لن أكتب عن الكرة إلى إشعار آخر!!
مثلما وعدت في مقال سابق بالتوقف مؤقتا عن الكتابة بشأن الكرة عندنا في إطار هدنة نستريح إثرها ونريح بها القارئ الكريم، ونتوقف عن البلبلة والكذب والنفاق والافتراء، وإلهاء الناس عن همومهم وقضاياهم الأساسية
-
ها أنا أتوجه نحو الكتابة عن الوطن والوطنية والحب المناسباتي الذي يظهر في عيد الاستقلال والشباب وعيد الثورة، وفي الكثير من الأعياد الوطنية من طرف الانتهازيين والوصوليين الذين سرعان ما يعودون إلى كذبتهم الكبرى التي تفضحها تصرفاتهم وأنانيتهم، ونكتشف بأنهم يحبون أنفسهم أكثر من أي شيء آخر، ويحبون المناصب أكثر من المهام التي يقومون بها، وحب الوطن الذي يتغنون به هو ظرفي ومناسباتي أو من أجل مصلحة سياسية أو شخصية فقط تزيد من حجم الألم الذي يعيشه أبناؤنا، وتكرس احتكار الوطنية وحب الوطن من طرف البعض، وتزيد من تذمر البعض الآخر..
-
حب الوطن الذي تعلمناه داخل الأسرة وفي الشارع والمدرسة والمسجد والمؤسسة، وداخل الوطن وخارجه، وعند المحن والأفراح بأنه من الإيمان ومن حق كل الجزائريين، صار سجلا تجاريا عند البعض، يحاولون من خلاله تحقيق أرباح ومآرب شخصية بشكل مفضوح يؤدي إلى تذمر وتطرف في الكره عند الكثير من أبنائنا الذين يسعى بعضهم للفرار من وطن تحتكر حبه فئة دون أخرى، ووطن يقصي أبناءه بسبب آرائهم ومواقفهم وانتماءاتهم، أو بسبب مكان مولدهم ومقر سكناهم، ووطن لا يجد فيه مسكنا وعملا وكرامة ولقمة عيش، ولا يستطيع مسئولوه توفير الماء والكهرباء في عز الصيف مثلما يحدث هذه الأيام، ووطن يقتل أبناءه ويشردهم بفعل من يدّعون الوطنية أكثر من غيرهم ومن يحتكرونها لأنفسهم دون غيرهم، ومن ينصبون أنفسهم أوصياء يصنفون الجزائريين بين أخيار وأشرار، وبين موالين ومعارضين، وصالحين وفاسدين..!!
-
حب الوطن يمارسه الكثير منا عندما يكونون في مناصب المسئولية وتبتسم لهم الدنيا، فيعتبر الرئيس والوزير والمدير أنفسهم أكثر وطنية من غيرهم من الناس، ويوزعون شهادات الوطنية على من يشاؤون من المواطنين، وعندما يغادرون مناصبهم تجدهم يسبون هذا الوطن ويكفرون به وبكل من يتمسك به ويدافع عنه، لأنهم يقيسون الوطنية على ما يمنحه لهم الوطن، فيبيعون لنا الكلام والشعارات ويلقنونا الدروس والمواعظ في الوطنية وحب الوطن، ويبيعون نفس الوطن بأبخس الأثمان عند أول منعرج..
-
أما من يرفع صوته بصدق وحسن نية لينتقد أحوالنا ويصارحنا أو يعارضنا ويختلف معنا ولا يخوض مع الخائضين، يصنف ضمن خانة أعداء الوطن، ويعزل ويحاصر ويتكالب عليه الجميع لتشويه صورته وتخوينه وعزله مهما كانت كفاءته وقدراته..
-
حب الوطن صار مخدرا لأبنائنا يدمنون عليه في جويلية ونوفمبر من كل سنة، وعندما يحين موعد الانتخابات والاستحقاقات الوطنية، ونتفنّن في إعطائهم دروسا في الوطنية والتضحية، ولكن في سائر الأيام يطغى حب الذات وحب المناصب والثروة والمال على كل تصرفاتنا، ونمارس كل أنواع النفاق والرياء والكذب والاستهتار بمشاعر الناس والاستخفاف بمطالبهم وحاجياتهم في العيش الكريم.
-
حب الوطن ليس شعارات وقصائد شعر أو كلاما فارغا يظهر في الفاتح نوفمبر والخامس جويلية من كل سنة وفي المناسبات والأعياد، بل هو إيمان واقتناع وممارسات وتضحيات، ومن يقوم بواجبه تجاه نفسه وأسرته ومؤسسته بكل إخلاص ووفاء، ولا ينافق ولا يكذب ولا ينهب ولا يستغل نفوذه هو الذي يحب وطنه، ولن يكون بحاجة إلى شهادة إثبات ذلك من أي كان مادام الوطن للجميع وليس ملكية خاصة لشخص أو فئة أو جهة من جهات الوطن.
-
وإذا كان الوطن للجميع فإن الوطنية والمواطنة شعور لا يفنى ولا يتغير مع الوقت ولا يرتبط بالمتغيرات التي يعيشها المرء داخل المجتمع، ولا يمكن استغلالها لممارسة الإقصاء والدكتاتورية والقمع على من يطالبون بالديموقراطية والحرية والكرامة وتحسين الظروف الاجتماعية. ومن يحب وطنه ليس في حاجة إلى شهادة أو دعاية وشهرة وتعظيم، وليس في حاجة إلى مكافأة على واجب يقوم به، بل هو في حاجة إلى مناخ نقي يسوده الحب والاحترام والحرية والاعتدال ونكران الذات وإعطاء كل ذي حق حقه، والابتعاد عن الظلم والإقصاء واحتكار الوطنية والإضرار بالوطن…