لوفيغارو أثنت على “مسيحية” دبي وعيد الفطر مازال يفرقنا
في كل سنة ميلادية جديدة، نعاود طرح نفس الأسئلة، هل الاحتفال بعيد غير إسلامي جائز؟ وهل هو تشبّه بالآخرين أم عقدة تجاه الآخرين؟ ولماذا نعجز عن إيصال خيرات ونفحات أعيادنا للآخرين؟ وللأسف تبقى كل هذه الأسئلة من دون إجابات، فندخل أعوام الآخرين، وننسى مواسمنا وعيد هجرتنا، وللأسف غالبية الذين يتحركون في شهر ديسمبر الميلادي، ويقذفون المحتفين بدخول شهر جانفي الميلادي بالهرج والمرج، لا يعلمون بأننا كنا في شهر صفر ودخلنا ربيع الأول الهجري.
ففي الوقت الذي يقول الكثير من العلماء بأن تهنئة الآخرين بأعيادهم غير الإسلامية حرام بالإجماع، حسب المرحوم الشيخ صالح العثيمين نقلا عن ابن القيم، يرى “آخرون” أن ذلك مباح، وبينما يجرّ الغرب الكثير من البلدان الإسلامية للاحتفال برأس السنة الميلادية، وينطلق للعمل بعد يومين للراحة فقط، نبقى طوال السنة عاجزين عن توحيد صف المسلمين، فنحن نختلف في الكيفية وفي التوقيت أيضا في احتفالات أعيادنا الدينية، فما بالك بأعياد الآخرين، رغم أن بلدانا إسلامية دخلت الصف الغربي، وسبقت عواصم العالم، إلى درجة أن صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية خصّت، نهار أمس الخميس، صفحة كاملة صالت وجالت فيها بالصورة والتعليق والتبريك في أجواء دبي، واعتبرتها مثالا حيا لتعايش الأديان، بعد أن أبهرت العالم _ حسب الصحيفة _ باحتفاليتها الكبرى بعيد ميلاد المسيح عليه السلام، إذ حطمت رقما قياسيا عالميا في كمية الشماريخ التي أضاءت سماءها، ضمن معادلة التغريب، التي سارت عليها الكثير من البلدان الإسلامية في احتفالات رأس السنة الميلادية.
والغريب أن المدن الأشهر في العالم التي تتسابق وتتوج، بكونها الأكثر جاذبية باحتفالاتها الباهرة تنتمي لبلدان مسلمة، فبينما صارت دبي عاصمة عالمية تشدّ إليها الرحال بفضل الألعاب النارية وطريقة الاحتفال، خاصة ببرجي الخليفة والعرب، نافستها العاصمة الماليزية بأبراجها أيضا، وباستعمال ألعاب نارية جديدة يتواصل بريقها من آخر ساعات اليوم الأخير من ديسمبر إلى فجر اليوم الموالي، بينما راهنت إسطنبول عاصمة الخلافة العثمانية، على أن تخطف في ليلة رأس السنة الميلادية الملايين من السواح، غالبيتهم من المسيحيين، وفرت لهم تركيا كل أسباب الراحة على الطريقة الغربية من خمور وجنس.
كما قدمت جزيرة بالي التابعة لأندونيسيا الدولة الإسلامية، برامج من الاحتفالات شدت إليها الرحال من فرنسا وهولاندا، وخاصة أستراليا، وتواجد بذلك في الوقت الراهن، أربع دول إسلامية في المركز الأول من حيث الجذب السياحي خلال رأس السنة الميلادية المنقضية، وهي الإمارات العربية المتحدة وماليزيا وأندونيسيا وتركيا، وعجزت بقية المدن الغربية المسيحية مثل روما ولندن وباريس ولشبونة عن خطف السواح من هاته البلدان الإسلامية، في الوقت الذي واصلت أغادير المغربية استقطاب السواح الألمان، إضافة إلى جزيرة جربة التونسية التي نافست بقوة على لقب تاج رأس السنة الميلادية، رغم أنها لا تمتلك نفس الإبهار الذي تقدمه مدينتا كوالامبور ودبي.
والغريب أن غالبية الفتاوى التي تحرّم الاحتفال بهذا الصخب برأس السنة الميلادية تنطلق من هاته البلدان، التي صارت المئات من الفضائيات العالمية تنقل احتفالاتها الصاخبة والباهرة على المباشر، خاصة من دبي والعاصمة الماليزية، اللتين تتسابقان في العمران، وأيضا في الألعاب النارية، وتنقل نفس الفضائيات فتاوى شيوخها التي تحرم التشبه بالمسيحيين، وما حدث سهرة الثلاثاء على المواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، تحوّل إلى عالم عنكبوتي متناقض بين تهاطل فتاوى التحريم ونقل مباشر لسماء دبي المزركشة بكل الألوان والأضواء، التي أحرقت ملايين الدولارات في لحظات.
في عيد الفطر المبارك السابق، اختلف المسلمون في تحديد يوم الإفطار، ولم تبث غالبية الفضائيات صور الفرح، حيث سالت الدماء، وكان من الصعب أن نجد فرحة العيد على شفاه الأطفال، وفي عيد الأضحى الأخير، اشتدت الفتنة واختلطت دماء الأضاحي بدماء الأطفال والنساء، ففقد العيد معناه اللغوي الذي يعني اليوم العائد أو الاجتماع، في ذلك اليوم، وفقد أيضا معناه الديني الذي أقرّه القرآن الكريم في قوله تعالى: »لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا«، »ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله«، »ولكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه« فكان للمسلم عيدان يرتبطان بفرضين من فرائض الإسلام، وهما الصوم والحج إلى بيت الله الحرام، وعيد أسبوعي هو يوم الجمعة وأعياد يومية هي الصلوات الخمس المفروضة التي تجمع المسلمين في زمن واحد، ومكان واحد وتجعلهم على قلب واحد بلسان واحد، وهو ما جعل كبار العلماء يتساءلون عن سبب التشبه بالآخرين بالاحتفال بأعيادهم،رغم أنهم يعلمون أن المسيحيين لا يحتفلون بدخول رأس السنة الهجرية، ولا بعيدي الفطر والأضحى، ورأوا أن أي عيد غير إسلامي فهو يدخل ضمن الأعياد المبتدعة والمحدثة في دين الله تعالى.
ولم يجد الشيخ عبد العزيز بن باز من رد على سائليه، سوى تذكريهم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: »من أحدث في أمرنا هذا منه فهو رد«، واعتبرها نوعا من العبادات المحدثة في دين الله، لأن السيرة النبوية لم يكن فيها غير أعياد المسلمين، بل إن الشيخ صالح بن العثيمين اعتبر مجرد تهنئة المسيحين بأعياهم حراما بالإجماع، وقال ابن القيم إن هذه التهنئة أشدّ شبهة من تهنئة شارب الخمر بسُكره، وحرموا أيضا الدخول في عطلة عن العمل في الفاتح من جانفي، كما هو سائر في كل الدول الإسلامية من دون استثناء، إذ يبقى السؤال الكبير لماذا لا يحتفل غيرنا بأعيادنا، ونحتفل نحن بأعيادهم؟ وفي الزمن المصري الحالي، حيث يعرف جامع الأزهر أكبر فتنة في تاريخه، بعد انقلاب العسكر على حكم جماعة الإخوان المسلمين، خرج علماؤه بفتوى تبيح الاحتفال وتهنئة المسيحيين، بل إن الكثير من شيوخ الأزهر صاروا يشاركون في احتفالات المسيح داخل الكنائس، متكئين على كون المسيح من رسل الله، ومرددين قوله تعالى في سورة البقرة: »آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا نفرق بين أحد من رسله، وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير«.
الخلاصة أن عيد الفطر القادم سيشهد نفس فتنة اختلاف الزمان ونار المكان، وعيد المسيح القادم سيشهد مزيدا من التهافت على الاحتفال به، ودبي ستجد مدنا إسلامية أخرى تتصارع معها لتقدم للعالم المسيحي صورة الحب التي يريدونها.