لهذه الأسباب… الحكم الذاتي في الصحراء الغربية غير ممكن!
حملت دراسة متخصصة صادرة عن المعهد الملكي الإسباني “إلكانو”، النظام المغربي مسؤولية تفاقم الصراع الإقليمي الذي يخيم على المنطقة المغاربية، وأرجعت ذلك إلى سياسات الرباط التوسعية في المنطقة، وأشارت الدراسة ذاتها إلى أن الموقف الفرنسي الداعم للمملكة، إنما نابع من واقع لم تتقبله الدولة الفرنسية، وهو المتمثل في خسارتها “حرب استقلال مريرة”.
وجاء في هذه الدراسة التي كشف عنها نهاية الأسبوع المنصرم، أن النظام المغربي ومنذ انتهت الحمايتان الفرنسية والإسبانية عليه في سنة 1956 “بدأ يطالب ضمن خطة قومية طموحة للتوسع الإقليمي بـ”المغرب الكبير”، الذي كان من المقرر أن يضم موريتانيا وأجزاء من مالي والجزائر.
وقد أشعل هذا فتيل صراع إقليمي تميّز بالدرجة الأولى بالتنافس الشديد بين الرباط والجزائر، بدءا من عام 1962″، في إشارة إلى العدوان الذي قام به الجيش المغربي على الحدود الغربية للبلاد، فيما عرف بحرب الرمال.
الدراسة التي جاءت تحت عنوان “المبادئ والمصلحة الوطنية: مرور 50 عاماً على الانسحاب الإسباني من الصحراء الغربية”، توقفت عند التغيرات التي حصلت على مواقف بعض الدول الغربية الكبرى، مثل فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، وأشارت إلى طغيان البعد المصلحي على المبدئي في هذه القضية التي عمّرت لنحو خمسة عقود.
واستنادا إلى المصدر ذاته، فإن القضية الصحراوية تجد دعما قويا في المجتمع الإسباني بسبب عدالتها، يمتد من منظمات المجتمع المدني إلى الأوساط الأكاديمية، فضلا عن النخب السياسية والإدارية.
وتؤكد الدراسة التي أنجزها كل من الباحثين إغناسيو مولينا، وبالود يل آمو، أن “ثمة شعورا بالمسؤولية التاريخية تجاه سكان الصحراء الغربية وظروفهم القاسية، وقد تجلى هذا الشعور خلال هذه الفترة في صورة تضامن شعبي ودعم حكومي”.
كما أشارت الدراسة إلى عامل رئيسي آخر يتمثل في الأهمية التي تولى للقانون الدولي كمرجع أساسي، وهو ما يتجلى في هذه الحالة ليس فقط في عدم تطبيق حق تقرير المصير، بل أيضا في عدم استصواب السماح للنظام المغربي، بدلا من الأمم المتحدة، بتحديد كيفية إتمام عملية إنهاء الاستعمار، وهو المعطى الذي لم تسترشد به الحكومات الإسبانية المختلفة التي تولت السلطة.
وتؤكد الدراسة أن الموقف الإسباني الذي انحاز للنظام المغربي في الأخير على حساب حقوق الشعب الصحراوي، إنما مرده إلى “الرغبة في حماية وحدة الأراضي الوطنية (الإسبانية)، وكانت تشير إلى ما وصفته “القلق بشأن آثار النزاع على سبتة ومليلية وجزر الكناري. وينبع هذا القلق من النزعة التوسعية المغربية المستمرة”.
ولفتت إلى أن موقف إسبانيا من الصحراء الغربية بين عامي 1977 و2022، يقوم على سردية متفق عليها تحترم الشرعية الدولية من خلال الدعوة إلى “حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الطرفين، يفضي إلى حق تقرير المصير لشعب الصحراء الغربية بحرية في إطار الأمم المتحدة”.
وحتى بعد التحول الذي طرأ على “الموقف الجديد لمدريد لا يزال يدعو إلى حق تقرير المصير، وإن كان ينصح الآن بعدم اللجوء إلى الاستقلال، وهذا نهج مشابه لما اتبعته فرنسا قبل نحو عشرين عاما”.
وحذرت الدراسة من أن “الحكم الذاتي الحقيقي لا يبدو ممكنا في الوقت الراهن في ظل نظام استبدادي له تاريخ في خرق تعهداته السابقة بشأن الصحراء الغربية، ما أفقد مخطط الحكم الذاتي الذي اقترحه النظام المغربي الكثير من المصداقية”، علما “أن تلاعب القصر العلوي لم يعد خافيا على أحد، حيث استشهدت الدراسة بمحاولة الملك المغربي السابق، الحسن الثاني تفسير حكم محكمة العدل الدولية بطريقة مغرضة، وقام بتنظيم المسيرة الخضراء”.
وألمحت الدراسة إلى غياب البعد الأخلاقي في الموقف الإسباني من شعب استعمرته لعقود: “إن استقلال الصحراء الغربية غير قابل للتفاوض بالنسبة للمغرب، لكن لإسبانيا أيضًا قيم ومصالح جوهرية على المحك. الأمر لا يتعلق بالمثالية أو تسوية دين أخلاقي، بل بتجنب سابقة يفرض فيها أمر واقع من جانب واحد نفسه على القانون الدولي عندما يتعلق الأمر بتحديد الحدود في جواره الاستراتيجي المباشر”.
ولم تستبعد الدراسة اعتبارات الخوف الذي يتملك مدريد من مصير النظام المغربي في حال فشله في قضية الصحراء الغربية: “تدرك إسبانيا أهمية الحفاظ على الاستقرار في جارتها المباشرة، فهي تحرص على ضرورة تجنب الاضطرابات الداخلية وتدهور العلاقات الثنائية”.
أما بخصوص انسياق فرنسا وراء تطلعات النظام المغربي، فتؤكد الدراسة بأن باريس كانت السباقة لدعم الرباط في قضية الصحراء الغربية: “سعت باريس إلى الحفاظ على نفوذها في المنطقة، لاسيما في ظل عداوتها مع الجزائر، التي خسرت معها حرب استقلال مريرة”.
كما أشارت الدراسة إلى الموقف السلبي لروسيا من هذه القضية، والذي لا يعتبر وليد اليوم، فهو يعود لعقود وبالضبط منذ حقبة الاتحاد السوفياتي، وذلك على الرغم من التقارب الأيديولوجي المسجل بين الجزائر وموسكو.