واعتراف صريح بموقع الجزائر كمفتاح رئيسي في معادلة الأمن الطاقوي الأوروبي المستقبلي.
هذا الاندفاع الألماني نحو تعميق الشراكة مع الجزائر يُقرأ في الدوائر الإعلامية ببرلين على أنه اعترافٌ بالاستقرار السياسي والوزن الإقليمي المتنامي للجزائر، ونقلة نوعية تتجاوز منطق الزبائنية التجارية التقليدية إلى بناء تحالف صناعي وطاقوي متكامل يمتد لعقود قادمة.
كما تشهد العلاقات الثنائية والتبادل التجاري بين الجزائر وألمانيا قفزة نوعية غير مسبوقة، متجاوزةً الأطر التقليدية القائمة على الاستيراد والتصدير العابر لتتحول إلى شراكة إستراتيجية بنيوية متعددة الأبعاد. وفي ظل المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة التي أعادت رسم خريطة تدفقات الطاقة والصناعة في حوض المتوسط، نجح البَلدان في إرساء نمط جديد من التعاون المتكامل الذي يقوم على الندية والمنفعة المتبادلة. وتُثبت الأرقام الرسمية صعودا مضطردا للتبادل التجاري؛ إذ حافظت ألمانيا على موقعها كأحد أبرز الشركاء والمورِّدين التجاريين للجزائر في مجالات الآلات الثقيلة، والسيارات، والصناعات الصيدلانية، والتكنولوجية المتطورة، بينما سجلت الصادرات الجزائرية نحو الأسواق الألمانية نموا سنويا متواصلا، مدفوعا بالطلب المتزايد على إمدادات الطاقة وتدفق أولى الشحنات التاريخية للغاز الطبيعي المسال نحو المحطات الألمانية.
هذه الديناميكية التجارية القوية تجد سندا لها في تقارير “هيئة التجارة والاستثمار الألمانية” (GTAI)، التي تؤكد على متانة وجاذبية الاقتصاد الجزائري وقدرته على استقطاب الاستثمارات الصناعية الكبرى بفضل خطط التحديث والتحول الطاقوي. ولا تقتصر الرؤية المشتركة بين العاصمتين على الموازين التجارية اللحظية، بل تمتد لبناء أرضية صلبة لتوأمة مؤسسية تشمل نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعات الميكانيكية، إلى جانب تعميق التعاون التكنولوجي والدفاعي. إن هذا التحوُّل في بنية العلاقات الثنائية يعكس إدراك برلين لثقل الجزائر كقوة إقليمية صاعدة ومورد موثوق لا غنى عنه لأمن الطاقة المستقبلي، كما يجسِّد تطلع الجزائر للاستفادة من الخبرات والماكينة الصناعية الألمانية لتنويع نسيجها الاقتصادي، مما يضع هذه الشراكة كنموذج رائد للتعاون المتكافئ بين ضفتي المتوسط.
ومباشرة بعد الإعلان عن موعد الزيارة من طرف الرئاسة الألمانية، تداولت وسائل إعلام فرنسية عديدة نقاشات مكثفة حول محاولة إقحام ملف الصِّحافي الفرنسي، كريستوف جليز المحكوم عليه بـ7 سنوات سجنا في الجزائر، ضمن أجندة زيارة الدولة التي سيجريها الرئيس تبون إلى العاصمة الألمانية برلين. هذا التناول الإعلامي الفرنسي المكثف لا ينبع من مجرد اهتمام إنساني أو حقوقي بحت، بل يمثل مناورة سياسية وإعلامية مدروسة بأبعاد جيو- سياسية عميقة يمكن تفكيكها وشرحها بالتفصيل من خلال المحاور التالية:
- محاولة الالتفاف على العزلة الدبلوماسية لباريس: تعيش العلاقات الجزائرية الفرنسية منذ فترة طويلة حالة من الجمود والتأجيل المتكرر لزيارة الرئيس تبون المؤجَّلة إلى باريس، في مقابل اندفاع دبلوماسي قوي وبراغماتي أبدته ألمانيا التي نجحت في حسم موعد زيارة الدولة وبأعلى سقف بروتوكولي ومراسم عسكرية كاملة. وأمام هذا النجاح الدبلوماسي الجزائري-الألماني، تحاول وسائل الإعلام الفرنسية نقل الضغط من باريس إلى برلين، عبر تصوير العاصمة الألمانية كـ”منصة انتظار” أو ساحة وساطة قسرية لملف يخص فرنسا بالدرجة الأولى، وذلك للتقليل من الزخم الجيو-سياسي والاقتصادي الصرف للزيارة.
- محاكاة نموذج بوعلام صنصال والبحث عن وساطة ألمانية: تروج منصات إعلامية فرنسية لفكرة إمكانية وجود وساطة ألمانية خلف الكواليس لحلحلة ملف كريستوف جليز، قياسا على سوابق تاريخية ودبلوماسية؛ إذتتمنى الدوائر الفرنسية أن تلعب برلين دورا مشابها لما حدث في ملف السابق بوعلام صنصال، ظنا منها أن الثقل الاقتصادي والاستراتيجي لألمانيا في مجالات الهيدروجين الأخضر والغاز قد يمنحها هامشا للحديث مع الطرف الجزائري في ملفات سياسية أو حقوقية حساسة.
- تحويل الصلاحية السيادية إلى ورقة مقايضة دولية: تتعمد المقاربة الإعلامية الفرنسية ربط مصير قرار قضائي وسيادي جزائري بظروف وسياق زيارة خارجية إلى عاصمة ثالثة. وفي الواقع، فإن عائلة الصحافي جليز نفسها اعترفت في تصريحات لوسائل إعلام، مثل قناة فرانس 2،بأن قرار العفو هو “صلاحية سيادية دستورية حصرية بيد رئيس الجمهورية الجزائري وحده”، وأنه يمارس هذا الحق متى وكيفما يرى وفقا لتقدير المصالح العليا للدولة، دون الحاجة إلى إملاءات أو موعد خارجي ليتخذه. ومن ثمّ، فإن محاولة الإعلام الفرنسي إقحام هذا الملف في برلين هي محاولة “لقلب الصورة رأسا على عقب”، بجعل الملف شرطا أو نقطة نقاش مفروضة، بينما هو في الحقيقة ورقة قوة وقرار سيادي مطلق في يد الجزائر.
- الضغط الداخلي على حكومة ماكرون: يُستخدم هذا الزخم الإعلامي في فرنسا كوسيلة ضغط داخلية على قصر الإليزي؛ إذتتهم الدوائر الفكرية والإعلامية المناهِضة للجزائر الدبلوماسيةَ الفرنسية بالضعف والفشل في انتزاع تنازلات أو حماية رعاياها مقارنة بالندية الكبيرة التي تبديها الجزائر. لذا، فإن ترويج الإعلام الفرنسي لإقحام برلين في الملف هو بمثابة استجداء مبطَّن لتدخل قوة أوروبية كبرى (ألمانيا) لتعويض العجز الدبلوماسي الفرنسي الحالي في التعامل المباشر مع الجزائر. من هنا يتضح أن إقحام اسم جليز في زيارة برلين عبر وسائل الإعلام الفرنسية هو بروباغندا سياسية تحاول التغطية على تراجع النفوذ الفرنسي في شمال إفريقيا.
وتتلخّص زيارة الدولة التي يقوم بها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، إلى ألمانيا في إعادة صياغة تموضع الجزائر كشريك موثوق وندّي لأكبر اقتصاد في القارة الأوروبية، مرتكزة على تحوُّل موازين القوى الطاقوية بعد تسليم أولى شحنات الغاز المسال وبناء دعائم مشروع الهيدروجين الأخضر. هذه الزيارة تُخرِج الدبلوماسية الاقتصادية للجزائر من خانة “مُورّد الأسعار” إلى خانة “الشريك البنيوي المشترك” الذي يقود التحالفات الصناعية من موقع قوّة طاقوية وموقع جيو- سياسي صامت لا يمكن تجاوزه.
أما فيما يتعلق بمسألة “القوة الإقليمية في شمال إفريقيا وغرب البحر الأبيض المتوسط”، فإن المقاربة السياسية الواقعية تكشف عن معطيات هيكلية واضحة:
- مؤشرات القيادة الإقليمية للجزائر: تستند الجزائر في تكريس مفهوم القوة الإقليمية على ثلاثة مرتكزات بنيوية صلبة:
- العمق الجيوسياسي وأمن الطاقة: الجزائر هي البوابة الطاقوية الحيوية الأقرب لأوروبا حاليا. السيطرة على خطوط الإمداد وبنى النقل التحتية، وامتلاك الميزة التنافسية الأكبر عالميا في كلفة إنتاج الطاقة البديلة (الهيدروجين)، تمنحها قدرة غير مسبوقة على فرض شروطها والتعامل بندّية مع العواصم الكبرى (مثل برلين وروما) بعيدا عن رواسب الإرث الاستعماري التقليدي.
- القوة العسكرية والسيادة التدخلية: يمتلك الجيش الجزائري العقيدة الدفاعية الأقوى والتسليح الأكثر حداثة وعمقا في المنطقة، مما يجعل الجزائر صمام الأمان الوحيد لضبط التوازنات الأمنية في منطقة الساحل الحرج ومحاربة الإرهاب، وهو ما يُجبر القوى الدولية على التنسيق المباشر معها.
- الندية واستقلالية القرار: التمسك بالسيادة المطلقة في القرارات الداخلية (مثل ملفات العفو الرئاسي والقضاء)، ورفض الإملاءات الخارجية، يكرس صورة الدولة المحورية التي لا يمكن تجاوزها في أي ملف يخص منطقة غرب المتوسط.
- المنافسة الإقليمية في المنطقة: في العلوم السياسية، لا توجد قوة إقليمية تعمل في فراغ مطلق؛ وهناك قوى إقليمية أخرى في شمال إفريقيا تحاول تقديم نماذج منافِسة أو بديلة بناءً على أوراق مختلفة:
- المغرب ومقاربة الاستقواء بالتحالفات: يمثل الجار الغربي المنافس التقليدي الأبرز في المنطقة. ومع ذلك، تختلف طبيعة الأوراق؛ ففي حينيعتمد المغرب في تحرُّكاته على الدبلوماسية الاستعراضية، والاستهلاك الإعلامي الموجَّه، وتقديم التنازلات السياسية الكبرى لبناء تحالفات مع قوى غربية وناشئة (كالتطبيع والاتفاقيات الأمنية) لتعويض افتقاره للمقوِّمات البنيوية الذاتية، فإن الجزائر تعتمد على “الندية الواقعية القائمة على الأوراق الصلبة” كالغاز، والمساحة، والقوة العسكرية، والمشاريع القارية كأنبوب الهيدروجين. هذا الفارق يجعل الموقف الجزائري أكثر استقرارا وصلابة أمام التقلبات السياسية الدولية.
- مصر (في شمال شرق إفريقيا): تظل ثقلا جيو-سياسيا كبيرا في شرق المتوسط، لكن انشغالاتها الأمنية المباشرة في عمقها الاستراتيجي (غزة، والسودان، وملف سد النهضة) يحدّ من ديناميكيتها في غرب المتوسط والساحل، وهي المساحة التي تتحرك فيها الدبلوماسية الجزائرية بمرونة ونفوذ أوسع.
لذلك، فإن الخلاصة السياسية تؤكد أن الجزائر، عبر بوابتها الطاقوية وبراغماتيتها الجديدة الصاعدة، تقف اليوم في طليعة القوى الإقليمية الفاعلة في غرب المتوسط؛ كونها لا تبيع وعودا أو بروباغندا إعلامية، بل تفرض واقعا جيو- اقتصاديا تسير قاطرته بوقود جزائري خالص لا تملك أوروبا بدائل حقيقية عنه.
يبدي الإعلام الاقتصادي والسياسي الألماني اهتماما ملحوظا بالحدث، مسلطا الضوء على “الندية والبراغماتية الشديدة” التي باتت تطبع الدبلوماسية الجزائرية؛ لاسيما بعد وصول أول شحنة تاريخية من الغاز الطبيعي المسال الجزائري إلى ميناء “ويلهامسهافن” مطلع هذا الشهر، تطبيقا للاتفاقيات المبرمة عام 2024. تُعدّ الشحنة التاريخية من الغاز الطبيعي المسال التي سلمتها شركة “سوناطراك” الجزائرية إلى محطة “ويلهامسهافن” الألمانية خطوةً مفصلية في مسار العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وتحولا استراتيجيا في خريطة أمن الطاقة الأوروبية.
في وقتٍ تبحث فيه ألمانيا -أكبر اقتصاد في أوروبا- عن مصادر طاقة مستقرة وقريبة جغرافيًّا لتعويض غياب الغاز الروسي، تأتي هذه الشحنة لتمهِّد الطريق لزيارة الدولة التي يجريها الرئيس تبون إلى برلين، ولتضع حجر الأساس لشراكة طاقوية مستقبلية واعدة لا تقتصر على الغاز التقليدي فحسب، بل تمتد لتشمل مشاريع الهيدروجين الأخضر العملاقة.
تركز التحليلات الألمانية على أن الاستقبال الرفيع الذي تحظى به الجزائر في برلين يتزامن مع ميزة جيو- سياسية صامتة تمتلكها البلاد، ويُمثل “ممر الهيدروجين الجنوبي” (SoutH2 Corridor) أحد أضخم وأعقد مشاريع البنية التحتية الطاقوية في العصر الحديث، وشريانا جيو-استراتيجيا صاعدا صُمِّم خصيصا لإعادة رسم خارطة الجغرافيا السياسية للطاقة النظيفة بين شمال إفريقيا وقلب القارة الأوروبية.
تكمن الأهمية القصوى لهذا الممر في كونه أداة لتمكين الجزائر من قيادة التحالف الصناعي الإقليمي عبر “سوناطراك” بالتعاون مع كبريات شركات نقل الغاز الأوروبية مثل “Snam” الإيطالية و”VNG” الألمانية و”Verbund” النمساوية و”bayernets”. ومن خلال قدرته الاستيعابية المستهدِفة لنقل 4 ملايين طن سنويا من الهيدروجين الأخضر، سيتكفل هذا المحور وحده بتغطية 40% من إجمالي واردات الهيدروجين التي سيعتمد عليها الاتحاد الأوروبي لتشغيل صناعاته الثقيلة كقاعدة بديلة ومستدامة.